Menu

هجومُ الرّبيعِ الرّوسيّ هل يحسمُ حرب الجليد؟

د. سامح إسماعيل

نشر هذا المقال في العدد 46 من مجلة الهدف الإلكترونية

بعد تراجعٍ روسيٍّ ملحوظٍ على جبهات القتال في أوكرانيا، بالتزامن مع خسائر غير متوقّعةٍ في الأرواح والمعدّات، تجمّدت جبهات القتال الساخنة، ربّما بفعل برودة الشتاء، ولرغبة القادة العسكريّين في وقفةٍ تعبويّة. وعليه أصبح الجميعُ يتحدّثُ عن حملة الربيع المتوقّعة، الّتي ربّما تحسمُ الحرب أيًّا كانت النتائج.

تجاوزُ الخطوطِ الحمراء:

بعد تحفّظٍ مثيرٍ للجدل، قرّرت برلين – أخيرًا - الموافقة على تزويد كييف بدبابات (Leopard 2) المتطوّرة، في خطوةٍ تمثّل تحوّلًا ملحوظًا في الاستراتيجيّة الغربيّة تجاهَ الضغط العسكري على آلة الحرب الروسيّة. 

من جهته، أعرب أندري ميليك، نائب وزير الخارجيّة الأوكراني، والسفير السابق لدى برلين، عن سعادته بالقرار الألماني، واصفًا إيّاه بالتاريخي، مطالبًا الحلفاء الغربيّين بالمزيد من الدّعم من أجل دفع الغزاة الروس.

القرارُ الألمانيُّ الخطير، ربّما يدفعُ تجاهَ المزيد من التصعيد بين الغرب وروسيا، حيث إنّه بالإضافة إلى ما تحملُهُ الخطوة من استفزازٍ لموسكو، يمثّلُ القرار تحوّلًا كبيرًا في السياسة الألمانيّة، حيث جاء بعد أن كان، أولاف شولز، متردّدًا منذ فترةٍ طويلة، تجاهَ تزويد أوكرانيا بالدروع الثقيلة، خوفًا من أن يزيد ذلك من خطر المواجهة المباشرة بين روسيا والناتو.

ألمانيا أكّدت أنّها لن تذهب وحدها تجاهَ المواجهة مع موسكو، وأصرّت على أن يشاركها في ذلك حلفاؤها، وخاصّةً الولايات المتّحدة. وتشير التقارير إلى أنّها اشترطت أن تقوم واشنطن بتسليم عددٍ مماثلٍ من دبابات أبرامز، كما تشير التقارير إلى أنّها تحفّظت على عدد الدبابات التي تقرّر إرسالها إلى كييف، مكتفيةً بعدد 14 دبابةً فقط، يتمُّ تدريبُ الطواقم الأوكرانية عليها بعيدًا عن ساحات القتال، وربما يتم ذلك في قواعد الجيش الألماني.

على الصعيد الميداني، تؤكّدُ كييف أنّ الدبابات الألمانية سوف تساعدها على استعادة المبادرة، وإعادة أراضيها المحتلة، بالإضافة إلى ردع الهجوم الروسي المتوقّع على نطاقٍ واسعٍ في أوائل الربيع.

سباقُ التسليح هل يحسمُ الحرب؟

يربطُ كثيرٌ من المحلّلين بين تحديد التوقيت الدقيق لنهاية الحرب، والسرعة التي يقدّم بها الناتو حزمةً جديدةً من الأسلحة الهجوميّة العسكريّة لأوكرانيا، وبالأخصّ تمكّنها من حسم معركة ميليتوبول، ذلك أنّ استعادة المدينة سوف يمكّنُ الأوكرانيين من الوصول بسهولةٍ إلى بحر آزوف، ما يقطعُ فعليًّا خطوط الإمداد والاتّصالات الروسيّة عن شبه جزيرة القرم.

وتطمعُ القوى الغربيّة في دفع الجيش الروسيّ إلى الاستسلام؛ ومن ثَمَّ تشكيل بنيةٍ أمنيّةٍ دوليّةٍ جديدة، يتم فيها تحجيم موسكو خلف حدودها، التي ربّما تتغيّر وفقًا لمستجدات الحرب، وربّما يتحقّق ذلك السيناريو بسبب تكاليف الحرب، الماديّة والبشريّة، التي قد تؤدّي إلى كسر مستوى التزام النخبة السياسيّة الروسيّة تجاهَ بوتن، وهو ما يحاول الرئيس الروسي تفاديه عبر مواصلة الهجمات طيلة الشتاء، على البنية التحتيّة الأوكرانيّة؛ لكسر الروح المعنويّة للأوكرانيين، وتقويض قدرتهم على التحمّل، قبل حملة الربيع الحاسمة، بينما تظلُّ آفاق التفاوض مغلقةً، حيث لم تتغيّر المطالب الأساسيّة لأيٍّ من الجانبين.

لم يُعد أمام الغرب، مع طول أمد الحرب، سوى محاولة تغيير معادلة القوّة، عبر تزويد أوكرانيا بصواريخ ستينغر، وصواريخ IRIS-T المضادة للطائرات على ارتفاعاتٍ منخفضة، ومدفعيّة صواريخ HIMARS، ودفاعات باتريوت الجوية على ارتفاعاتٍ عالية، ومركبات المشاة القتالية، فائقة التطوّر، ما يعني تجاوز كل الخطوط الحمراء في الصّراع بين الناتو وموسكو.

على الرغم من هذا الدعم الغربي السخي، والمكاسب العسكريّة التي حقّقتها أوكرانيا، يذهبُ الصّراعُ تجاهَ الثبات حدّ الجمود، حيث استمرّت الحرب بالفعل لفترةٍ أطول من العديد من الحروب الإقليميّة، ولا يلوح في الأفق نصر أو تراجع.

هل يفيدُ سقوطُ روسيا؟

يمكن القول: إنّ الرهان أصبح مقتصرًا على ظهور البجعة السوداء وحدها، بحيث تتمُّ الإطاحة ببوتين وفق سيناريوهاتٍ متعدّدة، من قبل قوّات الأمن المنشقة، أو تمرّد وحدات الفاغنر التي يقودها يفغيني بريغوزين، أو انقلاب يدعمه الزعيم الشيشاني المتهوّر رمضان قديروف. لكن السؤال المهمّ، هل يفيدُ حقًّا سقوط روسيا من الداخل؟

قد تصبحُ روسيا بعد بوتن غيرَ قابلةٍ للحكم، وقد يواجهُ الغربُ أزمةَ لاجئين عنيفة، بالإضافة إلى أنّ انهيار الاقتصاد الروسيّ، وفقدان التحكّم في تلك المساحات الهائلة من الأراضي، وهذا العددُ الكبيرُ من السّكان، يعني كارثة عالميّة بكلّ المقاييس.

في تشرين الأوّل (أكتوبر) الفائت، قال رئيس المخابرات البريطانيّة: إنّ القوّات الرّوسيّة في أوكرانيا منهكةٌ وتتدرّب في قواعدَ متداعية، وتقاتل بمعدّاتٍ قديمة، وتفتقر إلى الإمدادات الطبيّة، كما يشكو الجنود من إرسالهم إلى الموت، وشهدت المواقعُ بعض حالات التمرّد، وخلال هذا الشتاء قد يتجمّد البعض دون ملابس دافئة. لكن ذلك كلّه لا يعني حتميّة سقوط الجيش الروسي بسهولة، بالإضافة إلى الدعم الشيشاني، ووحدات الفاغنر من المرتزقة، وكل ذلك يعني أنّ أمد الحرب ربّما يطول.

لقد صدّ الجيش الأوكراني الاندفاعات الروسيّة المبكّرة، للاستيلاء على أكبر ثلاث مدن في أوكرانيا هي: كييف وخاركيف وأوديسا. في الآونة الأخيرة، استعادت القوّاتُ الأوكرانيّةُ نصف الأراضي في شرق وجنوب أوكرانيا، التي استولى عليها الروس، بما في ذلك العاصمة الإقليميّة الوحيدة التي تمَّ الاستيلاءُ عليها منذ ذلك الحين، خيرسون. وقد يقوم الجيش الأوكراني بعمليّاتٍ للتوغّل بعمقٍ أكثر في المناطق المحتلّة، حتى شبه جزيرة القرم، التي يمكن أن تكون معرّضةً للخطر، إذا استولى الأوكرانيّون على مركز السكك الحديديّة في ميليتوبول، ولكن يجب أن يتمَّ كلّ هذا، قبل أن يتمكّن الجيش الروسيّ من تجهيز حملة الربيع، وهو أمرٌ ربّما يكونُ صعب التحقّق في ظلّ الظروف الميدانيّة الحاليّة.

مفاجآتٌ متوقّعة:

في المقابل، يمكنُ للجيش الروسي أن يشنَّ هجماتٍ مباشرةٍ على قواعد الإمداد والتدريب في دول الناتو القريبة، أو اللجوء للاستخدام المحدود للأسلحة النوويّة، وحينها لن يكون بمقدور أحد توقّع المستقبل، لكن اتّساع ميدان القتال، وتورّط أطرافٍ إقليميّةٍ بشكلٍ مباشر، يعني الدخول في حربٍ عالميّةٍ قد تمتدُّ إلى سنوات.

ويبدو أنّ الغرب سيستمرُّ في ضمان احتفاظ القوات الأوكرانية بالتفوق النوعي في مجال الأسلحة، في المقابل سوف تؤدي التعبئة الروسية لمزيدٍ من المجندين، إلى تعزيز الدفاعات الروسية. وعليه يكون المسرح مهيّأً لحرب استنزافٍ مطوّلة.

يقول مايكل كلارك، المدير المساعد لمعهد الدراسات الاستراتيجية، إكستر، بالمملكة المتحدة: إنّ هجوم الربيع الروسي قادمٌ لا محالة. لافتًا إلى أنّ أولئك الذين يسعون إلى غزو بلدٍ آخر، عبرَ سهول أوراسيا العظيمة، محكومٌ عليهم في نهاية المطاف بالتجمّد في الشتاء فيها. وعليه فإنّ بوتن استفاد من الدرس الذي لقنه الشتاء لنابليون وهتلر، فآثر التمهّل، والعمل على أن يرسخ قواعده ويواصل تعزيزاته؛ في انتظار هجومٍ روسيٍّ جديدٍ في الربيع.

وبحسب كلارك، يحتاج كلا الجانبين إلى وقفة، لكن الأوكرانيين أفضل تجهيزًا وحافزًا للاستمرار، ويمكنهم الحفاظ على الضغط، على الأقل في دونباس. بالإضافة إلى أنّهم قريبون جدًّا من تحقيق اختراقٍ كبيرٍ حول سفاتوف وكريمينا؛ وهو اختراقٌ من شأنه أن يعيد القوات الروسية إلى خط الدفاع الطبيعي التالي على بعد 40 ميلًا، بالقرب من المكان الذي بدأ فيه غزوهم فعليًّا في شباط فبراير الفائت. ومع ذلك، قد تتوقّف الهجمات الأوكرانيّة في الجنوب الغربي، بعد استعادة خيرسون.

وقد يكون العبور إلى الجانب الشرقي من نهر دنيبرو، للضغط على الطرق الروسيّة الضعيفة، وروابط السكك الحديدية في شبه جزيرة القرم، أمرًا صعبًا للغاية. لكن احتمال شنّ كييف هجومًا جديدًا مفاجئًا لا يمكنُ أبدًا استبعاده.

وعلى أي حالٍ، يبدو أنّ زمن الحرب سوف يطول، وهو أمرٌ ربّما تدركُهُ جيّدًا الدوائر السياسيّة الأمريكيّة، التي تعملُ على استنزاف الطرف الروسيّ قدر الإمكان، قبل أنْ يتمَّ الجلوسُ إلى طاولة المفاوضات.