ما كتبه د.أحمد يوسف في صحيفة القدس " يوم الأحد الماضي " 27/12/2015 " تحت عنوان " لماذا يتعمد اليسار الاساءة الى تركيا /اردوغان " ، وقد أضاف الى علامة السؤال علامتان للتعجب ، والحقيقة أن هذا السؤال بقدر ما فيه من التجني على المعارضين للسياسة التركية الراهنة ، بقدر ما يثير المزيد من علامات التعجب !!.
وقبل الدخول في العناوين التي تطرق لها د.يوسف فإن تحديد الموقع الذي اختارته القيادة التركية الحالية يوضح الكثير من السياسات المتبعة من اردوغان وحزب العدالة والتنمية التركي ؛ ذلك أن موقع تركيا في الأطلسي (حلف الناتو العسكري) ، وحلفائها العرب توضح لنا موقعها السياسي ودورها في المنطقة ، والأكثر وضوحاً هو علاقاتها العدائية لجيرانها الأقرب في سوريا والعراق و مصر ، ولابناء وطنها الأكراد ، والعلاقة غير الودية أيضاً مع ايران ؛ وجميعها توضح الى أين يذهب اردوغان في مصير تركيا ودورها الاقليمي المفترض . هذا ليس تجنٍ من اليسار ، بل هو الواقع الذي تراه العين !
تحاول تركيا /اردوغان أن تعدل موازين قوتها ، خاصة بعد فتح المعركة السياسية ( وربما العسكرية ..) مع روسيا وذلك بالذهاب الى علاقة تطبيعية مع اسرائيل . بالطبع فإن العلاقة مع الأخيرة لم تنقطع يوماً رغم الخلاف السابق مع اسرائيل ؛ فالبيانات الاقتصادية الاسرائيلية تشير الى نمو التبادل التجاري مع اسرائيل خلال السنوات الخمس الأخيرة بنحو 20% ، كما بلغت قيمة التبادل التجاري السنوي بين تركيا واسرائيل الى حوالي 6 مليارات دولار ؛ إضافة الى أن علاقات التعاون العسكري ( المناورات المشتركة ) لم تنقطع .
الخلاف مع تركيا /اردوغان لا يتوقف على اليسار ، بل انه مع أحزاب قومية حاكمة في سوريا ، ودول اسلامية مثل ايران ، ودول وطنية مثل مصر ، واحزاب اسلامية مثل حزب الله ، بل يمكن القول أن اردوغان قد ذهب بتركيا الى عزلة اقليمية دون أن يربح انفتاحاً عالمياً ، وهو لذلك يحاول أن يخلق توازناً في علاقاته الخارجية ، وللأسف فإن الباب المفتوح له راهناً هي اسرائيل ، كما يعترف د. يوسف فإن تركيا تحاول خلق بديل عن امكانات انقطاع الغاز الروسي في البحث عن بديل اسرائيلي. ويعلم د.يوسف ان الغاز البديل المفترض هو غاز مسروق من قبل اسرائيل من البحر الابيض بما يشمل شواطئ لبنان وسوريا و فلسطين بما في ذلك شواطئ غزة المطوقة بحراً وجواً وبراً من قبل اسرائيل ، وكأن د. يوسف يجد تبريراً لبحث اردوغان عن غاز بديل عن الغاز الروسي من المياه الاقليمية في البحر الابيض المتوسط التي تسيطر عليها اسرائيل ..
الخلاف مع تركيا بزعامة اردوغان ، هو سابق على تردي علاقاته مع روسيا ولا أدري لماذا حاول د. يوسف أن يقفز عن الدور العدائي الذي اتخذه حزب التنمية والعدالة ضد الدولة السورية منذ البداية ، وسياسة الأبواب المفتوحة التي انتهجها اردوغان لاعداء سوريا من كل عصابات الاجرام والتطرف الوافدة من بقاع العالم ، ولا بالتسهيلات العسكرية والمالية وفتح الحدود أمام هذه العصابات مترافقة مع محاولة تركيا ايجاد منطقة عازلة على الحدود مع سوريا تزيد عن 800كم وبعمق حوالي 80كم من الاراضي السورية ، الأمر الذي جرى التحسب له من قبل دول التحالف وبسبب من موقف الروس والصينيين في مجلس الأمن والذي لن يوافق على قرار يلبي امآل اردوغان في ايجاد منطقة عازلة ، ولم يتوقف الموقف التركي على تسهيل عبور قوى الارهاب وتحركاتها بل تعدى ذلك الى السماح بسرقة النفط السوري (عدا عن العراقي) ونقله عبر تركيا الى الخارج بما فيها اسرائيل ، إضافة الى تدمير القاعدة الاقتصادية في عاصمة الشمال السوري ( حلب ) ، وتسهيل سرقة تاريخ سوريا القديم من خلال نقل الأثار التاريخية وبيعها عبر تجار اتراك ...! والسؤال اذا كان الروس قد وصلوا الى سوريا ( بموافقة الحكومة الشرعية ) فلماذا أرسلت تركيا طلائع عسكرية بالقرب من الموصل . ولماذا ترفض حتى الأن سحب قواتها بالرغم من طلب الحكومة العراقية وقرار مجلس الجامعة العربية ، ولماذا نسمع تسريبات عن طموحات توسعية تشمل حلب وأدلب ومناطق بها مواطنون سوريون من أصل تركي ، والأمر ذاته يقال حول مناطق عراقية بالقرب من الموصل ؟!
د.أحمد يوسف يحاول الاستشهاد بالسياسة التي قادها الزعيم التركي (الاسلامي) نجم الدين اربكان ويقارنها بسياسة اردوغان الحالية ، وانا أقول أن هذا التشبيه ليس في مكانه ؛ إذا في الوقت الذي يحاول فيه اردوغان أن يستقوي على الدول العربية المجاورة ( سوريا والعراق ) ، فإن طيب الذكر نجم الدين اربكان حاول أن يجد بديلاً للمجال التركي الاوروبي بالذهاب الى العلاقة مع الدول العربية والاسلامية بشكل تعاون واتفاقات اقتصادية مثل سوريا والعراق ومصر واندونيسيا وايران بديلاً عن اللهاث وراء عضوية دول الاتحاد الاوروبي والالتحاق بحلف الناتو . اردوغان عيونه على الأطلسي وطموحاته العثمانية على استعداء والسيطرة وفرض النفوذ على سوريا والعراق المجاورتين ، إضافة الى مواصلة عداءه لمصر بعد الاطاحة بحليفه الاسلامي محمد مرسي قبل أعوام ...!
في مقال سابق وبشهر تشرين أول من العام 2014 ( وقبل الدعم الروسي المباشر ) فإن كاتب هذا الرد قد كتب في صحيفة " الحدث " الفلسطينية مقالاً تحت عنوان " تركيا التي أضاعت مشيتها " جرى مقارنة بين سياسة حزبين اسلاميين تركيين : بين حزب الخلاص بزعامة طيب الذكر نجم الدين أربكان وبين سياسة اردوغان ؛ جاء في نهايته ( السياسة التركية الراهنة محكومة بالفشل وهي سياسة متناقضة وموزعة بين مجموعة من المتناقضات ؛ سواء على الصعيد الداخلي ( الحرب على 12 مليون كردي تركي ) ، وتناقضات خارجية تثير الاستغراب ، وهي بالمحصلة تدفع بالمنطقة الى المزيد من التدهور ، ولن تنجو منها تركيا مهما حاول اردوغان أن يسير على الحبال .)
المقال قيد الرد للدكتور أحمد يوسف اشاد بموقف الدعم الذي تلقته غزة من تركيا ، وبالسعي الذي تقوم به من أجل استعادة الوحدة الفلسطينية ، فلا أجد أي أثر لهذه السياسة التركية ، خاصة في موضوع استعادة الوحدة الفلسطينية ، فلم اسمع ( وأنا أدعي بأنني أتابع ارهاصات الوضع الفلسطيني ) أن تركيا قد تقدمت يوماً بمبادرة سياسية لانهاء الانقسام مثلما قامت به المملكة السعودية في عهد الراحل الملك عبد الله وال قطر يين والدور المصري البارز في هذا المجال ، وبالعكس فإن ما يدور الأن من محاولات التطبيع العلني مع اسرائيل يشير الى أن تركيا تسعى للتغطية على خطواتها من أجل هذه العلاقة وذلك بمحاولة تحفيف الحصار عن غزة ( باسترضاء من قيادة حماس ) ، وبان اسرائيل ما زالت ترفض ذلك ، مع معلومات تفيد بأن الحكومة الاسرائيلية تحاول إغراء الاتراك بدور ما في إدارة غزة .. اذا صحت هذه التسريبات فهل هذه خطوة تسير باتجاه استعادة الوحدة الفلسطينية ، أم انها تعزز من الانفصال وتلحق أفدح الأضرار بالوحدة الداخلية المنشودة ، وأين دور القيادة الشرعية الفلسطينية من هذه المحادثات التطبيعية مع اسرائيل ولمصلحة من يا ترى ؟!
وأخيراً فإن محاولة د.يوسف للغمز من طرف اليساريين ( عرباً أو فلسطينيين ) باعتبارهم من أنصار الروس هي محاولة تفتقر الى الحقيقة ، وتشير الى تاريخ أسود من التحريض على الاتحاد السوفيتي (فترة المكارثية) ما بعد الحروب العالمية الثانية وهي سياسة تحريضية بائسة عندما تحاول تجريد اليساريين من وطنيتهم وتتهمهم بالموالاة لأطراف أجنبية ! علماً بأن صاحب هذا الادعاء لا يعرف طبيعة الفرق الراهن السياسي وربما الايدولوجي ما بين الحزب الذي يقوده "بوتين "وبين قيادة الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي سابقاً ؛وهو حزب لم يعد حاكماً منذ أربعة عقود تقريباً ، لكن من المفيد الاشارة أن الدور الروسي الشرعي في دعم سوريا هو خطوة عملية جادة تضاف الى خطوات سابقة .... تؤكد على اختلال نظرية سيادة القطب الأوحد ودحرها من قبل الروس وباستعادة الدور السابق للإتحاد السوفيتي وبتحالفات جديدة ( دول البركس) وتأثير ذلك على الخروج من سياسة الهيمنة الامريكية والتي رسمتها الادارات الامريكية السابقة فهل هذا يزعج د.أحمد يوسف ؟!.
البكاء على المسلمين الذين تقصفهم الطائرات الروسية هي سياسة تحريض وتمويه على حقيقة قوى الارهاب التي يتم دحرها من قبل الجيش السوري والدعم الروسي والايراني ومن المقاومة اللبنانية والملفت للنظر ان هذا التباكي على دماء المسلمين من قبل د,يوسف في سوريا يتناسى أن من يقوم بقتلهم اردوغان هم من الاكراد المسلمين ، فهل عمليات قتل الاكراد التي تنفذها أجهزة اردوغان هي عمليات مشروعة أم هي قمعا لشعب كردي مظلوم يحاول التخلص من الاستبداد ويعمل من اجل تقرير مصيره؟!
حقائق الصراع وأطرافه واضحة ، ولا يجوز أن يجري اخفاءها والنظر الى أحد جوانبها ،" فالشمس لا تغطى بغربال" كما يقال .
*كاتب سياسي

