Menu

التطبيعُ: طبيعتُهُ الجديدةُ وأهميّةُ مقاومتِه

د. لبيب قمحاوي

نشر هذا المقال في العدد 45 من مجلة الهدف الإلكترونية

التطبيعُ يفترضُ وجودَ طرفين؛ أحدُهما هو العدوُّ الإسرائيليُّ والآخرُ على الأقل لا بدَّ وأن يكون عربيًّا، كون الموضوع يتعلّقُ بالتطبيع ومقاومته، وبما أنّ العدوّ الإسرائيليّ يدعو إلى التطبيع ويستفيدُ منه، فإنّ مقاومَتَهُ تصبحُ مهمّةً نضاليّةً عربيّة؛ الهدفُ المباشرُ منها هو إما أطرافٌ عربيّةٌ معيّنةٌ أو طرفٌ عربيّ ما، يقبلُ بالتطبيع ومن ثَمَّ يدعو إليه.

تَرَافَقَتْ موجةُ التطبيع العربيّ الأخيرة مع العدوّ الإسرائيلي بحالة الانهيار التي أصابت العالم العربيّ وعكست نفسها في علاقته مع "الكيان الإسرائيليّ" ابتداءً من اتّفاقات السّلام في كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، مرورًا بأنظمّةٍ عربيّةٍ لا تملكُ حريّة قرارها السياسيّ بما في ذلك القيادة الفلسطينيّة، وانتهاءً بصعود أنظّمة تفتقرُ إلى إحساسٍ حقيقيٍّ بعروبتها إلى سدَّةِ الحكم في عدّةِ دولٍ عربيّة.

التطبيع، مع أنه ابتدأ مطلبًا وهدفًا إسرائيليًّا، إلا أنه أصبح مع تفاقم حالة الانهيار العربي هدفًا منشودًا للعديد من الأنظمة العربيّة الجديدة، التي تسعى إلى تأمين وجودها واستمراريتها، من خلال علاقات مع (إسرائيل) تفتح أمامها أبواب الرضا والقبول من قبل أمريكا والغرب، وتدعم أمنها الإقليميّ من خلال الدعم الإسرائيليّ لها.

بعض الأنظمة العربيّة الجديدة تفتقر، بشكلٍ عام، إلى أيّةِ روابطَ حقيقيّةٍ تجمعُها بعروبتها باستثناء القشور الخارجيّة، التي تعطي وصفًا لواقع الحال، لكنّها لا تَدعَمُهُ أو تتفاعل معه، وهكذا يشعر الإسرائيليّون في ظلِّ هذا الوضع بأنّ التطبيع مع تلك الأنظمة العربيّة يعني في الواقع أن على "إسرائيل" التعامل مع قشور العروبة وليس مع جوهرها ومحدداتها.

 وهذا الوضعُ جعل من موضوع التطبيع مع "الكيان الإسرائيليّ" أمرًا يعود تفسيرُهُ وتحديدُ شكِلِه وطبيعته إلى كلِّ نظامِ حكمٍ عربيٍّ معنيٍّ على حده، ودون أي تفاعلٍ تطبيعيٍّ مع الشعوب، أو أي اعتبارٍ للمحدّدات التي تفرضها الهُويّةُ العربيّةُ على كيفيّة وطبيعة ومدى التعامل مع أيّ عدوٍّ للعروبة وفي مقدمتها الكيان الإسرائيلي.

 هذا في حين يرى الإسرائيليّون أنّ هذا النقص يُضعف من التطبيع القائم بحيث يتطلّبُ تعويض هذا النقص وملء تلك الفجوة العمل على الخروج بإطارٍ جديدٍ يجمعُ تلك الدول العربيّة مع إسرائيل ويعوض غياب أيَّ بديلٍ موضوعيٍّ جامعٍ يشكّلُ إطارًا جمعيًّا يربطُ تلك الدول العربيّة وإسرائيل معًا، ومن هنا جاءتْ فكرةُ "الإبراهيميّة" وفلسفتها إطارًا يجمعُ العرب بإسرائيل ويشكّلُ أرضيّةً مشتركةً تجعلُ من التطبيع أمرًا بديهيًّا يأتي في سياق علاقةٍ تاريخيّةٍ مزعومةٍ بين "أبناء ابراهيم"، أو هكذا يُقال.

إنّ المحاولاتِ الجارية حاليًا لتبسيط قضيّةٍ معقّدةٍ مثل قضيّة فلسطين، وواقعٍ مشتَبِكٍ ومُتَناقِضٍ في مصالحه مثل العلاقات بين العرب وإسرائيل كدولة احتلال، وذلك من خلال العودة بضعة آلاف من السنين إلى الوراء بهدف البحث عن عواملَ مشتركةٍ جامعة، مهما كانت بسيطةً أو مخْتَلقة، هو أمرٌ يُخفي في  طيّاته نوايا سيئةً تجاهَ الفلسطينيين خصوصًا والعرب عمومًا، وتسعى إلى إضفاء الشرعيّة والقبول بالكَيان الإسرائيليّ ممّا يتناقضُ والمصلحةَ العربيّةَ العامةَ بغضّ النظر عن موقفِ الأنظمةِ العربيّةِ المعنيّةِ ومدى توافق مصالحها مع النهج الإبراهيميّ.

"النهجُ الإبراهيميُّ" كما تتمُّ الدعوةُ إليه الآنَ هو الطريقُ السريع (highway) لنقل التطبيع مع إسرائيل من حالتِهِ الفرديّةِ المبعثرة والمتفرّقة، إلى مسارٍ عام (أوتوستراد) يشملُ معظم الدول العربيّة وإسرائيل، ويغطي معظم أوجه الحياة، خصوصًا الانتماء الدينيّ والهُويّة السياسيّة ومشاريع التنمية والتكنولوجيا الاستراتيجيّة والتعاون العسكريّ.

يسعى المخطّطون الاستراتيجيّون الإسرائيليّون إلى تكريس النهج الإبراهيمي بأبعاده المختلفة، كفلسفةِ المستقبل لمنطقة الشرق الأوسط عمومًا والعالم العربي خصوصًا. الأمرُ ليس خياليًّا أو مستحيلًا بالصورة التي يبدو فيها، كونَهُ في أصوله محاولةً شيطانيّةً ذكيّةً لاستغلال النصوص الدينيّة والثغرات التاريخيّة، والأصول العرقيّة في محاولةٍ لربط كافة أطرافِ معادلةِ العلاقة العربيّة - اليهوديّة معًا، مدخلًا لإعادة تشكيل تلك العلاقة وتحويلها من علاقةِ صراعٍ إلى إطارٍ جامعٍ للأطراف المعنيّة، وتحويلِهمِ من ثَمَّ إلى مجموعةٍ إقليميّةٍ واحدة؛ بهدفِ الحفاظ على المكاسب الإسرائيليّة في فلسطين والعالم العربي.

أساسُ هذا التفكير الصهيونيّ، ينطلقُ من الرغبة في السيطرة على المنطقة من النيل إلى الفرات، دون الحاجة إلى خوضِ حروبٍ واحتلالِ أراضٍ للوصول إلى ذلك الهدف، فالحروبُ تنطوي على مخاطرَ وتضحياتٍ بالنسبة للإسرائيليين كما أنّها تتطلّبُ القدرة، في حال وقوع الاحتلال، على ابتلاع وهضم المناطق المحتلّة كما فعل الإسرائيليّون في فلسطين؛ الأمرُ الذي يفوقُ القدرة والطاقة البشريّة الإسرائيليّة.

البديلُ في التفكيرِ الاستراتيجيّ الإسرائيليّ جاء من خلال طرحِ أفكارٍ وفلسفاتٍ تؤدي إلى تغيير التاريخ وابتلاع العقائد السياسيّة والروحيّة واحتلال عقول البشر وتاريخهم وإرادتهم عوضًا عن الاحتلال العسكري، والعامل المساعد في جعل هذه السياسة التطبيعية الخطيرة ممكنة، هي حالةُ الضَّعف والانهيار العربي التي تسمح للإسرائيليين باختراق الصف العربي ونقله من الطرف المعادي للصهيونيّة والرافض للكيان الإسرائيلي إلى  الطرف  القابل  بها  والمتعاون معها، ومن هنا يكتسب  التطبيع  مع  العدو الإسرائيلي خطورةً إضافيّةً نتيجةً  للآثار المترتّبة عليه لصالح  العدو الإسرائيلي وتصبحُ  مقاومة التطبيع جزءً فعليًّا وحقيقيًّا من المعركة ضدّ الكيان الإسرائيليّ.

التطبيعُ من خلال عدّة مسارب ومنها المسرب الإبراهيمي أصبح إذًا بديلًا عن خوض الحروب؛ لأنّه يُعطي الإسرائيليّين ما يريدون دون الحاجة إلى خوض حروبٍ لتحقيق ذلك، ومن ثَمَّ يصبحُ النجاحُ في مقاومة التطبيع في مثل أهميّة الانتصار في الحروب، ويصبحُ خوضُ معركة منع التطبيع والانتصار فيها في نفس أهميّة خوض المعارك العسكريّة والنضاليّة والانتصار فيها.

إنَّ انتصار (إسرائيل) في معركة التطبيع هو في نفس أهميّة الانتصار في معركةٍ عسكريّةٍ مهمّة واستراتيجيّة، مما سيكون له آثارٌ مدمّرةٌ على العالم العربي ومن هنا تكتسبُ معركة مقاومة التطبيع أهميتها الخاصة، كونها هي العنوان للمعارك القادمة والمستقبليّة مع العدوّ الإسرائيليّ، في ظلّ حالة التفوّق العسكريّ الإسرائيلي وحالة الضعف والتشتّت العربيّ السائدتين حاليًّا.