كاتبٌ ومحلّلٌ سياسيّ/ فلسطين
نظريًّا، رسمَ اتّفاقُ أوسلو بين قيادة منظّمة التّحرير الفلسطينيّة ودولة الاحتلال الإسرائيليّ إطارًا سياسيًّا وقانونيًّا لحلّ الصراع؛ من خلال المفاوضات الثنائيّة والرعاية الأميركيّة مع رقابةٍ دوليّةٍ شكليّة. لم يحدّد الاتّفاق أي جداولَ زمنيّةٍ ملزمة، ولا وضع أهدافًا نهائيّةً لوصول المتفاوضين إليها، كهدف إنهاء الاحتلال الذي غاب عن اهتمام المفاوض الفلسطيني، كما خلا الاتّفاق من تثبيت مرجعيّاتٍ ملزمةٍ لعمليّة التفاوض. مطالبُ كهذه طرحها المفاوض الفلسطيني في وقتٍ لاحق، ولكن بعد فوات الأوان، وبعدما كشفت تطبيقات الاتّفاق، أنّه مزروعٌ بألغامٍ قابلةٍ للانفجار في أيّة لحظة، وأنّ الاتفاق هو مصيدةٌ للإيقاع بالقيادة الفلسطينيّة، وإيهام العالم بوجود عمليّة سلام، وظلّ الطّرفُ الأقوى هو الأقدرُ على تفسير الالتباسات، وتكييف النصوص لمصلحته، وبدت الرهانات على رغبة إسرائيل في سلامٍ يستجيبُ لتطلّعات الشعب الفلسطيني محض أوهام، شأنُها شأنُ الرّهان على نزاهة الراعي الأميركي.
اختارت إسرائيلُ - إذًا - من الاتفاق ما يلائمُ مصالحها، وأهملت ما يخالفها، ووجدت من الذرائع ما يبرّرُ تعطيل التقدّم في مسيرة التسوية، فمرّةً تدعي أن الطرف الفلسطيني لا يحارب الإرهاب، ومرّات كثيرة تدعي غياب الشريك المؤهّل. وفوق كلّ ما سبق، فإنّ كلّ حكومةٍ جديدةٍ تأتي بها الانتخابات تصرُّ على إعادة التفاوض حولَ مسائلَ جرى الاتّفاق بشأنها سابقًا. ومع الجنوح الإسرائيلي المتزايد نحو اليمين، يبتدعُ الإسرائيليّون مطالبَ جديدةً لم يسبق طرحها، مثل: مطالبة الفلسطينيين بالاعتراف بيهوديّة الدولة، أو يصطنعون رؤىً ونظرياتٍ جديدةً مثل صيغة "دولة منزوعة السلاح"، وصولًا إلى الدعوة لإنجاز "سلامٍ اقتصاديّ"، و"تقليص الصراع".
لم تشغل إسرائيلُ نفسها كثيرًا بالصيغ النظريّة التي كان يجري تداولها في المؤتمرات العلميّة، بل ركّزت جهودها على أرض الواقع والميدان، وفي هذا المجال شكّلت سياسات وإجراءات الحكومات الإسرائيليّة المتعاقبة امتدادًا لبعضها البعض وتحديدًا في مجال توسيع الاستيطان وتهويد القدس وفصلها التام عن محيطها الفلسطيني، ومواصلة الضغط على السلطة الفلسطينيّة وإضعافها لاختزال دورها في مهامٍّ رئيسيّةٍ تفيدُ إسرائيل، وهي: الوظيفةُ الأمنيّةُ وتشملُ التنسيق الأمنيّ، ومنع التحريض ومنع عمليّات المقاومة، وإعفاء إسرائيل من مسؤولياتها تجاهَ الحاجات المعيشيّة لملايين الفلسطينيين في الأراضي المحتلّة، وإيهام العالم بأنّ ثمّة عمليّة سلامٍ جارية، صحيحٌ أنّها تتعثر وتتعطل أحيانًا، لكنها يمكن أن تستأنف إذا أوفى الطرف الفلسطيني بمسؤولياته!
إلى جانبِ السياسات العمليّة تجاهَ الفلسطينيين والسلطة التي تهدف إلى إضعافها والتحكم بها وبمواردها المالية إلى درجةٍ تبقيها عاجزةً عن اعتماد سياساتٍ وطنيّةٍ جديّةٍ في مواجهة الاحتلال، لا سيّما وأنّ السلطة تعرّف نفسها بأنّها نواةٌ لمشروعٍ وطنيٍّ يهدفُ إلى بناء الدولة الفلسطينيّة المستقلّة، أدركت إسرائيل في وقتٍ مبكّرٍ أنّ الانقسام الفلسطيني هو مكسبٌ صافٍ، ويمثّل مصلحةً استراتيجيّةً لإسرائيل ويساعدها على الطعن في الصفة التمثيليّة لأيّة قيادةٍ فلسطينيّةٍ وأهليّتها لدخول مفاوضاتٍ جديّة، والانقسام يساعدُ إسرائيل على التعامل مع كلّ "تجمّعٍ" فلسطينيٍّ على حدة بصفته تجمّعًا لـ"سكان" لا لـ"شعب" فلسطينيٍّ موحّدٍ ذي حقوقٍ وطنيّة، ومن ثَمَّ فإنّ حاجات هؤلاء "السكان" سواء كانوا في الضفة أو في قطاع غزة تتلخّص في مطالبهم الحياتيّة اليوميّة من كهرباء وماء ووقود ومعابر وتسهيلات وحواجز، بمعزلٍ عن قضايا القدس والاستيطان واللاجئين والمصير النهائي للأراضي الفلسطينية المحتلّة.
صفقة القرن:
على الرغم من التباينات والتجاذبات بين مختلِف القوى والتيّارات السياسيّة الإسرائيليّة، التي تدورُ عمومًا حول المواقف من قضايا داخليّة، مثل: طبيعة النظام السياسي، والعلاقة بين السلطات الثلاث وعلاقة الدين بالدولة، فإنّ الغالبية الساحقة من هذه القوى باتت تجمع على مواقفَ موحّدةٍ تجاهَ القضيّة الفلسطينيّة والاحتلال، ويمكنُ تلخيصُ قضايا الإجماع بين القوى الصهيونيّة فيما يلي:
تحميل الفلسطينيين مسؤوليّة تعثّر المفاوضات وفشلها إمّا بسبب غياب الشريك المؤهّل أو عدم جديّته في محاربة "الإرهاب".
التنصّل من فكرةِ حلّ الدولتين، إمّا برفضها صراحةً أو الموافقة عليها نظريًّا والادّعاء بأنّها غيرُ ممكنةٍ عمليًّا.
رفض الانسحاب لحدود الخامس من حزيران 67، وتأييد الاستيطان والدعوة لتوسيعه ضمّ الكتل الاستيطانيّة الرئيسيّة.
الإجماع على تهويد القدس وكونها العاصمة الموحّدة والأبديّة لإسرائيل.
الرهان على قدرات إسرائيل وقوّتها العسكريّة وإجراءاتها الأحاديّة الجانب بديلًا عن أيّة مفاوضات.
يومًا بعد يومٍ تَعزّز هذا الإجماعُ وتحوّل إلى سمةٍ لازمةٍ للسياسة الإسرائيليّة برفض التعاطي مع السلطة الفلسطينيّة إلا في القضايا الأمنيّة والاقتصاديّة، ومواصلة ابتزازها والضغط عليها، ومع استمرار النزوع نحو اليمين واليمين المتطرّف، ووصول الرئيس دونالد ترامب إلى الحكم في الولايات المتّحدة، بلغ هذا الاتّجاه ذروته بالإعلان عن "صفقة القرن" في 2018، التي شكّلت انقلابًا تامًّا على مبادئَ عمليّة التسوية التي انطلقت في مدريد أوسلو، من خلال إنكار الحقوق الوطنيّة للفلسطينيّين، والعمل على مقايضة هذه الحقوق بتحسين مستوى حياتهم الاقتصاديّة، وفي المقابل تشجيع تسوية إقليميّة تقومُ على تطبيع العلاقات العربيّة الإسرائيليّة من دون الحاجة إلى حلّ القضيّة الفلسطينيّة، بل على حساب هذا الحلّ.
في انتظارِ معجزاتٍ لم تتحقّق:
أسهمت مجموعةٌ من العوامل في تشجيع إسرائيل على حسم الصّراع من طرفٍ واحدٍ دون أيّ مفاوضات، أو تدخّلات دوليّة، فبالإضافةِ إلى استقرارِ حكم اليمين الإسرائيليّ والتدهور المطّرد لأوضاع "اليسار الصهيوني"، أدّت العوامل المحليّة الفلسطينيّة والإقليميّة العربيّة والدوليّة دورها في تشجيع نزعات الحسم الأحادي الجانب، واعتبار الظرف التاريخيّ المتاح في أواخر العقد الثاني من القرن 21 فرصةً تاريخيّةً سانحةً لإنهاء الصراع وَفْقَ الشروط والأطماع الإسرائيليّة: أبرز هذه العوامل هي حالة الضعف الفلسطيني التي تكرّست بعد الانقسام، والتآكل المستمرّ في شعبية السلطة ومكانتها وعجزها عن كسر القيود التي كبّلتها بها اتفاقات أوسلو وبروتوكول باريس فمنعتها من اعتماد استراتيجيّةٍ وطنيّةٍ بديلةٍ لحالة الارتهان لشروط أوسلو، وانتظار المعجزات سواءً من تغيّراتٍ تأتي بها انتخاباتٌ إسرائيليّةٌ أو أميركيّة، أو من تدخّلات دوليّة تأتي استجابةً للمناشدات الفلسطينيّة.
من الطبيعي أنّ شيئًا من هذه المعجزات لم يحصل، بل على العكس وقعت تطوّراتٌ عزّزت قناعةَ الإسرائيليين بالسعي للحسم الأحادي، وأبرزها استمرار حالة التفكك في المحيط العربي، وانشغال عددٍ من الدول العربيّة في مشاكلها وحروبها الداخليّة، ثم تراجع دور ومكانة النظام الرسمي العربي، وتكريس حالة من الانقسام لمحاور متصارعة وبروز التناقض بين بعض الدول العربيّة وإيران، ثمَّ هرولة عددٍ من هذه الدول للتطبيع مع إسرائيل وإقامة علاقاتٍ دبلوماسيّةٍ وتعاونٍ أمنيٍّ وعسكريٍّ معها على حساب القضية الفلسطينية. واستفادت إسرائيل إلى أبعد الحدود من أوضاع النظام الدولي القائم وغلبة المصالح على المبادئ في العلاقات الدولية، ما مكّنها من الانفتاح على دولٍ وتكتّلاتٍ دوليّةٍ كانت صديقةً للفلسطينيين والعرب تاريخيًّا، مثل روسيا والصين والهند والبرازيل ودول شرق أوروبا وبعض الدول الإفريقيّة، حيث بنت مع هذه الدول علاقاتٍ تجاريّةً وأمنيّةً وثيقة. كما استغلّت إسرائيل انشغال العالم بالأزمات والكوارث الطبيعيّة والسياسيّة (مثل جائحة كورونا وما نجم عنها من أزماتٍ في توريد الغذاء والطاقة، وبعدها الحرب في أوكرانيا والتوتّر الصينيّ الأميركي)، لكي تستفرد بالفلسطينيين وتملي شروطها السياسيّة عليهم.
معظمُ الساسة الإسرائيلييّن مقتنعون أنّ إسرائيلَ هي الأقوى عسكريًّا واقتصاديًّا وتكنولوجيًّا، بما لا يقارن بالفلسطينيين والعرب، وأنّها انتصرت في جميع حروبها مع العرب وتستطيع فرض شروط الاستسلام على المهزوم متجاهلةً أنّ الحروب التي انتصرت فيها كانت ضدّ دولٍ وأنظمةٍ وجيوشٍ بينما حربها الحالية هي ضدُّ شعب، وفي مواجهةِ توقِهِ للحريّة والاستقلال.
تعثّرت الصفقةُ وبقيت عناصرها:
تعثّرت صفقةُ القرن؛ بسبب المعارضة الجدّيّة من قبل القيادة الفلسطينيّة، وبسبب معارضة أو عدم حماسة أطرافٍ عربيّةٍ مهمّةٍ، مثل الأردن و مصر والسعودية، وفتور المواقف الدوليّة من الصيغة التي مثّلت انحيازًا أميركيًّا مطلقًا لإسرائيل، وتبنّي مواقف اليمين الإسرائيلي المتطرّف.
حكومةُ نتنياهو السابقة سعت لاختزال هذه الصفقة في تنفيذ أطماعها التوسعية بضم مساحاتٍ واسعةٍ من الضفة، لكن التردد الأميركي والفتور الدولي أسهم في كبح اندفاع إسرائيل لفرض المخطّط، فاستبدلته بمراكمة إجراءاتٍ عمليّةٍ صغيرةٍ تقودُ إلى تنفيذِ الخطّة على أرض الواقع دون ضجيج.
أدّى تغيير الحكم في إسرائيل وتغيير الإدارة الأميركيّة إلى سحب صفقة القرن رسميًّا من التداول، لكن عناصرها الرئيسيّة ظلّت هي المحرّكُ للسياسات الإسرائيليّة في عهد حكومة التغيير، التي تبنّى بعض أقطابها مصطلح "تقليص الصراع"، لكنّه في الجوهر لا يختلفُ عمّا فعلته الحكومات المتعاقبة من فرض إجراءاتٍ ماديّةٍ على الأرض تقودُ إلى تدمير أيّ فرصةٍ لقيام دولةٍ فلسطينيّة.
عودة تحالف اليمين المتطرّف عزّز الدعوات لفرض الحلّ النهائي من خلال استغلال التفوّق العسكريّ وحسم الصراع بالقوّة المسلّحة، بالحديد والنار والبلدوزرات، حلٌّ يقومُ على تصفية القضيّة الفلسطينيّة واختزال الحقوق الفلسطينيّة إلى مجرّد حقّ البقاء والعيش على هذه الأرض من دون أيّة حقوقٍ وطنيّةٍ وقوميّة، وإذا تمسّك الفلسطينيّون بحقوقِهم القوميّة فعليهم البحثُ عنها في سوريا أو العراق كما يقترح سموتريتش.
تترجمُ حكومةُ التطرف الفاشي الإسرائيليّة هذه التوجّهات بسياسةٍ تقوم على تكريس الاستيطان وتوسيعه، والمضي في تهويد القدس، وفصم العلاقة بين فلسطينيي الداخل المحتلّ عام 1948 وفلسطينييّ الضفّة والقطاع، ومنع أي نشاطٍ فلسطينيٍّ في الأراضي المصنّفة (ج) تمهيدًا لضمّها، ثمَّ إطلاق العنان لآلة القتل وسائر أدوات القمع لإخضاع الفلسطينيين ومحاربة أيّ مظهرٍ من مظاهر المقاومة حتّى الأشكال السلميّة منها، وصولًا إلى جعل الأرض الفلسطينيّة المحتلّة مكانًا غيرَ ملائمٍ للحياة الإنسانيّة وبيئةً طاردةً لأبنائها بما يحقّق عمليّات الترحيل الطوعي.
مشكلةُ إسرائيل كانت وما زالت أنّها ليست وحدها في الميدان، فهي تواجه شعبًا ينتجُ كلَّ يومٍ مزيدًا من الفدائيين والجيل الشاب الجديد الذي يمثّله شبان مثل: عدي التميمي وضياء حمارشة وإبراهيم النابلسي وتامر الكيلاني ورعد خازم، يبدو أكثر تصميمًا غلى مواجهة المشروع الصهيوني من سابقه، ولعلّ رؤيته للصراع أكثر شفافيّةً ووضوحًا.

