Menu

لماذا فشلت الثورة المضادة في البرازيل؟

رضي السماك

هذه واحدة من الثورات المضادة الانقلابية الأسرع فشلاً في أمريكا اللاتينية، ونعني بها ما وقع في مطلع الأسبوع الماضي في البرازيل، من أحداث جسام على درجة من الأهمية في خطورتها ودلالاتها، وإذ تابع العالم كله مجرياتها، فإنها لم تكن واقع الحال مفاجئة لكل من تابع مقدماتها وجذور وأسباب حدوثها، ذلك بأن نتيجة الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي جرت في خريف العام الماضي والتي أسفرت عن فوز الرئيس اليساري لولا دا سيلفا على غريمه اليميني المنتهية ولايته جابير بولسونارو، لم تكن حاسمة بنسبة كبيرة، بل أقرب إلى التعادل (9’50% مقابل 1’49%) . ولما كانت هذه النتيجة سليمة غير مزورة، فهذا يعني ثمة انقسام نصفي عميق في المجتمع البرازيلي، عبّرت عنه نتيجة الانتخابات، وهذا الانقسام جرى على خلفية الصراع الطبقي الحاد الذي شهدته وتشهده البرازيل منذ عقود طويلة، تخلل معظمها الحقبة الفاشية العسكرية التي استمرت زهاء عقدين ونصف حتى منتصف الثمانينيات. كما لم يأتِ ذلك الانقسام من تلقاء نفسه بالكامل بعيدا عن تدخلات القوى الكبرى ذات المصلحة في تعميق ذلك الأنقسام ذاته، وعلى رأسها الأمبريالية الأميركية، إذ لطالما أعطت هذه الأخيرة لنفسها حق هذا التدخل والوصاية على دول أميركا اللاتينية، والتي اعتبرتها منذ عقود طويلة بمثابة "حديقتها الخلفية" لتسرح وتمرح فيها كما تشاء بلا حساب وبلا رقيب.

وبالتالي فلا نتوقع بأن العملية الديمقراطية في هذا البلد الجميل بشعبه وطبيعته ستجري بسهولة وبيسر بعد عقود طويلة من الحقبة العسكرية التي تقف خلفها الولايات المتحدة، هي التي عملت بلا كلل على اسقاط عدد من حكومات الأنظمة الديمقراطية الجنينية الواعدة بالتطور، ولعل أشهرها حكومة الوحدة الشعبية بزعامة الرئيس الاشتراكي المغدور سيلفادور الليندي في شيلي، حيث دبرت له انقلابا عسكريا بزعامة عميلها الجنرال أوجستينو بينوشيت، والذي انتهى باستشهاده داخل قصره المحاصر بالدبابات عام 1973 والقصف من الجو، وبسبب فجاجة تلك الثورة المضادة في البرازيل من خلال ذلك الانقلاب الفاشل وإخراجه المتعجل السيئ، لم تترك المحاولة الانقلابية على الرئيس الشرعي المنتخب لولا دا سيلفا المجال للرئيس الأميركي جو بايدن وحلفائه الغربيين سوى إدانتها على استحياء، سيما وأنها جاءت في أحداثها أشبه بنسخة مطابقة لما جرى من قِبل أنصار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في 6 يناير 2021، حيث حرّض أنصاره على اقتحام مبنى "الكابيتول" بمجلسيه، الشيوخ والنواب، بدعوى تزوير الانتخابات، بينما بعد عامين بالضبط جرى سيناريو برازيلي مشابه للسيناريو الأميركي، لكن تم احباطه، وثبت أن الرئيس السابق اليميني السابق الفاشل في الانتخابات، جايير بولوسونارو، هو من يقف خلف التحضير له، وهو الذي حضّر لتلك المحاولة الانقلابية، حيث اقتحم أنصاره مقار السلطة، كالبرلمان ومقر المحكمة العليا، وعاثوا فساداً فيهما مخلفين أضراراً هائلة. وهكذا لم يحدث قط أن عمل الاستعمار الكولونيالي الغربي على غرس وتطوير نظام ديمقراطي لا يرتهن لمصالحة في أي منطقة احتلها في العالم، سواء خلال الحقبة الاستعمارية الاوروبية، أم خلال الحقبة الأميركية التي ورثت الأولى، وبرزت بوجه خاص في أعقاب الحرب العالمية الثانية، فما بالك أن العم "سام" كان لديه وجود فيما يسمى "حديقته الخلفية" منذ القرن الثامن عشر!