Menu

ودعنا نسرًا شامخًا قاتل وقاتل حتى أيامه الأخيرة

محمود الراس

قاتل عن قناعة وإيمان لم يتزحزح قيد أنملة عن عقيدته الكفاحية التي ترعرع عليها في حزبه الذي اختاره طريقًا لتحرير الأرض والإنسان، إنه النسر حسين أبو شقير، هذا المقاتل الذي لم تردعه سنوات الاعتقال ولم تحجبه الحاجة والفقر وسوء أحواله المعيشية عن تأدية واجباته الكفاحية وجعل من قوت يومه ذخيرة وسلاح لمواجهة عدوه الذي هجره واقتلع ذويه عن بلدتهم الأصلية.

وأنت تجلس في بيت العزاء، تسمع كيف لهذا الفقير الطيب المنتمي والمقاوم بالفطرة أن يقتطع من راتبه وقوت أطفاله ليتسلح هو ورفاقه بالسلاح لمقاومة العدو، وجعل من راتبه مصدرًا لتمويل مقاومة آمن بها طريقًا وحيدًا، لانتزاع حقوق شعبه وهذه شهادات الكثيرون ممن عملوا معه وعمل معهم خلال انتفاضة الأقصى... آمن بالمقاومة، عمل مع كل من قاوم بغض النظر عن انتمائه، وجعل من الاشتباك مع العدو محدده الدائم للوحدة.

وأنت تجلس في بيت عزائه، تستمع لأطراف حديث من شاركوه النضال... أحبه الفقراء والعباد تقاطر لبيت عزائه آلاف من الشباب والفتية والشيوخ، ذابت الفوارق الاجتماعية والانتماءات السياسية والفكرية، وكأن غزة تقول بسلوك أهلها اتجاه شخص لم تعرفه الشاشات الفضائية ولا طاولات السياسيين ولا صناديق الانتخابات بأنها: تحفظ عن ظهر قلب أولئك الجنود المجهولين الذين آمنوا بالمقاومة، فكانوا رفاق الشهداء والأسرى وهم لا يحتاجون لمن يحدثهم عنهم ينحازون دومًا لمن قاوم ويقاوم الاحتلال دون مقابل.

لم يكن حسين مثقفًا ولا منظرًا ولا سياسيًا، يعتلي المنابر... كان مثقفًا بالفطرة: بأن لا حياة ولا استقرار تحت حراب الاحتلال ولا عداء إلا لمن اقتلع شعبنا وهجر أهلنا...

غزة وأهلها... كانت وما زالت وفية لكل من رفع شوكة بوجه من عادى الوطن.. تعرف من ضحى بقوته وعمله، ليعلي راية المقاومة.

نعم.. عاش حسين تحاصره الديون وضنك العيش خسر استقراره الوظيفي والمعيشي، بفعل هذا الإيمان، لكنه بقىَّ غنيًا بمحبة شعبه ورفاقه وكل من عايشه وشاركه الخندق، من كل أطياف وتشكيلات المقاومة وقادتها، حتى الأطفال أحبوه بالفطرة وتقاطروا ليشاركوا آبائهم موكب التشييع... لم ينقطعوا عن الشراكة في بيت العزاء... فعزائهم واحد، لا تستطيع أن تفرق بين ذوي حسين والمعزيين به: فهل من معتبر؟!

طوبى لروحه الطاهرة... طوبى لسيرة ومسيرة جمعت كل هؤلاء المحبين.