باستثناءاتٍ قليلةٍ (كانط ومانهايم) منذ تمرّد بروميثيوس على زيوس وسرقته النار (رمز المعرفة والعقل) ومنحها للإنسان وَفق مسرحية اسخيليوس، ليس ثمّةَ حياةٌ أو تاريخٌ من دون عنفٍ وعنفٍ مضادٍّ كما تخبرنا الدراسة المهمة للدكتور عصام عبد الله (تجليات العنف في الفكر الفلسفي المعاصر) وكما يؤكّد الديالكتيك (جدل المتناقضات) من هيغل إلى ماركس.
- حسب نيتشه (الحياةُ في جوهرها قائمةٌ على العنف؛ لأنها مجاوزة لذاتها).
- وحسب فرويد العنف انفعالٌ واستجابةٌ لمثيرٍ خارجي ترتبطُ بغريزة الموت والعدوانيّة.
- ويميّزُ فيبر بين عنف الدولة المشروع وعنف السلطة الذي لا يهتم بالشرعية.
- وتركّزُ حنا ارندت على تطوّرِ أدوات العنف، بحيث تتجاوز السلطة نفسها وتحوّل شعارها المتطرّف (الجميع ضد الواحد)، إلى شعارٍ للعنف بحد ذاته كما تحوّل العنف من ظهورٍ مؤقّتٍ عندما تتهددُ السلطة إلى إخفاء السلطة نفسها، وكذلك تحويل لحظة صدام الأضداد من جدل التطوير إلى الهدم الذاتي والخارجي معًا.
- ويربطُ توماس هوبز بين الحق الطبيعي والعدل الطبيعي (الداروينية الاجتماعية لاحقًا)، فالإنسانُ ذئبٌ للإنسان، ويعيدُ هذا الصراع إلى ثلاثة عوامل: (المنافسة – الخوف – المجد) التي تدفع إلى الضربة الاستباقية تحت تأثيرين:
العواطفُ من جهة، والعقلُ من جهة ثانية، مما أسس فكرة العقد الاجتماعي لصد العدوان الخارجي وصيانة (السلام الداخلي) القائم على تسويات قهر ضرورية.
أما في فلسفة اليسار، فالعنفُ عاملٌ حاسمٌ في الصراع والتحوّلات الاجتماعيّة الكبرى، وعندما يتحدّث ماركس حول قانون الوحدة والصراع، فإنّ الصراع هو محرّكُ التطوّر والتحوّلات.
ومن المساهمات الأخرى، على هذا الصعيد:
- كتاب إنجلز (دور العنف في التاريخ) ويميّز فيه بين عنف القوى السائدة وعنف القوى التقدميّة الجديدة وصولًا إلى عنف الطبقة العاملة ضد عنف البرجوازيّة.
- كتاباتُ لينين وتروتسكي وماوتسي تونغ وهوشي منه التي تربط بين العنف والتغيير، وكذلك كتابات الفوضويين أمثال باكونين.
- كتابُ سوريل (تأملات حول العنف) وفيه تلخيصٌ لأفكاره التي تستبدل مفهوم الحزب المعروف، وكذلك مفهوم العقد الاجتماعي للدولة بالحركة العماليّة النقابيّة الثوريّة. ويميّز سوريل بين القوة (نزوع البرجوازية لتأبيد سلطتها) وبين العنف العمالي ضدهما.
- وإضافةً لأشكال العنف المباشر المذكورة توقف أكثر من مفكّرٍ يساريٍّ عند الشكل غير المباشر للعنف مثل غرامشي وبورديو: الأول من خلال مفهوم الهيمنة، والثاني من خلال مفهوم العنف الرمزي (غير المرئي) وهو القسر الذي تمارسه السلطات على الأفراد والجماعات بالتواطؤ معهم، خاصة من خلال التربية ونظام التعليم.
5. من المقارباتِ اللافتة للانتباه فيما يخصُّ مفهوم المقاومة وراهنيتها ما كتبته روزا لوكسمبورغ تحت عنوان "الاشتراكية أو البربرية"، ولنا أن نستعيد هذا الشعار معدّلًا (المقاومة أو البربرية)؛ وذلك انطلاقًا من أن العالم دخل حقبةً تاريخيّةً جديدةً لها قاموسها الاجتماعي والسياسي والفكري، الذي تتراجعُ فيه الخيارات الديمقراطية بالتدريج ولا توفر فيها الرأسمالية المتوحشة في حقبتها الإمبريالية أية آفاقٍ لاختلافاتٍ مدنيّةٍ وتعدديّةٍ سياسيةٍ حقيقيةٍ وتحيل الصراع السياسي لقانون المقاومة بأشكالها المدنية وغير المدنية، سواءً على الصعيد الوطني أو على الصعيد الاجتماعي والسياسي.
فمقابل الحقبة الرأسمالية، حقبة البرجوازية الكلاسيكية وما رافقها من قيام الدولة الوطنية – القومية (دولة السياسيات الحمائية للبرجوازية المحلية)، والتي جرى تعزيزُها بثقافةٍ وطنية – قومية، قوامها العقل والحق والديمقراطية. فإنّ الحقبة الثانية هي الحقبة الإمبريالية التي تتنحى فيها الدولة الوطنية – القومية بالتدريج أمام معادلةٍ جديدةٍ بين المركز والمحيط... مركز إمبراطوري تغذية العولمة والشركات متعدّدة ومتعدّية الجنسية، ومحيط يقوم على تفكيك الدولة الوطنية القومية وتحويلها إلى مجموعةٍ من الكانتونات السياسيّة والمعازل البشريّة، وهو ما يعني أن المعطيات الحالية في الحراك السياسي للحقبة الإمبرياليّة، وخاصّةً الحملة الديمقراطية وحقوق الإنسان.. الخ، معطيات مؤقّتة وظلال لمرحلة سابقة (الرأسمالية الكلاسيكية)، فيما تؤسّسُ الإمبرياليّة المعاصرة لأشكالٍ مختلفةٍ بين الفاشية والخداع الديمقراطي.
فبالإضافة إلى أن النزعة الإمبراطورية للإمبرياليّة السائدة، الولايات المتحدة، تعيد العالم إلى شكلٍ جديدٍ من الهيمنة العسكرية والسياسية المباشرة جنوب العالم، فمناخات انهيار الدولة الوطنية وتفتيت المشهد الطبقي إلى عناصره ما قبل الرأسمالية، تجعل العالم أبعد فأبعد عن إنجازات الرأسمالية الأولى ولا سيما الديمقراطية البرجوازية. وفي هذه النقطة بالذات، يبدو أن المشهد العالمي الذي يعيشُ مرحلةً انتقاليّةً بين الرأسمالية التقليدية الذاوية وبين الإمبريالية الصاعدة، يحتاج للتمييز بين السياسة كاستجابات تكتيكية مشوشة بين مرحلتين، ومن ثَمَّ غير مؤهّلة للتعبير عن تعيّناتٍ حقيقية، وبين السياسة كبروسس حيوي لتعينات استراتيجية تليق بالأفكار الكبرى ورحلتها التاريخية.
فإذا كانت الوطنياتُ البرجوازية التقليدية (الدولة، المجتمع، الهوية) هي موضوع التعين السابق لدولة السوق القومي الصناعي البرجوازي وحركة الفكرة من الوعي بذاتها لذاتها داخل مرحلتها التاريخية، فلقد أصبحت هذه الحركة صورةً كوميديةً لسياقٍ تاريخيٍّ لم يعد قائمًا... واللافت للانتباه أن الأوهام كلّها تمرُّ من هذا الشباك وعلى الأخص (الخداع الديمقراطي) كوريث غامض لدولة التبعية.
لا جدال في أنّنا في المدى المنظور أمام ازدهارٍ كاذبٍ لهذا العصر المزعوم، لكنّه كما استدركنا ازدهار في ظلال الحقبة المنصرمة والعد العكسي لأفولها أو صحوة الموت، كما يقال.
ما نحن بصدده في الواقع، هو عصر انهيار المنظورات الوطنية للدولة والمجتمع والهوية، ومن ثَمَّ انهيار روافعها التقليديّة، وخاصّةً لعبة الاقتراع العام، وذلك في ضوء الشكل الجديد للرساميل الإمبريالية المفتوحة على آليّاتٍ سياسيّةٍ محدّدةٍ حكمًا، هي النازية والفاشية.
نؤكد ما زلنا نتحدثُ من داخل المرحلة الانتقالية وليس من نقطتها الأخيرة فثمة ربع ساعة أخيرة لا يزال قادرًا على تغذية الأوهام بصدد العصر الديمقراطي!!
المقاومةُ عربيًّا
إنّ الثورة القومية الديموقراطية بوصفها الخيار الأساسي لتوفير الشروط الموضوعية للالتحاق بالعصر من زاويةٍ سياديةٍ لم تعد ممكنةً بأدواتها وخطاباتها وقواها القديمة، على وجه الخصوص، استعادة الظروف التقليدية لقيام دولة السوق القومي البرجوازية، دولة الثورة الصناعية، في عصر الثورة العلمية الجديدة والانقلاب الذي أحدثته الأتمتة داخل آليات قانون القيمة الزائدة والتركيب العضوي لرأس المال. ولم يكن مثل هذا الخيار ممكنًا أصلًا في الحالة العربية تحديدًا، كما برهنت على ذلك التجربة المصرية (محمد علي وعبد الناصر) بوصفها التجربة الوحيدة التي قاربت النموذج الكلاسيكي لنشأة الدولة القومية الحديثة.
لقد حاول محمد علي التأسيس لدورة رأسمال صناعية بالمقاييس الأوروبية، ودفعت البرجوازية المصرية الصاعدة بجيوشها إلى حدود السوق القومي وكرر عبد الناصر محاولة أخرى في ظروف ومعطيات مختلفة، وانتهت التجربتان؛ بسبب الضغط الخارجي ولعبة الأمم ومعادلات الجغرافيا السياسية.
ولا يبدو أن هذه الاعتبارات قد سقطت تمامًا مع الثورة المعلوماتية والتحوّلات الإمبريالية الكبرى، فيما يخص دوائرَ إقليميّةً محدّدة، ومنها الوطن العربي عمومًا والشرق الأوسط خصوصًا (الشرق العربي، إيران، و تركيا ..).
فإذا سلمنا بأن الصراع على الجغرافيا السياسية مع الإمبرياليين الأجانب، شديد الصلة بالحراك الاجتماعي الداخلي في منظوراته الطبقية، فإنّنا أمام استنتاجاتٍ عسيرة، ولكنها الاستنتاجات الحقيقية الوحيدة لروافع النهضة القومية في كلّ مرة. فإمّا الصراع مع الغزاة الأجانب ووكيلهم الصهيوني، وإما الخضوع لهم... إما المقاومة بمعناها الاستراتيجي وفي أفقها الذي يحيل الشظايا الاجتماعية الناقصة إلى طاقةٍ إيجابيّةٍ داخل قانون الصراع، وإمّا الكثبان ال قطر ية أيًا كان رنينها الوطني وهوياتها الوطنية المصطنعة – فحيث تغيب الدولة القوميّة، يغيب الاندماج المدني وتحضر المعازل الطائفية والجهوية.
ويفاقم من ذلك الدور الصهيوني الاستيطاني الإجرامي التوسعي والسلوك العثماني للإمبراطورية الأمريكية الجديدة التي لا تبحث عن شركاء سياسيين، بل عن وكلاء لجباية الضرائب وحفظ الأمن في البانتوستانات الجديدة.

