يتصاعد الصراع بين الرأسمالية الصاعدة (روسيا، الصين، الهند، جنوب إفريقيا، دول البركس) التي تريد أن تحظى بموقع يليق بمكانتها ودورها في التاريخ الإنساني وبين الرأسمالية الإمبريالية (المغلفة بِسِياسات صهيونية)؛ ترغب أن تعمم رؤيتها الخاصة التي تعكس مفاهيمها السياسية والاجتماعية والقانونية والتاريخية، حيث أن الميدان الأوكراني؛ يعكس حدة هذا الصراع الذي يتصاعد ويأخذ أبعادًا متشعبة؛ تختلط فيها المواقف ما بين المصالح الآنية المتداخلة والاستراتيجية بين قطبي الصراع البارزين (واشنطن وموسكو-بكين)، ومن خلف كل منها جبهة تتضح معالمها كلما احتد الصراع.
لقد أتاح الصراع في أوكرانيا؛ هامشًا لتصاعد دور بعض القوى الإقليمية التي اتخذت بعض المواقف المفصلية؛ وضعتها من حيث الشكل في تعارض مع واشنطن (الرياض وأنقرة والقاهرة وبعض العواصم الإفريقية واللاتينية).
من الواضح أن موسكو تعثرت خططها في بداية اجتياحها لأوكرانيا لِحسم سريع يهدف لتغيير نظام الحكم في كييف، هذا التعثر فرض على موسكو إحداث تغييرات جوهرية على الصعيد العسكري والسياسي والاقتصادي؛ لاحتواء رد الفعل الغربي الذي أعلن دعمه اللامحدود لكييف؛ لانتصارها على موسكو.
الصراع في أوكرانيا أتاح لواشنطن فرصة لإعادة رص صف العواصم الغربية، تحت عباءتها، بعنوان: الخطر الداهم من موسكو سيطال تقويض أسس الهيمنة الغربية الاقتصادية والسياسية والقانونية والاجتماعية، لهذا ترى واشنطن وحلفائها: أن هنالك ضرورة ملحة لمنع انتصار موسكو في أوكرانيا. موسكو من جهتها استوعبت التعثر الميداني وتراجعت خطوة إلى الوراء؛ لإحداث تغيير في استراتيجيتها الميدانية لتحول التعثر إلى سياسة استنزافية عسكرية واقتصادية ومالية للعواصم الغربية التي بدأت تتململ شعوبها من استمرار الدعم الذي أثر على نمط حياتها واستنزف مدخراتها.
السؤال الذي يفرض نفسه: متى ستنتهي العملية العسكرية أو بتعبير الغرب الحرب الأوكرانية؟
في بداية العملية العسكرية كان من الممكن الوصول إلى تسوية، لكن الفرصة أهدرت تحت الضغط الأمريكي الذي أراد أن يحول أوكرانيا إلى مكان لاستنزاف روسيا من جهة، وإعادة رص صفوف الغرب تحت العباءة الأمريكية والتلويح للصين عن الإجراءات التي يمكن أن يتخذها التحالف الغربي إذا ما أقدمت على اجتياح تايوان، من جهة أخرى.
من الواضح أن الصراع في أوكرانيا وصل إلى مرحلة كسر العظم، ورتب الطرفين المتصارعين أوضاعهم لحرب استنزاف طويلة محسوبة بإتقان، بحيث لا تتحول إلى حرب شاملة، ولكن لا أحد يضمن تطور الصراع؛ في أي لحظة من الممكن أن تخرج الحرب عن إطارها، لتتحول إلى حرب شاملة.
إن التصريحات الغربية المكررة، وخاصة التصريح الأخير لكل من الرئيس ماكرون وستولتنبرغ، سكرتير حلف الناتو، حول ضرورة انتصار أوكرانيا؛ يعطي مؤشرًا أن الحرب يُعمَل على إطالتها ولا أفق لأية تسوية بين الطرفين المتصارعين على الأرض الأوكرانية؛ فالغرب ينظر لانتصار روسيا في الحرب، ليست هزيمة لأوكرانيا فقط، بل هو انتصار لروسيا على المنظومة الغربية التي تأسست منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ يعني انهيار المنظومة الاقتصادية والسياسية والثقافية التي من خلالها يفرض الغرب هيمنته على العالم وعلى أساسها يضع المعايير لتقييم الدول والنظم، وانتصار روسيا يعني؛ إعطاء دفعة باتجاه فرض واقع جديد في السياسة العالمية، باتجاه تعدد مراكز القوى المقررة ومشاركة واشنطن وحلفائها في قيادة العالم.
إن القوة الجديدة الصاعدة تتشكل من تحالف روسيا والصين بمشاركة الدول الإقليمية التي سيكون لها دورًا مهمًا في خريطة توزع القوى التي ستفرض تعدد في مراكز القوى الدولية، وستنعكس على السياسات الاقتصادية ومراكزها المالية والتجارية والإنتاجية، وسوف يتشكل نظامًا عالميًا جديدًا؛ بمعايير تستند إلى نتائج الحرب الأوكرانية. الواضح أن الحرب الأوكرانية، سوف تعيد إحياء ثقافات قومية؛ كان لها دورًا مهمًا في التاريخ الإنساني (الأوراسية).
الحرب الأوكرانية أظهرت عدم التوازن في تطبيق معايير العدالة والحرية والمشاركة التي شهدت ازدواجية في التطبيق لحل المشكلات الإنسانية وتمييز واضح في تقييم المعاناة الإنسانية وأسبابها وغياب العدالة في معايير المحاسبة. وكشفت الحرب بشكل فاضح المعايير المزدوجة، في حين اعتبرت الدول الغربية أن أوكرانيا تعرضت لاعتداء، ووصفت التدخل الروسي بالاحتلال وفتحت كل مخازن ترسانتها العسكرية وتدفقت الأموال لمساعدة أوكرانيا، واعتبرت أن ما ترتكبه روسيا في أوكرانيا، قد يصل لِجرائم حرب وإبادة، فإنها تغض النظر عن الجرائم التي ترتكبها "إسرائيل" بحق الشعب الفلسطيني من اعتقال وقتل واغتيال ميداني واحتلال وتشريد منذ ٧٥ عامًا، وبذات الوقت تناست ممارسات واشنطن وحلفائها العدوانية في كل من العراق وأفغانستان و سوريا واليمن، وما تعانيه شعوب المنطقة من الحروب العدوانية الأمريكية على شعوب المنطقة .
الحرب الأوكرانية أعطت هامشا للدول الإقليمية بأن تتحرر نسبيا من الهيمنة الأمريكية الغربية وشجعتها على أخذ قرارات سياسية واقتصادية مستقلة وشعرت بأهمية دورها وأنها من الممكن أن تنتهج سياسة مستقلة في إطار التحالف والصراع خاصة عندما ظهر لها أن الغرب يستخدم المؤسسات المالية والاقتصادية كسلاح للعقاب للدول التي تخرج عن هيمنتها وان القوانين الاقتصادية العالمية وخاصة المالية (الأرصدة المالية) من الممكن أن تُصادرها أو تجمدها المؤسسات المالية الغربية تحت أية ذرائع ولا يهمها كبر الدولة او قوتها والودائع الروسية أخر مثال على ذلك.
الحرب الاوكرانية كشفت مدى التداخل والتحالف بين الرأسمال الغربي والصهيوني من خلال السياسات المعلنة في الوقت الذي تشن في حرب إعلامية شعواء على النظام الإيراني بعد مقتل مهسا أميني ولا تقف قنوات البث الإعلامية الغربية عن التحريض اليومي ضد النظام الديني في إيران بذات الوقت لا تشير إلى جرائم القتل والاغتيال الميداني والاعتقال اليومي بحق الفلسطينيين وحجز جثث شهدائهم الذين قتلوا برصاص الاحتلال الاسرائيلي الذي تقوده حكومة قائمة على أساس نظام ديني متطرف يشرع قتل الفلسطينيين على أسس دينية.
الحرب الأوكرانية كشفت بشكل واضح دور الدول الغربية الفاضح في الأمم المتحدة في حين لعبت دورا رئيسيا في طردت إيران من لجنة حقوق المرأة بسبب قمع التظاهرات بذات الوقت عملت بشكل فاعل من أجل إجهاض قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي طلب من المحكمة الدولية النظر في الاساس القانوني للاحتلال الإسرائيلي الذي تُصَنِفَهُ الجمعية العامة ومجلس الأمن بأنه احتلال غير شرعي.
الحرب الأوكرانية أظهرت بعض النزعات العنصرية والتمييزية للساسة الغربيين وعلى رأسهم جوزيب بوريل الممثل السامي للاتحاد الأوروبي الذي تطوع عام ١٩٦٩ في الكيبوتسات الإسرائيلية (كيبوتس غال ) عندما أطلق تصريحاته حول وحشية العالم خارج الحديقة الأوروبية وتصريحات القادة الآخرين حول التمييز بين اللاجئين الأوكرانيين وغيرهم.
كما أظهرت عدم موثوقية التعهدات الغربية و التزامها بالاتفاقات الموقعة بعد تصريحات المستشارة الالمانية السابقة ميركل والذي أكده الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند الذي جاء فيه ان اتفاق مينسك مكن أوكرانيا بان تبني جيشها منذ ٢٠١٤.
هذا يوضح أن الوعود التي تقدم للفلسطينيين من قبل ذات الدول الغربية هي وعود لتمكين اسرائيل من هضم وضم الاراضي الفلسطينية وان حل الدولتين هو شعار يهدف الى إطالة الاحتلال وتفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها وإحلال المستوطنين.
استمرار الحرب الاوكرانية سوف تعمق الأزمات السياسية والاقتصادية وستدفع إلى حالة من عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي وتعمق حالة الفقر في الدول الهشة.
الاخطر ان تتدحرج الكرة من الميدان الاوكراني الى خارجه نتيجة خطأ في الحسابات خاصة إذا ما أصرت الدول الغربية على هدفها بهزيمة روسيا التي تجبرها على المشاركة الواضحة من خلال حلف الناتو الذي سيفتح الباب لحرب عالمية نووية ثالثة لكون روسيا لن تقبل بالهزيمة او كما صرح الرئيس بوتين أنه لا يمكن تصور عالم بلا روسيا.
شروط التسوية من الممكن ان تكون اقل كلفة للغرب الآن قبل أن تصبح هي عنوان لشروط التسوية المستقبلية.

