Menu

عن محاولةِ الانقلابِ الفاشلة في البرازيل

د. بلال رامز البكري

نشر هذا المقال في العدد 46 من مجلة الهدف الإلكترونية

الشرخُ الذي أحدثه الاستقطاب السياسي في البرازيل في الأعوام الأخيرة كانت له نتائجُ كارثيّةٌ مع بداية ثاني أسبوع من هذا العام. ففي الثامن من شهر كانون الثاني/يناير الجاري، اقتحمت جموعٌ يمينيّةٌ متطرّفةٌ مقرّات السلطة في برازيليا، وعاثت فيها خرابًا وإفسادًا وتكسيرًا، محدثةً أضرارًا جسيمةً في المنشآت والممتلكات العامة ومهدّدةً حكومة الرئيس الحالي "لويز إيناسيو لولا دا سيلفا". كان مشهدًا سورياليًّا فجائعيًّا بامتياز، مع أنّه لم يشهد سقوط ضحايا بالأرواح، وكان اقتصار الأضرار على الماديات.

 اقتحمت الجموع الهائجة القصر الرئاسي، وهو مقرّ السلطة التنفيذيّة، والبرلمان، وهو مقرّ السلطة التشريعيّة، والمحكمة الفيدراليّة العليا، ومقرّ السلطة القضائيّة. وكان لا يُصَدَّق مشهد تخريب المنشآت وتكسير وإعطاب أعمالٍ فنيّةٍ وتحفٍ تراثيّةٍ لا تقدَّر بثمن. الأضرار والخسائر كانت بالملايين، والأعطاب التي لحقت بالأعمال الفنية والتحف التراثية ربما لن يكون بالإمكان ترميمها أبدًا. لذلك فإنّ وصف "الهمجيين" الذي أطلقه الرئيس "لولا" على هذه الجموع هو وصفٌ غيرُ مجافٍ للحقيقة.

 في ساعاتٍ قليلةٍ تمّت السيطرةُ على الموقف، واستطاعت قوّاتُ الأمن والقوات المسلّحة طرد المقتحمين المخربين الذين وصفتهم بعض القنوات الإعلاميّة وبعض السياسيين بـ "الإرهابيين". ولكن السهولة التي تمّت فيها الاقتحامات المفاجئة طرحت علاماتِ استفهامٍ كبيرةً حولَ تقصير أو حتى تواطؤ السلطات الأمنية في برازيليا والقوّات المسلّحة، ولم يتورّع الرئيس "لولا" عن اتهام العديد من المسؤولين بالتواطؤ الواضح والصريح.

في الواقع، لم تكن اتّهامات الرئيس لولا لقوّات الأمن وللقوّات المسلّحة مجرّد اتّهاماتٍ آتيةٍ من العدم، فالقرائنُ والدلائلُ تشيرُ إلى تورّطٍ مفضوحٍ لمسؤولي الأمن في المقاطعة الفيدراليّة، وهذا أدّى إلى إقالة مدير الأمن في برازيليا، بالإضافة إلى توقيفه اللاحق، كما أدّى إلى إبعاد حاكم المقاطعة الفيدراليّة عن منصبه بموجب حكمٍ قضائي. هذا دون الحديث عن توقيف المئات من المتسبّبين بأعمال الشغب والتكسير والتخريب.

أُحبِطَت محاولةُ الانقلاب وتمَّ التعاملُ بحسمٍ وحزمٍ مع الأحداث من قِبَل الحكومة الفيدراليّة في برازيليا، وظهرت بشكلٍ جليٍّ زعامة "لولا" وحنكته السياسية في احتواء الأزمة، ويبدو أن اليمين المتطرّف البرازيلي أصيب في مقتل، وأن زعيمه الرئيس السابق بولسونارو قد بات ورقةً محترقةً في السياسة البرازيليّة. هذا بالأخصّ إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ بولسونارو نفسه قد أُدْرِجَ اسمه في لائحة أولئك الذين تطالهم التحقيقات القضائيّة على ضوء الأحداث الأخيرة.

لم تكن محاولةُ الانقلاب هذه مفاجِئةً بمجرياتها ووقائعها بقدر ما كانت مفاجئة بتوقيتها، فقد كان التيار اليميني المتطرّف بزعامة الرئيس السابق بولسونارو لا يألوا جهدًا في الطعن بنتائج الانتخابات التي أسفرت عن فوزٍ ثمينٍ وعزيزٍ للزعيم التاريخي "لويز إيناسيو لولا دا سيلفا"، وذلك منذ الإعلان الرسمي للنتائج في الثلاثين من تشرين الأول/ أكتوبر المنصرم. وكانت التجمّعات والتحرّكات اليمينيّة المتطرّفة تطالب بالانقلاب العسكري على الشرعيّة والديمقراطيّة منذ إعلان فوز "لولا". وقد قاموا بقطع الطرقات السريعة وبالتجمّع والاعتصام أمام الثكنات العسكريّة، وحتّى بالتخطيط والتدبير لعمليّاتٍ إرهابيّة.

 كان غالبُ الظنّ أنّ التسلّم السلمي للسلطة في أوّل يومٍ من هذا العام لن تعقبه أحداثٌ كاقتحامات برازيليا واحتلال قصور السلطات الثلاث، وهذا رغم ما صاحب هذا الاستلام من سابقةٍ تاريخيّةٍ تجلّت في تنصّل "السلف" بولسونارو عن تسليم الوشاح الرئاسي للخلف "لولا". مرّ يوم التنصيب بسلام، وكذلك الأيام الأولى التي تلته. لكن يوم الأحد الثاني من العام الجاري، كان الشاهد على سابقةٍ تاريخيّةٍ غير مشهودةٍ في تاريخ البرازيل.

في المحصّلة، جاءت رياحُ أحداث برازيليا بغير ما تشتهيه سفن اليمين المتطرّف وزعيمه "بولسونارو". فالنتيجةُ الفوريّةُ كانت انفضاض الكثير من قطاعات اليمين المعتدل وقوى الوسط عن اليمين المتطرّف، مع ما صاحبها من إداناتٍ واسعةِ النطاق من قِبَل الهيئات والمؤسّسات والنقابات في كافة مستويات المجتمع، وأدّى هذا الأمرُ إلى ازدياد الالتفاف الوطني حول الزعيم "لولا" وإلى تعزيز الجبهة العريضة للتحالف الذي جاء به إلى السلطة في عهده الثالث بعد عهدين متتاليين كانا في أوّل عقدٍ من هذا القرن، بمدّة أربع سنواتٍ لكلٍّ منهما.

 وفي العشرين من شهر كانون الثاني الجاري جاءت إقالة الرئيس "لولا" لقائد الجيش بسبب اتهاماته بالتقصير والتواطؤ في أحداث وتعيين قائد جديد للجيش جاءت إجراءً يفيدُ أخذ "لولا" بزمام القوات المسلحة، وتأكيده على التعامل بحزمٍ مع أي محاولاتٍ انقلابيّةٍ أو خروج على الشرعية والديمقراطية. يُذْكَرُ أنّ الدستور البرازيلي يعطي رئيس الجمهورية صلاحيّة القيادة العليا للقوّات المسلّحة. لذلك فإنّ "لولا" بقراره هذا يعطي إشارةً واضحةً إلى أنّه لن يتسامح مع أي قيادةٍ عسكريّةٍ غير موالية للدولة. بمعنى أن احترام الدستور والشرعيّة يجب أن يكون في صميم توجّهات وميول أي قيادةٍ عسكريّةٍ مرموقة.

 كل المؤشّرات والدلائل تفيدُ أن الدولة العميقة في البرازيل قد اتّخذت قرارها بالتعامل بصرامة وحزم مع حالة النشاز البولسونارية، وأنّها لن تتساهل مع أي محاولاتٍ للطعن في الشرعية وفي المسار الديمقراطي، ولنا في الإجراءات والقرارات والتدابير التي اتّخذتها المحكمة الفيدراليّة العليا خير دليل على هذا المنحى والتوجّه للدولة العميقة في البرازيل. ما من شكٍّ في أنّ وقوف السلطة القضائيّة مع الرئيس "لولا" هو أحد تجلّيات قرار الدولة العميقة في وأد الحالة البولسونارية وفي طيّ صفحة اليمين المتطرّف ربّما إلى الأبد.

الأسابيع القادمة ستشهدُ تطوّراتٍ وتحدّياتٍ خطيرةً وكبيرةً فيما يخص التعامل مع هذه الأزمة ومع ذيولها. وفي تقديرنا، فإنّ اليمين المتطرّف سيواصل مرحلةَ انكفائه وانكماشه. مؤسّسات الدولة وأجهزتها سوف تسعى إلى تعزيز الشرعية. لكن على الرئيس لولا وفريق عمله أن يتنبّهوا ويتيقّظوا، فما حصل في برازيليا ليس بالأمرِ الهيّن اليسير، وليس من خصال اليمين المتطرّف التسليم بالهزيمة بسهولة. إنّ التنظيف يجب أن يشمل كلَّ من تظهره التحقيقات ضالعًا أو متورّطًا أو متواطئًا، ويجب أن تكون الإقالات والإبعادات والتوقيفات خير عونٍ للرئيس لولا في توطيد أركان ودعائم ولايته الثالثة في رئاسة الجمهوريّة.