تعريفُ الأمنِ الغذائي:
توجدُ تعريفاتٌ عدّةٌ للأمن الغذائي، لكنّ أهمَّها وأبسطَها هو توفيرُ الغذاءِ بالكميّة والنوعيّة اللازمين للنشاط والحيويّة وبصورةٍ مستمرّةٍ لكلّ أفراد المجتمع، اعتمادًا على إنتاج السلع الغذائيّة لكلّ بلد، وإتاحة هذا الغذاء الصحي والآمن لجميع المواطنين بالأسعار التي تتناسب مع مداخيلهم وإمكانيّاتهم الماديّة.
الأمنُ الغذائيُّ المطلقُ ويعني أنّ كلَّ دولةٍ تنتج الغذاء داخل كيانها وحدودها، بما يعادل أو يفوق الطلب المحليّ، وهذا المستوى يرادف الاكتفاء الذاتي الكامل ويعرف أيضًا بالأمن الغذائي الذاتي، وهذا التحديد المطلق والواسع لمعنى الأمن الغذائيّ واجه انتقاداتٍ عديدة، إضافةً إلى أنّه غيرُ واقعيّ.
وعلى العكس، فإنّ الاعتماد على الأسواق العالميّة واستيراد الغذاء منها له مخاطرُ أهمُّها الكوارثُ الطبيعيّةُ والحروبُ والموانعُ السياسيّةُ، كالعقوبات الدوليّة التي تطلقها وتطبّقها الولايات المتّحدة على بلداننا ودولنا، من أجل فرض شروطها السياسيّة قبل أن تسمح لنا باستيراد الغذاء.
مرتكزات وأسس الأمن الغذائي:
إنّ المفهوم النسبيّ للأمن الغذائي يُؤسّسُ على مرتكزاتٍ عدّة:
وفرة السلع الغذائية.
تواجد السلع والغذاء بشكل دائم بالأسواق.
أن تكون أسعار السلع والأغذية في تناول المواطنين وضمن قدرتهم الشرائية.
سهولة الوصول والحصول على السلع والأغذية.
الكوارث الطبيعية والأوبئة والحروب لها دور مهم في إضعاف المستوى الغذائي (جائحة كورونا نموذجاً)، لقد سلطت هذه الجائحة الضوء على قضايا الغذاء، سواءً المتعلقة بنقص المواد الغذائية أو صعوبة توفير الغذاء في الأسواق المحلية نتيجة انقطاع سلاسل التوريد أو تعطلها، لأننا لا نعرف الشكل الذي ستتخذه الأزمات والكوارث المقبلة، لذلك يجب الاستعداد، من حيث تنويع نُظم الإمداد وسلاسل التوريد والتحضير الجيد في تطوير الزراعة وأشكالها وأنظمتها ليتم التقليل من حجم الأضرار التي ستنجم عن تلك الكوارث والأزمات.
معوقات الأمن الغذائي في العالم العربي:
أهم معوق يواجه الأمن الغذائي هو اعتماد المنطقة العربية على استيراد الغذاء بشكل مهم، فنلاحظ وجود فجوة غذائية كبرى بين احتياج السكان من السلع الغذائية، وبين ما هو متوفر من الإنتاج المحلي وتقدر الفجوة الغذائية بين المتوفر والحاجة بقيمة 35 مليار دولار سنوياً وهو قيمة ما تستورده المنطقة من الحبوب واللحوم البيضاء والحمراء والزيوت والسمون والمواد الأخرى.
التحدي الأهم للزراعة وتوفير الغذاء هو الجفاف الذي يهدد الوطن العربي، حيث أظهرت بعض الدراسات الدولية حالة الجفاف التي تسود في المنطقة العربية من 20 سنة وهي الأطول من نوعها خلال المئة عام الأخيرة.
أطلق برنامج الأمم المتحدة تحذيراً من أن ندرة المياه في المنطقة العربية، ستؤدي إلى انخفاض الزرعة ومردوها في السنوات القادمة بما نسبته 20 بالمئة.
الوطن العربي يعاني من ندرة مائية وفقر مائي بنسب مهمة، حيث يوجد 19 دولة في العالم تعاني الفقر المائي إلى درجة مخيفة منها 13 دولة عربية، فخلال الـ55 عام الماضية انخفض نصيب لفرد من المياه من 2600 م3 إلى 600 م3 سنوياً، وهو ما يضع معظم دولنا تحت خط الفقر المائي.
أظهرت الأرقام انخفاض نصيب الفرد من مساحة الأراضي الزراعية الخصبة من 4000 م2 إلى 1400م2، ومن المتوقع أن يؤدي نقص مساحة الأرض الصالحة للزراعة إلى نزوح جماعي باتجاه المدن وتضخم حزام الفقر حولها ووجود أحياء مليئة بالنازحين تفتقر للخدمات الأساسية.
وجود بنى تحتية غير جاهزة لتطوير الزراعة يشكل أمراً مهماً وتحدي كبير في توفير الغذاء.
تأثير الاقتصاد العالمي على أسعار الغذاء وحصول ارتفاعات حادة بثمن الغذاء نتيجة الصراعات والحروب الدولية هو تجدي آخر.
التضخم وتدني الرواتب والأجور، يؤدي إلى حالات من فقر التغذية وأمراض سوء التغذية.
حروب المياه التي تقوم بها دول الجوار العربية:
الأخبار المهمة جداً الواردة من دول الجوار العربي السوري كمثل على الأزمة، نجد بها بعض التصرفات والمشاريع التي تهدد الزراعة والغذاء في الوطن العربي: نهر الفرات عنصر مهم جداً للزراعة في سوريا والعراق وأقيمت عليه مشاريع مهمة وكبرى في مجال الزراعة وإنتاج الكهرباء، حيث تعتبر منطقة الجزيرة السورية المعتمدة على هذا النهر ومنطقة وسط العراق وجنوبه خزان غذائي للبلدين، ففي الآونة الأخيرة أنشأت تركيا سدوداً كثيرة وكبرى على مجرى النهر في أراضيها، مما أدى إلى إضعاف منسوب المياه في هذا النهر، وفي ذلك مخالفة واضحة للقوانين والمعاهدات الناظمة لهذه الحالة، وتعتبر خطة سياسيّة واقتصادية في حرب المياه ضد العرب.
أما إثيوبيا التي ينبع منها النيل اتخذت خطوة مماثلة بإقامة سدود متعددة وآخرها سد النهضة على مجرى النيل، أدت إلى حجب كميات كبيرة من المياه عن مصر والسودان، وبالتالي تعرضهم إلى خطر محدق في إنتاج الغذاء، وحصول الجفاف في هذين البلدين، وهي خطوة أخرى نحو حرب المياه ضد العرب.
كما أن المراقب يلاحظ توترات بين موريتانيا والسنغال حول نهر السنغال الذي تعتمد عليه موريتانيا وهو خطوة أخرى نحو حرب المياه ضد العرب.
الفقر والأمن الغذائي والجوع:
إن الأمن الغذائي مرتبط بشكل مهم بالفقر ومتناسب معه عكسياً، غالبية شرائج المجتمعات العربية تعاني من وجودها تحت خط الفقر، مما قد يؤدي إلى الجوع والجوع المزمن، يشكل خطر على استقلال الحكومات والدول، فالناس الذين يتضورون جوعاً ولا يملكون أية مداخيل لرعاية أسرهم وسد احتياجاتهم لا تبقى لهم إلا مشاعر الخيبة وفقدان الأمل واليأس، فاليأس سيؤدي إلى التوتر وحتى العنف، فقد واجه العالم اضطرابات عديدة سبب غالبتها الجوع واليأس.
على الحكومات والجهات التنفيذية أن تضع خطط قابلة للتطبيق، وذلك لتحسين واقع الأمن الغذائي ودعم الزراعة والفلاحين ومربو الثروة الحيوانية على كافة المستويات توفير تكلفة الإنتاج بأسعار مقبولة.
يجب مكافحة الهدر في استخدام المياه وبناء مشاريع للاستفادة من مياه الصرف الصحي وإعادة تدويرها بعد معالجتها لتساهم في حل جزء من مشكلة المياه والجفاف، وعلى الحكومات العربية تطوير أساليب الزراعة والوصول إلى إقامة صناعات زراعية بشقيها النباتي والحيواني للتخلص من الحاجة للاستيراد والاعتماد على الذات لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
إن وجود سياسات علمية مبنية على عدالة توزيع الغذاء والموارد، هو مطلب هام لتحقيق الأمن الغذائي للشعوب العربية في مختلف الدول، فمحاربة الفقر والتضخم في سبيل تحسين المستوى المعيشي للناس وتأمين الدخل المناسب الذي يكفي للعيش الشريف والغذاء الضروري، وكذلك فإن ترشيد استخدام المياه وإنشاء مشاريع وفق تنسيق إقليمي للاستفادة من المياه الجوفية والاستفادة بالشكل الأمثل لها، والسعي لتوفير حوامل الطاقة بأسعار مناسبة تخدم الإنتاج وتساهم في انخفاض أسعار الغذاء، والأهم من ذلك كله إيجاد إدارة عادلة وناجحة تستطيع تجاوز كل العقبات.

