لم تكن الرياضةُ جماعيّةً أو فرديّةً بعيدةً يومًا عن السياسة، وذلك على الرغم من الاعتقادِ السائدِ بأنّها ليست أكثرَ من متعةٍ أو عبثٍ ذاتيٍّ خالص. علاقةُ الارتباطِ هذهِ قد تكونُ طافيةً على السطح، بحيث يمكن تلمسها عن طريق الإدراك المباشر، وقد تكون مخفيةً خلفَ وسائطَ عديدة، بما يبعثُ على الاعتقاد بأنّها غيرُ موجودةٍ أصلًا. وارتباطًا بالواقع العربيّ وما زخر به من قضايا وتحدّيات، بات الأمرُ أكثرَ وضوحًا وحضورًا، خاصّةً في ظلّ موجة التطبيع الزاحف الذي يريد الواقفون من خلفه الدفع به إلى كلّ الزوايا والحنايا، ومن بينها بل وأكثرها أهميّة، الميدان الرياضي، حيث باتت الملاعبُ ساحةً للانحناء أمامَ موجة التطبيع الزاحفة، تحت شعار: السياسة سياسة، والرياضة رياضة، أو ساحة للمقاومة التي تتبدّى من خلال قيام رياضيين عرب برفض اللعب مع لاعبين صهاينةٍ في المنافسات الدوليّة، أو من خلال رايات فلسطين التي تلوحُ بها الأيادي، وتهتفُ باسمها الحناجرُ في المدرّجات الرياضيّة. وفي ظلِّ هذه الأجواء جاء مونديال قطر 2022؛ ليعيدَ التأكيد على تلك العلاقة سواءً عن قصدٍ أو غير قصد؛ الأمرُ الذي فرض مواكبةً فكريّةً وعاطفيّةً لمساره، ما زالت أصداؤها تتردّد حتّى اللحظة. وبذلك كان المحفلُ الرياضيُّ الذي تكاد الكرات الفكريّة المسددة من حوله، تتساوى أو تتجاوزُ تلك التي يتمُّ تسديدُها في الميدان، وتخضعُ لذات القانون الذي يحكمها بين أن تكون طائشةً أو صائبة، أو في مكانها، بغض النظر إنْ تمَّ صدّها أم لا.
هذا المقالُ محاولةٌ لإعادة طرح الموضوع بالاتّكاء على فكرةٍ أدبيّة. ضمن ثلاثة عناوين هي: أوّلًا: انتهى المونديال، فهل نعودُ بلا أولاد عمّ؟ ثانيًا: المفارقة بين الفريق وملك الفريق. ثالثًا: الاكتشافات المفاجئة والمهام القادمة.
أوّلًا: انتهى المونديال، فهل نعودُ بلا أولادِ عمّ؟
وردت ضمنَ مجموعةٍ "سداسيّة الأيام الستة" للراحل أميل حبيبي، التي كتبها بعد حرب الخامس من حزيران 1967 قصة بعنوان: "حين سعد مسعود بابن عمّه" فقد ظلَّ مسعود يعتقد، مدّةَ عشرين عامًا، أنّه مقطوعٌ من شجرة، لكن بعد احتلال الضفّة الغربيّة إثر الحرب، يأتي أبناءُ عمِّهِ من جنين إلى الناصرة بحثًا عن أقاربهم، ويكتشفُ مسعود ومعه الجميع أنّ له أبناء عم، فصار يشعرُ بالفخر والزهو عندما يتبختر في الشارع، وقد تشابكت يده بيد بسام ابن عمّه. الشعورُ الجديدُ الذي منحه إيّاه حضور ابن العم جعله يتّخذ موقفين. الأوّل عملي ومعلن، ويتمثّلُ في التصدّي لمن ينتقدُ الملك حسين؛ لأنّه ملك ابن عمّه. وقرّر أن يقف مع ملك ابن عمّه. والثاني باطني، يتمثّلُ في التوقّف عن طرح الأسئلة على أخته، وكان قد تعود أن يسألها عن كلّ ما يعنّ في باله من أسئلة. والسؤال الذي كتمه في صدره، ولم "يجرؤ على توجيهه لأخته الفيلسوفة خوفًا من لطمة كفٍّ أو خناقةٍ معها ... أو خوفًا من شيءٍ آخرَ في ذاته" هو: هل حين ينسحبون سأعودُ كما كنت بلا أولاد عم.؟
يهمُّنا في حكاية مسعود نقطتان على علاقةٍ بالموضوع الذي نتناوله، الأولى أنّ هناك من رفع صورة ملك المغرب ومن هتف باسمه في حمى الفخر بالفريق المغربي، والثانية، هل نعود كما كنا بعد انتهاء المونديال؟
فموقفُ مسعود المعلن، وسؤاله الباطني، وثيقُ الصلة بفيض المشاعر والأفكار التي واكبت مونديال قطر، وباكتشاف علاقة الارتباط بين جماهير الأمّة العربيّة وبعضهم البعض، وبينهم وبين قضية فلسطين التي زخرت بها كثيرٌ من المقالات التي تناولت الموضوع.
ثانيًا: المفارقةُ بين فريق المغرب وملكه:
لا يستطيعُ أحدٌ الانكارَ أنّ الفريق المغربي قد وصل إلى مربع الكبار في كرة القدم، بإمكاناته وكوادره الفنيّة الوطنيّة، وهذهِ مسألةٌ تحسبُ كونها تفكُّ عقدةَ الأجنبيّ، بكلّ ما يرتبط بها من مركّبات نقصٍ ودونيّة. كما أنّ تقدّمه على مسار المباريات قد أتاح للجماهير العربيّة مساحةً زمنيّةً كافية، لتوحّد مشاعرها وهتافها وتلتفّ حول فريقٍ عربيٍّ تبدّى وكأنّه يمثّلُ أمّة، إضافةً إلى مرافقةٍ علمٍ فلسطينيٍّ له في كلّ محطّاته، وما صدر عن بعض لاعبيه من مواقفَ جيّدة، لكنّها لم تمسّ موضوع التطبيع، هذه القضايا لا يمكنُ إنكارها، بل يجب دعمها. لكن المفارقة أنّ الفريق الذي وحّد وجدان الأمّة، من جبال طوروس إلى جبال أطلس وجعلها تشعرُ بالفخر، ينتمي لأكثر البلدان العربيّة إغراقًا في التطبيع مع الكيان الصهيونيّ، العدوّ التاريخيّ للأمّة ذاتها. وإذا كان الفريقُ قد رفع علم فلسطين في مبارياته واحتفالاته، فملك البلد هو رئيس لجنة القدس التي لم يحرك ساكنًا لأجلها، في الوقت الذي يتقدّم بخطًى سريعةٍ وثابتةٍ في مسار التطبيع مع الكيان الصهيوني، ويتبجّحُ بأنّه يعملُ من أجل الحقوق الفلسطينيّة. هذا الأمرُ يخلقُ تناقضًا بيّنًا بين رفع العلم الفلسطيني من قبل لاعبي الفريق والسياسة الرسميّة للدولة، ويؤكّدُ أنّ الفريق المغربي لم يكن مكلّفًا بمهمّةٍ على هذا المستوى، بدليلِ تصريحاتِ المدرّب الوطنيّ للفريق، وتصريح نائب السفير الإسرائيليّ في المغرب "إيال ديفيد" لراديو "يديعوت أحرونوت"، بل وطلب أحد مستشاري الملك من اللاعبين التركيز فقط على الراية الوطنيّة، وكذلك محاولة اختراق الجماهير المغاربية المرافقة للمنتخب، وهو ما أشار إليه بيانُ المرصد المغاربي لمقاومة التطبيع. إضافةً إلى ذلك، لم يصدر عن أيّ لاعبٍ في الفريق المغربي أيّ موقفٍ واضحٍ من التطبيع.
نسوقُ ذلك من أجل استخلاص مهمّةٍ نضاليّةٍ أساسيّة تتلخّصُ في ضرورة العمل الصبور والمثابر على صقل الحالة الوجدانيّة، وبمعنى آخر نسج العلاقة بين الحالة الوجدانيّة للشعوب العربيّة، وتعميق وعي الرياضيين العرب عمومًا، سواءً في الرياضات الجماعيّة والفرديّة، ذلك أن المواقف المعلنة أو المتّخذة من قبلهم في هذا الجانب تؤثّرُ عميقًا في الجمهور العربي، خاصّةً في أوساط الشباب.
وبالنسبة للاعبي المنتخب المغربي، فالمهمّةُ باتت مهمّةً مطروحةً أمام القوى السياسيّة المغربيّة وبشكلٍ أكثرَ تحديدًا أمامَ قوى مقاومة التطبيع وفي مقدّمتها المرصد المغربي لمقاومة التطبيع، كما هي مهمّةٌ مطروحةٌ على كلّ مقاومي التطبيع في كلّ البلدان العربيّة.
ثالثًا: حتّى لا تتبخر الاكتشافات المفاجئة بشكلٍ مفاجئ:
غلبت على كثيرٍ من المقالات والتعليقات الواردة في وسائل الإعلام العربيّة لعديد الكتاب والمحلّلين والناشطين، نغمةُ الاكتشافات المفاجئة، بما يذكر باكتشاف مسعود بأنّ له أبناء عمومة. وتتلخّص تلك الاكتشافات التي قد تتبدّى في شكل نتائج للمونديال فيما يلي: إحياء مشاعر الوحدة العربية، وكشف عن تعطّش الشعوب العربيّة للانتصارات، والانتصار للقضيّة الفلسطينيّة وإعادتها إلى الواجهة، برفع أعلام فلسطين، والهتاف لها، واستقطاب تعاطف الجماهير الأجنبيّة التي حضرت المونديال، وتغيير انطباعات الكثير منها، بعد أن كانت متأثّرةً بهيمنة اللوبي الإسرائيليّ على الإعلام العالمي، وتأكيد موقف الجماهير الرافض للتطبيع من خلال رفض التعامل مع الإعلام الإسرائيلي، إلى القول: إنّ المونديال أسقط التطبيع بلا رجعة، وبالضربة القاضية، وبالنتيجة فإنّ ما بعد المونديال ليس كما قبله. تشكّل هذه القضايا في جوهرها عناوين مهامّ مستقبليّة ملقاة على عاتقٍ مختلِف القوى السياسيّة الحيّة والمنتمية، وعلى كاهل مثقّفي الأمّة للحيثيّات الآتية:
أوّلًا: أنّ علاقات الأفراد الوطنيّة والقوميّة موجودةٌ بالقوّة، كمشاعر ذاتيّة منفصلة عن بعضها البعض، لكنّها تتقاطعُ وتتواصلُ في حدثٍ صاخبٍ مثل المونديال، ثمَّ تعودُ إلى مجرياتها ومساراتها الفرديّة والذاتيّة، إمّا أن توجد بالفعل وتتجسّد في علاقات تواصل فاعل وقادر على التصدي الجماعي للتحديات، فذلك يستدعي الوعي بالذات والانتماء، وهي مسألةٌ تحتاجُ إلى اشتغالٍ دائم، يمكنُ أن يستفيد من المحطّات الصاخبة، وهي مسألةٌ تقعُ على عاتق مثقّفي هذه الأمّة.
ثانيًا: أنّ الوعي بأنّنا أبناءُ أمّةٍ واحدة، من الضروري أن يتقدّم باتجاه وعي الأمة ذاتها، ووعي الأخطار التي تهدّدها على الأقلّ في الراهن السياسي، ذلك الخطر الذي يتحدّد في التطبيع بشكلٍ واضح؛ لأنّه يستهدفُ كلَّ المكوّنات والمرتكزات التي تقوم عليها الأمة؛ الأمرُ الذي يجعل من نجاحه إفراغ الأمّة وتقويضها.
ثالثًا: أنّ الهتاف إلى فلسطين واكتشاف مشاعر الأخوّة، يجب أن تتوحّدَ في نضالٍ مستمرٍّ ضدّ التطبيع، من أجل حماية الأمّة التي اكتشفنا أنّنا ننتمي إليها، من الاختراق من قبل عدوّها التاريخي.
رابعًا: أن الارتكان إلى مقولةٍ بديهيّةٍ: الشعوب لن تطبع... ومن ثَمَّ الاستنتاج أن المونديال أسقط التطبيع، لا ينتبه إلى حقيقة أن الرفض الوجداني للتطبيع، إذا لم يتحوّل إلى فعلٍ نضاليٍّ يمنعُ سريان العمليّة على المستوى السياسي الرسمي فلا قيمة له... لسببٍ بسيط: أن الصيغ الجارية للتطبيع تكرّس حقائق وارتباطات على الأرض سياسيّة وتربويّة واقتصاديّة وعسكريّة... بكلّ ما يترتّبُ على ذلك من ارتهانٍ على المستوى الاستراتيجيّ، بحيث يصعبُ الفكاكُ منه.
خاتمة:
إنّ نتائج الاكتشافات التي قيل: إنّ مونديال قطر قد حقّقها، تبقى مجرّد ردود أفعالٍ آنيةٍ مرتبطةٍ بحدثٍ أي ــ زمن المونديال ــــ إذا لم يتم دفعها إلى الأمام لتتحوّل إلى مهمّاتِ عملٍ ملقاة على عاتق القوى المنتمية، خاصّةً وأنّ زخم الفرح بالاكتشاف يرتهنُ بمدى زمنيٍّ محدّد، ثمّ يبرد تدريجيًّا إلى أن تتلاشى حرارته، ذلك يطرح سؤالًا: كيف نبقى أولاد عمٍّ بالفعل وليس بالقوّة التي تعبّرُ عن نفسها في مناسبةٍ ثمّ تختفي؟

