شاءت الظروف أن أعمل مراقبا دوليا من ضمن قوات التواجد الدولي المؤقت (TIPH –Temporary International Presence in Hebron) في مدينة الخليل ب فلسطين في العام 1997، ومن خلال تواجدي وعملي في مدينة الخليل تعرفت عن كثب عن الأوضاع التي يعيشها أهلنا في فلسطين، وبالذات في مدينة خليل الرحمن، أبونا النبي إبراهيم عليه السلام. وهنا أريد أن أقول: أن كل ما نعرفه عن أوضاع الشعب الفلسطيني والصعوبات التي يعانيها في ظل الاحتلال الإسرائيلي من خلال دراستنا في مختلف المراحل الدراسية، الابتدائية والمتوسطة والإعدادية والجامعية ومن خلال الصحافة والإعلام عن أن قضية فلسطين هي القضية المركزية عند كافة الدول العربية في كفة، وحينما وصلت إلى مدينة الخليل ورأيت وشاهدت وعرفت ما يتعرض له الشعب الفلسطيني يوميا من مختلف أنواع المشاكل في كفة أخرى. قد لا يصدق قارئ هذه السطور حينما أقول بقيت أبكي كل يوم ولمدة أسبوع، حينما كنت أتجول في مدينة الخليل وأشاهد بأم عيني ما يتعرض له المواطن الفلسطيني كل يوم، من ضنك العيش والحرية في التنقل في أرجاء وطنه المحتل، ناهيك عن الإهانات على يد جنود الاحتلال الصهيوني في المعابر والطرقات والممارسات اللإنسانية في الحياة اليومية الاعتيادية.
أصل سكان الخليل
قرأت في الموسوعة التاريخية الفلسطينية التي حصلت عليها من المرحوم الدكتور أحمد أبو مطر (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)، بأن حوالي نصف سكان الخليل هم من أصول عراقية قدموا مع قوات صلاح الدين الأيوبي الذي حرر القدس والخليل من الصليبيين. كان جيش صلاح الدين الأيوبي يتألف من عرب وأكراد، وحتى أن عائلة الدكتور بدر الذي هو والد الفنان المرحوم عصام بدر، هم من أصل كردي عراقي قدموا مع قوات صلاح الدين، وكذلك المحاسبي والجنيدي والقواسمة وعبيد وبدران والدويك وغيرهم من العوائل الساكنة في مناطق مختلفة من لواء الخليل.
لهجة سكان الخليل
تتميز لهجة مدينة الخليل عن لهجات بقية المدن الفلسطينية، وكذلك المقولة الشهيرة لسكان الخليل: (اللي يعيش بالخليل بدو يرضى بالأليل. ومعناها الذي يعيش بالخليل لازم يرضى بالقليل). وهذا يعني أن سكان الخليل يتدبروا أمرهم بالقليل من الطعام والشراب ويقتصدوا في الموارد الغذائية، ولكن هذا لا يعني أنهم بخلاء، وإنما على العكس هم ناس يرحبون بالضيف ويطعمون الفقير والدليل على ذلك هو مطبخ الحرم الإبراهيمي الذي يقدم الطعام للفقراء كل يوم.
مجزرة الحرم الإبراهيمي
في صباح يوم 25 شباط/فبراير من العام 1994م، ارتكب المستوطنون اليهود مجزرة في المسجد الإبراهيمي بقيادة باروخ جولدشتاين، وهو طبيب يهودي بالتواطؤ مع عدد من المستوطنين والجيش في حق المصلين، حيث أطلق النار على المصلين المسلمين في المسجد الإبراهيمي أثناء أدائهم لصلاة فجر يوم جمعة في شهر رمضان، وقد قتل 29 مصليًا، وجرح العشرات.
التواجد الدولي في الخليل
بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي في العام 1994، وتصريح الرئيس الراحل ياسر عرفات بأن الجانب الفلسطيني سوف لا يلتزم بتنفيذ بنود اتفاقية أوسلو المبرمة في 13أيلول/سبتمبر1993 إلا بعد إرسال قوات دولية من النرويج. وتنفيذًا لمطالب ياسر عرفات، أرسلت النرويج لأول وهلة مراقبين من النرويج فقط في 8 مايس/مايو1994 والذي سمي بالتواجد الدولي المؤقت في مدينة الخليل ( TIPH) لإعمال المراقبة والمتابعة وكتابة التقارير وتدوين الحوادث التي يرتكبها كلا من الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. وقام التواجد الدولي في الخليل بنشاطات اجتماعية وثقافية وقام أيضًا بدعم العديد من المؤسسات الخاصة والحكومية في المدينة. ساهمت عدة دول في قوات التواجد الدولي المؤقت في الخليل وهي: النرويج، السويد، الدنمارك، سويسرا، تركيا، اليونان، إيطاليا على شكل وجبات، مدة الواحدة منها ثلاثة أشهر قابلة للتمديد.
غادر الأعضاء الدنماركيون المدينة وأوقفوا مهماتهم مؤقتًا في 24 أفريل 2005، بسبب نشر الصور المسيئة للنبي محمد (ص)، ولكنهم عادوا في العام 2006، حيث استعادت البعثة نشاطها المعتاد. وفي شهر أذار/مارس 2007 جرح أحد المراقبين السويديين في رأسه، بسبب حجارة ألقاها مستوطن إسرائيلي في شارع الشهداء.
إنهاء البعثة
في 28 كانون الأول /يناير 2019، صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عبر تغريدة له في موقع تويتر، بأنه قرر عدم تمديد ولاية البعثة الدولية، وبرر قراره بالقول: إن إسرائيل "لن تسمح باستمرار وجود قوة دولية تعمل ضدنا".
الشهيد نزار دعنا
أرفق جزءًا مستلًا من مقالة كتبتها ونشرتها في موقع الحوار المتمدن عن الشهيد نزار دعنا: "عرفته في العام 1997 من خلال أخيه ناجي دعنا الذي عمل آنذاك مترجمًا في قوات التواجد الدولي في مدينة الخليل بفلسطين، حيث عملت مراقبًا دوليًا ضمن البعثة النرويجية. انحدر نزار دعنا من أسرة معروفة بنضالها الوطني في الساحة الفلسطينية ولقد لعب أبوه دورًا بارزًا في نقابة المعلمين الفلسطينية، بمواقفه الشجاعة ضد الاحتلال الإسرائيلي في مدينة الخليل. لقد وطدت علاقات متينة مع بيت أبو سيف (والد نزار دعنا)، وكنا وقتذاك من خلال زياراتي المتكررة لهم نتناول الأوضاع الفلسطينية والعراقية معًا. لقد كان المرحوم نزار دعنا من المتحمسين لقضية الشعب العراقي ولهذا تراه من أول الصحفيين العاملين في رويترز الذين قدموا إلى العراق لتغطية وقائع الحرب والاحتلال الأمريكي للعراق.
اتسم الشهيد نزار بالشجاعة والجرأة ولا يخاف الموت، فكم من مرة ضرب واعتقل من قبل العدو الصهيوني، حينما كان يغطي ويصور وقائع الأحداث في فلسطين المحتلة، ولهذا فلقد منح جائزة الصحافة الحرة". نشرت المقالة باسم سناء الموصلي في الحوار المتمدن - العدد: 788 - 2004 / 3 / 29 - 08:08 . المحور: اخر الاخبار, المقالات والبيانات نزار دعنا- شهيد الصحافة الحرة (ahewar.org)
بيت أبو سنينة في الخليل والقدس.
تعرفت على الأخوين محمد وإياد أبو سنينة حسبما أتذكر في الزاوية العلاوية القادرية بجوار المسجد الأقصى في القدس الشريف في أول زيارة للزاوية في شهر حزيران من العام 1997. الزاوية القادرية أو الزاوية الأفغانية، مبنى أثريًا، يعود تاريخه إلى الحقبة العثمانية في فلسطين، وتحديدًا في العام 1633. ويرجع سبب تسمية هذه الزاوية أحيانًا باسم «الزاوية الأفغانية» إلى إقامة مجموعة من أفغان القدس فيها في العقود الماضية وتولي بعضهم إدارتها مؤخرًا. وتوطدت علاقتي مع محمد وإياد بعد عدة زيارات للقدس، ومن ثم قاموا بتعريفي على أخوهم الكبير إبراهيم في مدينة الخليل.
يوجد في مدينة الخليل جبل باسم جبل أبو سنينة الذي يطل على مدينة الخليل وكانت دوريات المراقبين من التواجد الدولي في الخليل تستخدمه للاطلاع على المدينة، وحينما زار ياسر عرفات مدينة الخليل في شهر تموز العام 1997 وأثناء إلقاء خطابه من أمام مبني بلدية الخليل، أشار بيده الى جبل أبو سنينة وقال عبارته المشهورة: يا جبل لا يهزك ريح للدلالة على قوة الشعب الفلسطيني.
معرض الفن التشكيلي الفلسطيني في النرويج
قمت وزوجتي آلا بوغدانوفا (ماجستير في تاريخ الفنون التشكيلية من أكاديمية الفنون في لينين غراد بالاتحاد السوفييتي سابقا 1983 وباحثة علمية في متحف الشرق والغرب في مدينة أوديسا بأوكرانيا) بتأسيس مشروع لمتحف الفنون الشرقية في النرويج في العام 1998. قمنا بإقامة عدة نشاطات ثقافية ومعارض فنية مع محاضرات عن الفنون التشكيلية في العراق وفلسطين وسوريا ومصر والمغرب العربي. وفي خلال سنة 1998 قمت بمراسلة وزارة الثقافة الفلسطينية وبالذات الفنان التشكيلي عصام بدر. كان أول نشاط لنا هو مهرجان "كلمة من بلاد الرافدين" في ربيع العام 1999 في العاصمة أوسلو.
استثمرت فترة وجودي في فلسطين في العام 1997 وقمت بالاتصال بعصام بدر الذي عرفني على بقية الفنانين التشكيليين العاملين في وزارة الثقافة الفلسطينية برام الله، مثل: نبيل عناني وجواد ابراهيم وخالد حوراني وتيسير بركات وحسني رضوان.. الخ، وكذلك تعرفت على الفنان التنشكيلي سليمان منصور في القدس.
قمت بعدة زيارات لوزارة الثقافة الفلسطينية في رام الله على الرغم من إغلاق الطرق بين الخليل والقدس ورام الله وسلكت الطرق الالتفافية للوصول الى رام الله، وذلك من أجل التنسيق لإقامة معرض للفنون التشكيلية الفلسطينية في النرويج.
تمكنا أنا وزوجتي آلا بوغدانوفا من التوصل إلى اتفاق مع اتحاد فناني مدينة درامن الواقعة جنوب العاصمة أوسلو بحدود 45كم، وبعد أن قامت زوجتي بإلقاء محاضرة عن الفن التشكيلي الفلسطيني في خريف العام 1998. سافرت مع مدير قسم المعارض في اتحاد فناني مدينة درامن Drammen في شهر شباط 1999 إلى فلسطين والتقينا بنبيل عناني الذي كان وقتذاك رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين في الضفة الغربية وعصام بدر وجواد إبراهيم وغيرهم، وتم الاتفاق على إقامة المعرض لعشرة فنانين فلسطينيين في شهر تموز 1999 في متحف مدينة درامن المارة الذكر.
افتتح المعرض في صيف العام 1999 من قبل وزيرة الثقافة النرويحية وقتذاك آنه انكر لانستاين .Anne-Enger Lahstein استمر المعرض لشهرين، أرسل بعدها إلى متحف فيينا في النمسا. كان هذا المعرض هو أول معرض لعشرة فنانين تشكيليين فلسطينيين يقام في النرويج. وقد بذلنا أنا وزوجتي جهودًا مضنية من أجل إقناع النرويجيين بإقامة هذا المعرض ولا يتسع المجال لذكر التفاصيل.
زيارة منطقة المثلث في فلسطين
قمت وزوجتي في صيف العام 1997 بزيارة منطقة المثلث بناء على توصية من قبل الدكتور فلاح (من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) الذي كان يعمل في وزارة الثقافة برام الله. نزلنا ضيوفنا عند عائلة فلسطينية يعرفها الدكتور فلاح. ومن هناك في اليوم التالي استقلينا سيارة أحد الاخوة من منطقة المثلث لزيارة عكا ونتانيا. ومن هناك رجعنا أنا وزوجتي إلى القدس ومن ثم إلى الخليل.
مدينة الفالوجة
حدثني الشيخ رمضان الذي يملك مطبعة لطباعة الكتب والدفاتر المدرسية في مدينة الخليل عن الشيخ شهاب الدين أحمد الفلوجي ومدينة الفالوجة. والفالوجة بلدة عربية تنسب إلى الولي الصالح شهاب الدين أحمد الفلوجي الذي هاجر من بلدة الفلوجة على نهر الفرات في العراق، إلى موقع زريق الخندق شمالي شرق القرية، ولما مات دفن هناك وأخذ الناس يبنون البيوت حول ضريحه فتكونت نواة القرية.
أبلى سكان الفالوجة في حرب العام 1948 بلاء حسنًا في الدفاع عن قريتهم وأراضيهم، وصمدوا أثناء الحصار الذي تعرضت له حامية من الجيش المصري في القرية طوال ستة شهور. وأخيرًا أسفرت المفاوضات عن انسحاب الجيش المصري وخروج السكان من بلدتهم، فدمرها اليهود تدميرًا كاملًا، وزرعوا في موقعها أشجار الكينيا، وأقاموا مركز تفتيش لشرطتهم فيها، كما بنوا على الأراضي الواقعة بين الفالوجة وعراق المنشية مستعمرة “قريات غات”، ثم اتسع عمران المستعمرة فغدت مدينة، ابتلعت اليوم أجزاء من أطراف قريتي الفالوجة وعراق المنشية، وكذلك أقام اليهود على أراضي الفالوجة مستعمرتي “شحر ونيرحن” ومزرعة “مفحور”.
هناك الكثير والكثير يمكن التحدث به عن عملي كمراقب دولي في مدينة الخليل من ضمن قوات التواجد الدولي. وسوف أكتب ذلك بالتفصيل في وقت آخر في المستقبل.
الملحقات: صورتين، الأولى لفريق البعثة النرويجية في قوات التواجد الدولي المؤقت في مدينة الخليل. والثانية أنا أثناء العمل في المكتب.

