Menu

عامٌ صعبٌ على العرب: وجعُ الفقرِ والبطالة

د. أدهم شقير

نشر في العدد (46) من مجلة الهدف الرقمية

استقبلَ الشارعُ العربيُّ العامَ الجديدَ بمزيدٍ من تدهور الأوضاع المعيشيّة وسطَ توقّعاتٍ بتوسّعِ موجاتِ الغلاء وزيادةِ تفاقم البطالة وتهاوي العملات.

  • حكومةُ مصر ترفعُ أسعار السلع المدعمة خلال أيام
  • اليمنيّون على أعتابِ عامٍ جديدٍ من التردّي المعيشي: جيوب فارغة
  • التونسيّون غاضبون من الغلاء: تهديد بـ"احتلال الشوارع"
  • موازنة الجزائر 2023: زيادة الأجور لمواجهة التضخّم
  • المغرب: مخاوف من انفلات التضخّم بعد خطّةٍ لإلغاء الدعم
  • سورية: أزمة الطاقة تتحوّل إلى عطشٍ وجوع
  • الدولار يهدّد دواء اللبنانيين: شح وغلاء
  • ارتفاع مديونيات الأردنيين وسطَ تراجع مستويات المعيشة
  • انقطاع الكهرباء لساعاتٍ في السودان يعطّل قطاعات الصحّة والخدمات
  • تحذيرٌ أمميٌّ من معدّلات الفقر والبطالة في فلسطين

إنّ تسونامي الفقر يجعل 114 مليون عربيّ تحت نير الحاجة   
تعيشُ الجماهيرُ العربيّةُ في مشرق الوطن العربي كما في مغربه، ظاهرة الفقر المدقع، إذ لا تخلو منها دولة من الدول العربيّة الشرق أوسطيّة والمغاربيّة (لبنان، سوريا، الأردن، العراق، اليمن، مصر، السودان ، الصومال، تونس، الجزائر، المغرب، وموريتانيا). ومنذ مرحلة ما سمّي بـ "الربيع العربي" التي انطلقت سنة 2011، تعمّقت ظاهرة الفقر، وأصبحت تنخرُ في خلايا المجتمعات العربيّة؛ فتسهم في خلق الكثير من الآفات: الجوع، وسوء التغذية، والأمراض، والجهل.  
الحقيقةُ المؤكّدةُ عن المنطقة العربيّة أنَّها أكثرُ ثراءً منها نموًّا، وأنّ هناك فجوةً بين ثروات المنطقة من جهة ومستوى التنمية الاقتصاديّة من جهةٍ أخرى، فبالرُّغم مما تتبنّاه الدول العربيّة من سياساتٍ وخططٍ لمكافحة الفقر على المستوى العربيّ وسُبل تشجيع الاستثمار في الدول المتوسّطة والمنخفضة الدخل، إلّا أنَّ هذه الأماني تتحطّم على صخرة الفقر الضاربة في أعماق المشكلة الاقتصاديّة.

تعريف الفقر:

الفقرُ آفةٌ فتّاكةٌ وظاهرةٌ عالميّةٌ عرفتها وتعرفها شعوب الأرض كلّها، وقد لا تخلو منها دولةٌ من الدول، ولا مدينةٌ من المُدن... لكنّ قياس هذه الظاهرة أصبح مُمكنًا، وأصبحنا نضع تعاريف للفقر، والفقر المدقع، وخطّ الفقر، والفقر الأدنى، والفقر الأعلى، ومع هذا، هل هناك مفهومٌ ومقياسٌ واحدٌ للفقر؟ ولخطّ الفقر؟

 نعم، إنّ الفقر "هو العوز والحاجة وهو ضدّ الغنى، وهو العجز عن تلبية الاحتياجات الحياتيّة الضروريّة للدرجة التي تتسبّبُ بالجوع أو الموت أحيانًا، أو تلبية احتياجات المأكل والمشرب والمسكن بشكلٍ لا يتلاءمُ مع متطلّبات الحياة الكريمة، كلّ هذا يعدُّ فقرًا".

الفقرُ المتعدّدُ الأبعاد هو الذي يطال الحرمان من التعليم والحرمان من الرعاية الصحيّة والاجتماعيّة ويهدّدُ مستويات التنمية في المجتمع عمومًا.

أسبابُ الفقر:  
 

ومن أهمِّ أسبابِ انتشارِ الفقر في المجتمعات العربيّة:     
1
ـ عدمُ توفّرِ فرصِ عملٍ جيّدةٍ توفّر دخلًا معتدلًا لأصحابها.    
2
ـ عدمُ وجود خططٍ اقتصاديّةٍ صحيحةٍ وحقيقيّةٍ تحاكي الواقع والإمكانيّات المتوفّرة في الدولة تقوم الحكومات بتنفيذها؛ بهدف القضاء على الفقر وآثاره.       
3
ـ الفساد الإداري، والمحسوبيّات التي تقتل الأمل في الحصول على وظيفةٍ تعيل ربّ الأسرة وتعطيه الدافع للعمل ونشل أسرته من قاع الفقر.

4 ـ عدمُ وجودِ فريقٍ اقتصاديٍّ حكوميٍّ قادرٍ على حلّ المشاكل الموجودة في المجتمع، وإيجادِ الحلول الصحيحة للنهوض بالحياة الاجتماعيّة للمواطنين ورفع مستواهم المعيشي.
5
ـ حصول الطبقات العليا من المجتمع على العديد من المميّزات الماليّة والمعنويّة والفرص في مقابل حرمان الطبقات الأخرى في المجتمع من هذه المميّزات مما يمحي الطبقة الوسطى من المجتمع ويعود بها إلى الفقر، ويكبّلها بأعباءٍ ماليّةٍ تزيدُ من حالة التدهور الاقتصادي للمجتمع        .
6
ـ التغيّرُ الديموغرافي للمجتمع أصبح يؤثّرُ بشكلٍ شديدٍ بحالة الرفاهيّة، والحياة لدى أفراد المجتمع، ما يؤكّدُ أنّ الانفجار السكاني أحدَ أسبابِ ازدياد حالات الفقر المنتشر.
7
ـ فرض الضرائب العشوائيّة غير المدروسة، التي لا تدعم المجتمع بشكلٍ صحيحٍ وتؤثّرُ على المواطن بشكلٍ مباشرٍ سلبًا وتؤثّرُ إيجابًا على النخبة المختارة من المجتمع فقط.
8
ـ تردي الحالة التعليميّة، وتراجع المناهج الدراسيّة عن المستوى العالمي ما يشكّلُ عبئًا على المجتمع بعدم وجود فرص عملٍ حقيقيّة لهؤلاء الشباب.  
9
ـ عندما يكون المجتمعُ لا يملك قضاءً عادلًا حياديًّا نزيهًا يكونُ الانهيارُ المجتمعيُّ حتميًّا.

عواملُ الفقر:

عدمُ وجودِ أسواقٍ وضعف البنية التحتيّة وضعف القيادة، والفساد الإداريّ والحكومي، ونقص في العمالة، والافتقار إلى المهارات، والتغيّب عن العمل، والافتقار إلى رأس المال الماليّ والبشري، وغيرها. كلّ هذهِ هي مشاكلُ اجتماعيّة - اقتصادية - سياسية، كلّ واحدةٍ منها تسهم في استمرار الفقر، والقضاء عليها أمرٌ ضروريٌّ من أجل إزالة الفقر.

العلاقةُ بين الفقرِ والبطالة:     
هناك علاقةٌ عضويّةٌ بين الفقر والبطالة في البلدان العربيّة؛ إذ تُعدُّ البطالةُ من بين أهمّ التحدّيات التي تُواجِهُ الدول العربية قاطبةً، باعتبارها ظاهرةً تمسّ عشرات الملايين من العرب، ومن مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية في الوطن العربي. وتُعَدُّ البطالةُ السببَ الأوّلَ لتفشّي ظاهرة الفقر في الدول العربية، وما ينجرّ عنها من آفاتٍ اجتماعيّةٍ خطيرةٍ تهدِّد أمنَ المجتمعات العربيّة.
وفي ظروف الأزمة الاقتصاديّة والماليّة العالميّة، وتداعياتها العربيّة، تعاني اقتصادات الوطن العربي في معظمها من البطالة التي باتت تهدِّد تماسك المجتمعات العربية واستقرارها، لما ينتج عنها من تأثيراتٍ مدمِّرةٍ تنعكسُ على الجانب الاجتماعيّ بالدرجة الأولى، ثمّ الجانب الاقتصادي الذي سيُحرم من طاقات بشرية تصنَّف من ضمن الطّاقات المُعطَّلة، بينما تقتضي الديناميّة الاقتصادية الاستغلال الأمثل لهذه الطّاقة الإنتاجيّة المُعطَّلة، من أجل دفع عجلة التنمية إلى الأمام للخروج من أزمة الفقر والتخلّف التي تَسِم الدول العربية. وممّا زاد أزمة البطالة استفحالًا في الوطن العربي، دخول الاقتصادات العربيّة في سيرورة العَولمة اللّيبراليّة المتوحّشة، واتّساع هوّة الاختلالات الهيكلية لاقتصاداتها.  

وتعاني الدول العربية هوّةً واسعةً في مستويات الدخل والمعيشة، ما أدّى إلى ارتفاع نسبة الفقر؛ وإذا ما بقيت معدّلات النموّ في الناتج المحلّي العربي منخفضةً نسبيًّا، فكيف سيتمّ توفيرُ فرص العمل وتوظيف الإمكانات الهائلة للشباب العربي في التنمية الاقتصادية؟

العلاقةُ بين الفقر والتوزيع غير العادل للثروة:  
إنَّ تنامي ظاهرة الفقر له علاقةٌ بالتوزيع غير العادل للدخول والثروات على جميع الصعد في الدول العربيّة. فقد أظهرت الدّراسات التي تناولتْ ظاهرة الفقر، العلاقة السلبيّة بين سوء توزيع الدخل والثروة من ناحية، والنموّ الاقتصاديّ من ناحيةٍ أخرى. فالنموّ الاقتصادي قادرٌ على أن يكون أداةً قويّةً للقضاء على الفقر، وذلك، من خلال زيادة الإنتاجيّة التي تقود بدَورها إلى زيادةِ دخول الفقراء. فمن الناحية التاريخيّة، كان النموّ القوميّ المطّرد للناتج المحلّي الإجمالي مُقترنًا بزيادة الأجور والإنتاجيّة، وكان أحد الأسباب المهمّة التي ساعدت الدول الصناعية على الخروج من الفقر. وفي العقود الأخيرة، أسهمت المستويات العالية من النموّ الاقتصادي في بلدان شرق وجنوب آسيا في تخفيض نسبة الفقر فيها.  
إنّ التباين في النظر إلى أهميّة الفقر يعود إلى التباين في توزيع الدخل، ولا سيّما ذلك الجزء الذي يسمى (الفائض) الذي يتحقّق من النشاط الاقتصادي في البلدان العربيّة متوسّطة الدخل، ومن (الريع) في البلدان النفطيّة، ويقود الفقر إلى تفشي ثقافته، التي تؤدّي في النهاية إلى إحساس غالبية المهمشين، ولا سيما الشباب منهم بالغربة عن وطنهم وتطلعهم إلى الهجرة منه. كما يؤدي عدم المساواة إلى صراعاتٍ تقيّد حركة المجتمع في سعيه إلى الحداثة والتقدّم؛ بسبب استبعاد كتلةٍ بشريّةٍ ضخمةٍ هي مجموع الفقراء التي تؤلف الغالبية من عدد السكان في أي بلدٍ عربيّ (ما عدا البلدان النفطيّة).
وحين ينتشر الفقر على نطاقٍ واسعٍ جدًّا تسودُ ثقافته، ويصبحُ من بعد ذلك مستحيلًا القضاء عليها. وفي إطارِ اقتصادِ السوق تصبحُ الفئات الرأسماليّة هي المسيطرةُ على العمليّة الاقتصاديّة برمّتها.    

أرقامُ عن الفقر في الدول العربيّة:

تبلغُ المساحةُ الإجماليّةُ للدول العربيّة 13.2 مليون كيلومتر مربع، بنسبة 9.6% من إجمالي مساحة العالم، فيما يتجاوزُ عدد السكان 431 مليون نسمة، بما يعادل 5.5% من إجمالي سكان العالم، فيما يبلغُ حجمُ القوّة العاملة عربيًّا نحو 139.8 مليون مواطن، بينما يتجاوزُ معدّل البطالة 12.7%، وعلى الجانب الآخر يصلُ إجمالي حجم الدين العام الخارجي للدول العربيّة إلى 364.9 مليار دولار، بما نسبته 42% من إجمالي الناتج العام المحلّي، فيما تبلغُ قيمةُ خدمة الدين 25.6 مليار دولار.

بلغ الناتج الإجمالي المحلّي للدول العربيّة في 2020 نحو 2432 مليار دولار، متراجعًا بنسبة 11.5% عن 2019، فيما ارتفعت معدّلات التضخّم لتصل إلى 19.6% تصدرتها سوريا والسودان ولبنان وليبيا واليمن، أما بقية الدول فتأرجح المعدّل فيها بين 0.3% في الأردن و5.7% في مصر وتونس، بحسب التقرير الاقتصادي العربي 2021 الصادر عن صندوق النقد العربيّ بالاشتراك مع منظّمة الأوبك وجامعة الدول العربيّة، لتغطيّة أهمّ التطوّرات الاقتصاديّة والاجتماعيّة في الدول العربيّة.

أما فيما يتعلّقُ بأوضاع الفقر، يشيرُ التقرير إلى ارتفاع معدّلاته في الشرق الأوسط والمنطقة العربيّة، تشهدُ المنطقةُ العربيّةُ اتّجاهًا متزايدًا في معدلات الفقر وَفْقَ خطّ الفقر العالمي (1.9 دولار يوميًّا) بوتيرة متصاعدة مقارنة بأي منطقة أخرى في العالم، وتتصدرُ البلدان التي تنافس على صدارة الأكثر فقرًا عالميًّا الصومال بنسبة فقر تتجاوز 73% يليها اليمن بنسبة 48.6% ثم السودان بـ 46.5%.

الثروات العربيّة:

لا تعكسُ مؤشّراتُ الفقر تلك حجم ثروات وموارد الدول العربيّة، فهي تمتلكُ ثرواتٌ هائلةٌ، فضلًا عن موقعها الجيوسياسي اللوجستي الكبير الذي يؤهّلها لأنْ تكون من أكثر مناطق العالم ثراءً وأعلاها في مستوى دخل مواطنيها.

ففيما يتعلّقُ بمصادر الطاقة، تستحوذُ الدول العربيّة على أكثر من 55% من احتياطي النفط العالمي، وتعد السعوديّة والعراق و الكويت والإمارات وليبيا ضمن قائمة العشرة الكبار، صاحبة أكبر احتياطي بإنتاج يبلغ 713 مليار برميل؛ الأمرُ ذاته في ثروات الغاز الطبيعي، حيث يبلغ احتياطي العرب من الغاز 54.3 تريليون متر مكعب، ما يعني 27.5% من الاحتياطي العالمي.

ومن الذهب الأسود إلى الأصفر، تمتلك الدول العربيّة أرصدةً كبيرةً، على رأسها السعودية التي يبلغ احتياطاتها من المعدن النفيس 323.1 طن، تحتلُّ به المركز الأول عربيًّا والـ18 عالميًّا، ثم لبنان في المرتبة الثانية عربيًّا والـ20 عالميًّا باحتياطي قدره 286.8 طن، ثم الجزائر بـ173.6 طن، تحتلّ به المركز الـ3 عربيًّا والـ26 عالميًّا، فيما يأتي العراق رابعًا على المستوى العربي باحتياطي 96.4 طن محتلًّا به المرتبة الـ38 عالميًّا، يليهم مصر بـ80.2 طن، ثم الكويت والإمارات و قطر والأردن ويتراوح احتياطيهم من الذهب بين 79 طنًّا إلى 52 طنًّا.

المطلوب للقضاء على الفقر:

  1. التعاملُ مع الفجوات في التعليم.
  2. تعزيزُ الحماية الاجتماعية.
  3. الاستثمارُ في الأطفال.
  4. حلُّ مشاكل الأمن الغذائي والتنمية الريفية.
  5. حمايةُ الأشخاص ذوي الإعاقة.
  6. إنشاءُ المركز العربي للسياسات الاجتماعية وخفض الفقر.
  7. استخدامُ الدراسات والبيانات الإحصائية وتوظيفها.

إنّ العدالة في توزيع الثروة والدخل هي الهدفُ المنشود وهي أهمُّ عاملٍ في محاربة الفقر وتحقيق التنمية: هل سيستطيع العرب تحقيق العدالة الاجتماعية والخلاص من الفقر وآثاره؟

أسئلةٌ مهمّةٌ نترك الإجابة عليها للزمن.