Menu

الدولة الديمقراطية غير الدولة الواحدة

شحادة موسى

استطراد لمقالة محمود فنون "في الدفاع عن الحكيم جورج حبش"

كتب محمود فنون في "نشرة كنعان" بتاريخ 1/9/2022 في المقالة المشار إليها في العنوان، يردُّ على الرفاق الذين استنكروا ما كتبه في مقال "أحمد قطامش وبيت الحكيم"، وخلاصة الرد رفضه الزَّجَ باسم الحكيم مع الذين يدْعون إلى حلِّ الدولة الواحدة، بغض النظر عن الصفات التي تُلصق بها؛ لأنهم باختصار يدعون إلى التعايش مع المستوطنين. وفيه أن أحمد قطامش اقتبس أقوالًا للحكيم ليخلص بها إلى أنّ الحكيم مع حل الدولة الواحدة. ومن تلك الأقوال: إنّ هدف النضال الفلسطيني هو تحرير فلسطين وإقامة دولة ديمقراطية من دون تمييز ديني أو عرقي أو جنسوي. وقوله: لا يمكن أن أقبل بألّا تكون أرضي وأرض أجدادي لي ولأبنائي وأحفادي؛ سأبني طبقة ثانية فوق بيتي لأُسكنَ العائلة التي تسكن في بيتي اليوم.

في ملاحظة سريعة وأساسيَّة نقول إنه ليس من الإنصاف أو الدقَّة العلمية تأويل ما ورد عن الدولة الديمقراطية وإسكان العائلة اليهودية على أنه تأييد للدولة الواحدة، دولة التعايش مع المستوطنين، التي كثر الحديث عنها في السنوات الأخيرة؛ وذلك ببساطة لأنَّ التحرير الذي تحدَّث عنه الحكيم نقيضٌ للتعايش ولتلك الدولة الواحدة.

ونودُّ التأكيد أنَّ مقالتنا هذه، وإن كانت تتعلق بمواقف أشخاص معيَّنين، فإنها لا تتجاوز المواقف، وبعيدةٌ عن أي اعتبارات شخصية. ونعتقد أن مقالة محمود فنون ذاتها هي كذلك تنحصر في مناقشة المواقف؛ وصاحبها عبَّر عمَّا يكنُّ من احترام ومحبة لشخص أحمد قطامش. ولا غَروَ في ذلك، فهُما مع عادل سمارة، كما يظهر من كتاباتهم، جمعهم إطار تنظيمي بانتمائهم إلى نفس المنظمة واضطلعوا بمسؤوليات نضالية فيها.

وقد أصبح محمود فنون، وعادل سمارة، عنوانًا مرجعيًا لمصطلح "التعايش مع المستوطنين". فهما، بحسب علمنا، مَن صاغه، ويستخدمانه وصفًا مذمومًا لكل من يدعو إليه مهما كان الشعار الذي يرفعه تحت عناوين الدولة أو الدولتين؛ لأنه يعني التسليم بحق الغُزاة الصهاينة المستوطنين في فلسطين، وبقائِهم فيها.

ونضيف هنا في تعليق مختصر، أن مواصلة الكيان الصهيوني سياساته في قضم الأراضي، والاستيطان، والتهويد، تؤكد فساد فكرة التعايش وبطلانها من أساسها. وسواء جاءت الفكرة باسم مبادرات سلام عربية، أو دعوات سلام وحوار فلسطينية؛ فهي في جوهرها ناجمة عن الشعور بالهزيمة والعجز أمام الكيان الصهيوني. والمهزوم عندما يتودد الى المنتصر فإنه يستعطفه، وما يسميه مبادرات ليس سوى بديلٍ هزيل للاعتراف بالانهزام، وينطوي على مخاطر جدية في إنه يوحي للعدو بالاطمئنان ومواصلة سياساته واعتداءاته، ويبيع الفلسطينيين أوهامًا وآمالًا كاذبة، ويثبِّط من عزيمتهم وروح المقاومة لديهم.

ونحن في هذه المقالة نركِّز على مسألة الدولة الواحدة، وجلاء موقف الحكيم جورج حبش من هذه الدولة، وهو موضوع مقالة محمود فنون وموضوعنا، وتأكيد الهدف القومي للنضال الفلسطيني، كما يراه الحكيم والتيار الذي يمثلِّله، بدحر المشروع الصهيوني وتصفية كيانه، وإقامة الدولة العربية الفلسطينية الديمقراطية.

وبمتابعة ما يُكتب عن حلِّ الدولة الواحدة يتبيَّن أنها تعبيرات عن رؤى فردية، أمَّا حلَّ الدولتين فقد أخذت به المنظمة الرئيسة في الحركة الوطنية الفلسطينية وهي حركة فتح. ويُلاحظ اليوم أنَّ حل الدولة الواحدة يكتسب اهتمامًا متزايدًا، والحديث عن حل الدولتين يتراجع وأصبح في الغالب عن فشل هذا الحل.

وفي سياق الرؤى الفردية يمكن النظر إلى توقيع أحمد سعدات، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، على وثيقة تدعو إلى الدولة الواحدة هي الوثيقة التأسيسية ل"الحركة الشعبية من أجل فلسطين دولة علمانية ديمقراطية واحدة" (21 أكتوبر 2017). فقد أحدث التوقيع ضجة دفعت صاحبه إلى سحب توقيعه، وتوضيح سبب السحب، كما جاء في حوار له، من سجنه، مع جريدة المصري اليوم، بالقول: "لأن اجتهادي بتوقيع الوثيقة لم ينل تزكية الهيئة القيادية التي أُمثِّلها والتي اختلفت مع عدد من نصوصها ورأت في توقيعي تجاوزًا لموقفها في مسألة لم تناقش وتحسم داخليًا" (المصري اليوم، 20/10/ 2018).

غير أن هذا التوقيع وسحبه يؤكد، من جهة أخرى، أنَّ هناك التباسًا في موقف الجبهة من مسألة الدولة، وربما كان هذا الالتباس وراء التحاق بعض أصدقاء الجبهة بالدعوة إلى الدولة الواحدة.

وفي هذا السياق الفردي كُتب الكثير عن حلِّ الدولة الواحدة وحلِّ الدولتين. وحسنًا فعل محمود فنون بأن أعدَّ كتابًا بهذا العنوان تضمن أسماء عدد من المثقفين والناشطين الفلسطينيين مصنفين بحسب رؤاهم من هذين الحلَّين.

وما دمنا في نطاق التصورات الفردية، فربما كان من المفيد الإشارة الى وجهتي نظر فيهما من المعقولية والواقعية ما يدعو إلى الاطلاع عليهما:

الأولى قديمة، بشأن دولة فلسطينية مستقلة في الأراضي التي احتلت سنة 1967، طرحها وليد الخالدي، المؤرخ والباحث الأكاديمي المرموق، في سنة 1978 في المجلة الأميركية الشهيرة “Foreign Affairs”

(شؤون خارجية) في مقالة بعنوان التفكير في اللامُفَّكر فيه: دولة فلسطينية مستقلة

“Thinking the Unthinkable: A Sovereign Palestinian State” (July 1978).

ينطلق الخالدي من رؤية بأنْ ليس هناك اختيار أو بديل مقبول غير هذه الدولة، وأنَّ الجيل الفلسطيني الحالي مستعد لقبول هذا الحلّ بكل ما يعتوره من اعتراف وتعايش إسرائيلي – فلسطيني متبادل. والحل هو في قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة في الضفة، وغزة، و القدس الشرقية (الأراضي التي احتُلت سنة 1967). وذكر تفاصيل مقوِّمات هذه الدولة، ومنها: تكون محايدة على غرار النمسا، ولديها جيش لأن الحياد لا يعني نزع السلاح، والقدس الشرقية عاصمتها، وإسكان أكبر عدد ممكن من اللاجئين في جميع مناطق الدولة، وتطبيق القرار (194)، وإزالة جميع المستوطنات.

وجهة النظر الثانية تتعلق بالدولة ثنائية القومية عرضها صقر أبو فخر في جريدة "العربي الجديد" (22أكتوبر 2018). تقوم الفكرة على أن حل الدولة الواحدة مستحيل، وحل الدولتين (وهو أكثر واقعية) سقط في الطريق؛ فاستيقظت فكرة الدولة ثنائية القومية مجدَّدًا.

استعرض أبو فخر الفكرة تاريخيًا فذكر، بالتواريخ والأسماء، أن الفكرة بدأت في الوسط الفكري اليهودي في عشرينيات القرن الماضي، وتجاوبت معها بعض النخب العربية. ودعت الفكرة إلى دولة فلسطينية يتمتع فيها اليهود والعرب بالحكم الذاتي في شؤونهم الخاصة (وهذا يعني قيام وطن قومي يهودي لا دولة يهودية). عاشت الفكرة ردحًا من الزمن، وانتهت بنتيجة حرب 1948، ولكن حرب 1967 واحتلال فلسطين التاريخية أعاد إحياء الفكرة مجددًا ولو نظريًا.

تقوم الدولة ثنائية القومية على مجتمعين منفصلين إثنيًا وثقافيًا في إطار دولة واحدة؛ وتبقى الحقوق القومية للطرفين ثابتة بغض النظر عن الميزان الديمغرافي. ولكن ستبقى مشكلات في الشكل والمضمون، من مثل: اسم الدولة، وشكل العَلَم، وأسماء الأماكن. ويبدو وكأن من المحال تحقيقها.

وهناك رأي ثالث يذهب إلى الحديث عن مستقبل اليهود الإسرائيليين مع افتقادهم إلى بلد أمٍّ يعودون إليه. هذا الرأي طرحه جميل هلال، باحث في علم الاجتماع والشؤون الفلسطينية، في مجلة الدراسات الفلسطينية (العدد 121، أيلول/ سبتمبر 2019).

ويتلخص هذا الرأي بأنَّ "على المشروع السياسي الفلسطيني الجامع أنْ يناقش رؤيته إلى مستقبل اليهود الإسرائيليين في ظل الواقع الذي تشكل جراء المواجهة مع المستوطنين المستعمرين، ويتميز بأن ليس للإسرائيليين وطنٌ أمٌّ يعودون إليه (مثلما كانت حال المستوطنين الفرنسيين في الجزائر).

يمكن قراءة هذا الرأي من زاويتين مختلفتين: الأولى ترى أنه يصبُّ في رؤية دعاة الدولة الواحدة؛ فيتحدث عن مشروع وطني نضالي جديد طويل الأمد (الدولة الديمقراطية الواحدة أو ثنائية القومية)، وأنَّ ليس للإسرائيليين بلد يعودون إليه. والقراءة الثانية، ترى فيه رجحان رؤية المقاومة والتحرير؛ لأنَّ أيَّ حديث عن مستقبل "الإسرائيليين" مع الإشارة إلى عدم وجود بلد أمّ يعودون إليه، هو حديث عن حالة يكون فيها العرب منتصرين على "إسرائيل"، وبيدهم تقرير مصير فلسطين وسكانها.

وعلى أي حال فالتساؤل الذي ينطوي عليه هذا الرأي عن مستقبل "الإسرائيليين" مشروعٌ إلَّا أنه ليس في وقته؛ فالمهام الحالية للنضال الفلسطيني ينبغي أنْ تتركز على تطوير هذا النضال بهدف تحقيق الانتصار على المشروع الصهيوني وتدميره.

ويُعيدنا هذا التساؤل إلى موضوعنا الخاص بموقف الحكيم جورج حبش من مصير اليهود المستوطنين في فلسطين. وموقف الحكيم، بداهة، هو موقف حركة القوميين العرب ومن ثَمَّ الجبهة الشعبية. فلقد تأسست الحركة ردًا على نكبة 1948، وبرؤية واضحة في أنَّ محو عار النكبة لا يتحقق إلَّا بالانتصار على الكيان الصهيوني (إسرائيل) وتصفيته. ولهذا كان "الثأر" شعارًا للحركة ورمزًا للتصميم على العمل السياسي والعسكري لمحو عار الهزيمة واسترداد الكرامة القومية. وكانت هذه النظرة سائدة آنذاك لدى جماهير الأمة العربية. نُشير على سبيل المثال إلى ما كتبه جمال حمدان، المفكر المصري المعروف، من أنّ نكبة 1948 وانتصار الصهيونية على العرب، عار على العرب جميعًا وأنهم لن ينتزعوا أي هيبة أو مكانة حتى يغسلوا ذلك العار (رأي اليوم، 18 إبريل 2022).

وهناك مناسبات ومواقف كثيرة أكدت فيها قيادة الحركة ثبات نظرتها هذه؛ ومن ذلك واقعتين ذات صلة:

الأولى، وكنا أشرنا إليها في وقت سابق ولكن في سياق مختلف يتعلق بمؤسسة الدراسات الفلسطينية. والواقعة باختصار أنه في عام 1964 توجه نفر من قيادة الحركة إلى وليد الخالدي في منزله في بيروت للوقوف على رأيه في أمرٍ رأوه جدُّ خطير. كان هؤلاء جورج حبش، ووديع حداد، وأحمد اليماني (أبو ماهر)، ومعهم عصام النقيب قادمًا من الولايات المتحدة. تحدث النقيب عن قدرات "إسرائيل" النووية، وبالتحديد عن مفاعل ديمونة، وخلص إلى أن "إسرائيل" على وشك صنع قنبلة ذرية. قال الخالدي إن هذا أمر خطير وامتلاك إسرائيل سلاحًا ذريًا سيكون له تأثير حاسم على الصراع العربي – الإسرائيلي وبقاء إسرائيل. وحتى لو امتلك العرب مثل هذا السلاح فستدخل المنطقة في ما يُسمى توازن الرعب، ولذلك لا بد من تدمير مفاعل ديمونة الآن. وذكر وضعًا مماثلًا حدث في الحرب العالمية الثانية عندما عرفت بريطانيا أن هتلر يطوِّر، في مصنع سرِّي، صواريخ تُمكِّنه من تدميرها، فقررت تدمير المصنع ووجهت طيرانها كله لهذه المهمة واضعة في اعتبارها أنْ لا يعود أي منها، ونجحت المهمة. ثم وجه حديثه إلى الحكيم قائلًا أنتم لديكم علاقات جيدة مع عبد الناصر وأرى أنْ تذهبوا إليه وتضعوه في الصورة وتقولوا له إنْ كان يريد فعلاً القضاء على "إسرائيل" فلا بد من توجيه ضربة لتدمير المفاعل الآن مهما كانت تبعات ذلك.

غنيٌ عن البيان أنّ الخالدي ما كان ليبدي ذلك الاقتراح الخطير لولا معرفته بأن ذلك هو موقف الحركة وهدفها.

الواقعة الثانية رواها لي أبو ماهر اليماني وقال: في أحد اجتماعاتنا في الجزائر، وكان موضوع الاعتراف بإسرائيل متداولًا يومها في أوساط القيادة الفلسطينية، دعانا الرئيس الشاذلي بن جديد إلى عشاء. وكان معظم حديثه يدور على المفاوضات التي جرت بين جبهة التحرير الجزائرية وفرنسا بشأن الاستقلال؛ وكأنه يريد لفت نظرنا إلى خطورة ما نحن بصدده. فذكر أن الجانب الفرنسي كان يضع مصير المستوطنين الفرنسيين في بداية كل جولة من المفاوضات. وقد طلبوا في البداية أنْ يكون للمستوطنين وضع خاص، ثم طلبوا حكمًا ذاتيًا، وأخيرًا طلبوا أن يُخصص لهم مكان في الصحراء. وكان رد الوفد الجزائري لا يتغير وهو أنَّ الجزائر للجزائريين ومن يُقيم فيها يجب أن يحمل جنسيتها.

والقصد من رواية أبو ماهر واضح وهو أنَّ فلسطين، على غرار الجزائر، يجب أن تكون للفلسطينيين ومن يقيم فيها يكون فلسطينيًا.

يمكن القول: إنَّ هذه السرديات ليست مما يُستند إليه في الدراسات العلمية والكتابات الوثائقية؛ ولكنها تظل مصدرًا في الشهادات الشخصية التي تؤكد رؤية حركة القوميين العرب وموقف قيادتها في أن فلسطين عربية، يتقرر مصيرها بعد التحرير. وفي هذا إجابة على تساؤل جميل هلال وآخرون عن مصير اليهود بعد تحرير فلسطين.

والجواب نفسه موجود في الميثاق القومي الذي اعتمده المؤتمر الفلسطيني الأول، وأعلن قيام منظمة التحرير الفلسطينية (1964). فقد نصَّ الميثاق على أن فلسطين وطن عربي، والشعب العربي الفلسطيني هو صاحب الحق الشرعي في وطنه، وأن اليهود الذين هم من أصل فلسطيني يُعتبرون فلسطينيين إذا كانوا راغبين بأن يلتزموا العيش بولاء وسلام في فلسطين (المواد 1، 3، 7).

وعلى أساس هذه الرؤية ينبغي أن يُفهم موقف الحكيم جورج حبش، واستعداده لبناء بيت للعائلة اليهودية التي تسكن بيته في فلسطين. وعلى الذين ينزعون إلى تأويل الحديث على غير القصد الإنساني الشَّهم، أنْ لا ينسوا أنَّ العفوَ والتسامح من الشِيم العربية الأصيلة التي يتَّصف بها القادة الكبار.

وعلى صلة بهذه القيم الإنسانية النبيلة يمكن الإشارة إلى مثال قد يبدو بعيدًا عن موضوعنا، ويتعلق بالمفكر الفرنسي روجيه جارودي واعتناقه الإسلام. حدَّثني الصديق هاني مندس، أنه في لقاء مع جارودي في أثناء زيارته إلى بيروت (1993)، سأله عن سبب اعتناقه الإسلام فأجابه بأنه لولا الإسلام لما كان هنا اليوم. وروى له أنه في الحرب العالمية الثانية احتلت ألمانيا فرنسا، وتشكلت مقاومة شعبية للاحتلال، وكان هو من ضمن مجموعة من المقاومين الشيوعيين أُلقي القبض عليهم، وقرر الضابط إعدامهم وأمر أحد الجنود بإطلاق النار عليهم؛ ولكن الجندي رفض وقال للضابط هؤلاء أسرى والأسير لا يُقتل بحسب ديننا. سأله الضابط عن دينه فقال الإسلام وأصرَّ على موقفه فأطلق الضابط سَراحهم. كان ذلك الجندي مسلمًا من أصول جزائرية.

أخيرًا، وما دمنا في الحديث عن مواقف الحكيم المبدئية والعملية فلا ينبغي إغفال الموقفين التاليين:

الأول حدث في تونس بحسب رواية محمد حسنين هيكل. يقول هيكل إنه في سبتمبر 1988 تلقى هو وأحمد بهاء الدين دعوة للذهاب إلى تونس، في مهمة غير معلنة، للقاء القيادة الفلسطينية لأمر يتعلق بالقضية الفلسطينية ومستقبلها.

في تونس كان الاجتماع مع قادة فتح كلهم. وكان عرفات يبدو في حيرة مما يعتزمون الإقدام عليه وهو الاعتراف بالقرار (242). وقال عرفات إن الإجراء الوحيد الذي يُغطي قبوله القرار هو إعلان قيام دولة فلسطينية خلال المؤتمر الوطني القادم في الجزائر (بعد أسابيع). وطلب عدد من قادة فتح إليه وبهاء أنْ يساعدا في تليين موقف جورج حبش، مع عدم الإفصاح عن اجتماعهما مع قيادة فتح، وبظنهم إذا مشى الحكيم معهم على الخط الجديد فلن يكون بمقدور أحد أنْ يزاود عليهم، فالحكيم معروف بصلابته ويملك نصيبًا لا يًستهان به من الشرعية والاحترام من الفصائل والجماهير. يتابع هيكل أنه في لقاء الحكيم بدا مهمومًا بما يجري في الاتحاد السوفييتي وأن يؤدي ضعف هيبته إلى كشف كل الحركات الثورية في العالم. وبالتالي كان على استعداد لأن يكون أكثر مرونة طالما "الثوابت الفلسطينية" قائمة (هيكل، المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل، ج 3، سلام الأوهام، أوسلو - ما قبلها وما بعدها، ص 203 – 209).

وهل هناك أغلى من الوطن وأكثر أهمية في تحديد الثوابت الوطنية؟

الموقف الثاني تجلَّى في كلمة الحكيم في المجلس الوطني الذي أُشير إليه آنفًا، وختمها بمخاطبة عرفات بصوت ينضح بالأسى والمرارة: أبعد مئة عام من النضال والتضحيات تريدنا أن ننتهي بحكم ذاتي. وتلا الآية الكريمة "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه منهم قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلُّوا تبديلا".

وعودة إلى البعد الإنساني في المواقف والدعوة إلى الدولة الواحدة، نقول: إن حركة القوميين العرب، والجبهة الشعبية وقيادتها، لا تكتسب الصفة الإنسانية من الدعوة إلى هذه الدولة؛ وإنما هي نزعة أصيلة لديها تجسدت في مبادئها وأدبياتها ومواقف قادتها، وتجلى ذلك بمعاداتها الصريحة للاستعمار، وإدانة جرائم الإبادة التي ارتكبها بحق الشعوب.

ولكن يبدو أن الأمور اختلطت على بعض من انتموا إلى الحركة أو الجبهة، وظنوا أن الدولة الواحدة التي راجت الدعوة إليها أخيرًا، هي الدولة الفلسطينية العربية التي تنشأ بعد التحرير، وأنها نقيضُ حل الدولتين الذي تدعو إليه جماعة أوسلو. وذلك ناجم، على الأرجح، عن الارتباك وعدم الوضوح في موقف الجبهة من مسألة الدولة بعد أوسلو. فالجبهة تعلن رفضها لاتفاق أوسلو ولكنها كثيرًا ما تتحدث بلغة أصحابه. وهي على سبيل المثال، تشاطر سلطة أوسلو حرصها على إحياء ما يُسمُّونه ذكرى الاستقلال (1988) الذي هو الوجه الآخر للاعتراف ب “إسرائيل". وهي تتشبث بشعار الوحدة الوطنية غطاءً لتعاونها مع جماعة أوسلو؛ وقياديُّو الجبهة هم الأكثر استخدامًا لتعبير "الأخ الرئيس أبو مازن" (عرَّاب أوسلو).

لهذا كله، أصبح من الضروري التمييز بين دولة التعايش مع المستوطنين (في دولة واحدة أو دولتين) ودولة التحرير، دولة فلسطين العربية.

يقوم حل الدولتين على وجود دولتين تتعايشان بسلام في فلسطين التاريخية، هما دولة إسرائيل ودولة فلسطين. وتبرز أهمية هذا الحل في أن حركة فتح هي التي تبنته واعترفت بشرعية دولة "إسرائيل، ووصلت به الى اتفاق أوسلو. وحركة فتح هي التي باشرت المقاومة المسلحة سنة 1965، وقادتْها مع منظمة التحرير الفلسطينية الى توقيع الاتفاق سنة 1993.

أما حل الدولة الواحدة فتقوم فكرته على أن الصراع الفلسطيني – الصهيوني لم يؤدِّ إلى تحقيق الهدف الذي يطمح إليه كل من طرفي الصراع؛ فلا الصهاينة استطاعوا إلغاء الوجود الفلسطيني، ولا الفلسطينيون استطاعوا الانتصار على الكيان الصهيوني (إسرائيل). لذلك ومن أجل مصلحة الطرفين يجب أنْ يتوقف الصراع بإقامة دولة واحدة يعيش فيها الشعبان / المجتمعان (حتى لا ندخل في لعبة المصطلحات) اليهودي الإسرائيلي، والفلسطيني العربي، بسلام. ويذهب بعض أصحاب هذه الدعوة إلى تصوُّر تفاصيل الدولة في شكلها ومضمونها على المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية، وغيرها.

والسؤال البديهي والجوهري هو كيف تتحقق هذه الدولة ومن الراغب والقادر على ذلك؟

والجواب البديهي كذلك هو أنها تنشأ باتفاق ورضا الطرفين. وفيما يتعلق بالجانب الصهيوني فإن مسألة الدولة الواحدة كانت ولا تزال موضع نقاش؛ إنما بمنظار يهودي صهيوني يرى أن فلسطين أرض يهودية لا يقوم فيها إلَّا دولة واحدة هي الدولة اليهودية. وما يتناقشون بشأنه هو كيفية التعامل مع السكان غير اليهود في هذه الدولة.

ولذا يظل السؤال قائمًا: كيف سيحقق الفلسطينيون هذه الدولة؟

الجواب الذي يقدمونه هو باعتماد خيار جديد ونضال بديل. وفي حدود المنطق والفهم فإن البديل للنضال الذي مارسه شعبنا هو توجيه الطاقات الفلسطينية نحو هدف جديد يتجسَّد في العمل من أجل تنقية الغزاة المستوطنين من الدوافع الصهيونية والعدوانية كي تتهيأ الأرضية الملائمة لاقتناعهم بالعيش المشترك. فهل يقبل شعبنا أنْ تكون التضحيات الجسام التي قدَّمها وتلك التي سيقدِّمها هي من أجل هذه الغاية "الانسانية"؟!

هناك الكثير مما يمكن قوله على هذه الدعوة البدعة؛ لكنها في النهاية مجرد طحن هواء وهرطقة سياسية ليس إلَّا.

وفي مقابل هذا كله، يتأكد من جديد أن الدعوة إلى دولة التحرير هي الأصل والسبيل الوحيد إلى تحقيق الأهداف الوطنية. إنها الدولة التي تتولَّد بالكفاح والانتصار على المشروع الصهيوني وتصفية كيانه، وإقامة دولة فلسطين العربية الديمقراطية.

وعلى أي حال، فإن مجريات الأمور تبيِّن أن السجالات التي تشهدها الساحة الفلسطينية اليوم هي ذاتها كما كانت منذ البدايات وتتمحور حول سؤال بسيط: ما هي فلسطين؟ ولمن هي؟

كان هناك تيار فلسطيني وعربي اكتسب صفة "الوطني" قال إنها وطن عربي، ليست سلعة؛ فلا تقبل التجزئة ولا تُباع وتُشترى. وتيار سُمي بالمعارضة وقال هي أرض قابلة للمساومة؛ وإليه تُنسبُ مصطلحات التنازل عن الأرض والسيادة وتتلخص بعبارة التعايش مع الغزاة المستوطنين الصهاينة.

قبل النكبة تجسَّد التيار الأول بالمفتي الحاج أمين الحسيني، زعيم الحركة الوطنية، والثورة العربية الكبرى في فلسطين (1936 – 1939). ومثَّل راغب النشاشيبي المعارضة والقبول بالتفاهم مع المحتلين الانجليز، والمصالحة والتعايش مع الغزاة الصهاينة؛ وتولَّى أحد أقربائه تشكيل جماعة مسلحة باسم "فصائل السلام" لمقاتلة الثوار (هناك اليوم من يشبِّه رجال أمن السلطة الفلسطينية وملاحقة المقاومين بفصائل السلام).

ينقل أريك رولو، الصحافي والدبلوماسي الفرنسي المعروف، عن بن غوريون إنه في عام 1934 اقترح على الحاج أمين الحسيني، زعيم الحركة الفلسطينية، القبول بإنشاء الدولة اليهودية التي ستعمل على ازدهار فلسطين وتساند العرب في وحدتهم، وأن الزعيم الفلسطيني أجابه قائلًا: "أُفضِّلُ أن يبقى وطني بائرًا فقيرًا، فذلك خير من إهدائه إلى اليهود". ويستطرد بن غوريون قائلاً لو كنت مكانه لفعلت الشيء نفسه (أريك رولو، في كواليس الشرق الأوسط، ص 196).

وفي مقابلة أجراها كاتب هذه السطور مع المرحوم أحمد الشقيري (1972) سأله عن رأيه في القيادة الفلسطينية التقليدية، أي المفتي؛ ومن المعروف أن الشقيري كان من معارضي المفتي، فكان جوابه: يكفي هذه القيادة أمام التاريخ أنها لم تتنازل عن حق ولم تفرِّط في ذرة تراب.

استمرت هذه الصورة إلى ما بعد النكبة. ويمكن القول بالإجمال: إن حركة القوميين العرب ومن ثَمَّ الجبهة الشعبية جسَّدت التيار العروبي الرافض للوجود الصهيوني في فلسطين؛ ومثلت حركة فتح تيار التصالح مع الوجود الصهيوني والتعايش معه، وانتهى إلى اتفاق أوسلو وسلطة الحكم الذاتي في الأراضي التي احتُلت سنة 1967، وقد تطورت الأمور مع أوسلو، وظلت فتح ومن معها على موقف القبول باقتسام فلسطين مع الغزاة المستوطنين، أو التعايش معهم في كيان واحد؛ في حين برزت المقاومة الإسلامية ممثلة بحركتي حماس، والجهاد الإسلامي، في التعبير عن التيار الجذري الرافض لنهج أوسلو، والداعي إلى استمرار المقاومة المسلحة حتى تحرير فلسطين من الوجود الصهيوني. والتفَّت حول الحركتين قطاعات واسعة من شعبنا من المؤمنين بالمقاومة طريقًا للتحرير والعودة.

ولعلَّ هذا يجعل دعاة التعايش يتعِّظون مّما آلت إليه مساعيهم، ويُدركون أن ما يجرون وراءَه أوهامٌ وترويجٌ لآمال خادعة، دحضته الوقائع عند طرفي الصراع: فمن جهة يتفاقم فجور الصهاينة وتغوُّلُهم في العدوانية والقتل والاستيطان والتهويد؛ وفي المقابل تتجذُّر المقاومة وتتصاعد في أوساط شعبنا، تُجسِّدها اليوم أساطير البطولة والفداء في الضفة والقطاع، والتحركات النضالية في أراضي ال(48) ، وأماكن اللجوء والشتات.

وهكذا تؤكد السجالات السياسية والتطورات النضالية أن شعبنا في أغلبيته باقٍ على العهد بالنضال حتى الانتصار على الكيان الصهيوني واستعادة فلسطين عربية حرة.

* نشرت في مجلة كنعان الإلكترونية.