"نحنُ لا نمارسُ النقدَ من أجلِ النقد، بل من أجلِ التحرّر ممّا هو ميّتٌ أو متخشّبٌ في كياننا العقليّ، وإرثنا الثقافي".
محمد عابد الجابري.
تحتاجُ الحركةُ القوميّةُ العربيّةُ اليوم مراجعةً نقديّةً حقيقيّةً في الأسس الفكريّة والاستراتيجيّاتِ السياسيّةِ والنضاليّةِ أمامَ زخم التحدّيات المعرفيّةِ المنهاجيّةِ والسياسيّة النضاليّةِ التي تواجهها وتحدُّ من تقدّمها وتوثبها وانتشارها. ونحتاجُ في نقدها إلى مراجعةِ ثوابتِها التي نشأت عليها: هل ما زالت ثوابت أم تغيّرت جزئيًّا أو كليًّا؟ كما نحتاجُ الانفتاح على المتغيّرات العلميّة والسياسيّة والاستراتيجيّة: كيف هي اليوم وما موقعنا نحن منها؟
أوّلًا: ثوابتُ الحركةِ القوميّةِ العربيّة
الوجودُ القوميُّ ووحدةُ الحركةِ القوميّة: تبارى المفكّرون القوميّون والزعماء العروبيّون في تأكيد حقيقة الوجود القوميّ للأمّة العربيّة. ولئن اختلفوا في مقارباتهم للأمّة من مقاربةٍ ثقافيّةٍ سكونيّةٍ تؤمنُ بمسلمة وجود الأمة العربيّة منذ الأزل إلى الأبد (العروبة أوّلًا لساطع الحصري) وأمّة عربيّة واحدة ذات رسالة خالدة لميشيل عفلق) إلى مقاربةٍ تطوّريّةٍ اقتصاديّةٍ اجتماعيّةٍ (قسطنطين زريق / جورج حبش ...) إلى مقاربةٍ ثقافيّةٍ جدليّةٍ إرادويّة (عصمت سيف الدولة/ نديم البيطار...) فإنّ وجود الأمّة العربيّة، ومن ثَمَّ ضرورة الحركة القوميّة العربيّة ظلّت عند المفكّرين القوميّين ثابتًا لا اختلاف فيه إلا في كيفيّة بنائها وانتشارها وقيادتها النضال القومي العربي. وإذا كان أسلوبُ بناء الحركة القوميّة العربيّة لدى البعث مثلًا يقومُ على البناء الفوقي أي مركزيّة القيادة القوميّة وامتدادها في الأقطار العربيّة عبر فروع الحزب وقياداته القُطريّة المرتبطة بالقيادة المركزيّة واستراتيجيّتها النضاليّة فإنّ أسلوب الحركة القوميّة لدى الناصريّة، ولا سيّما لدى المتبنين لنظريّة الثورة العربيّة لعصمت سيف الدولة يقوم على البناء القاعدي المنطلق من تنظم المناضلين والمناضلات في مواقعهم فيما عرف بالحركة الإعداديّة لقيام التنظيم القومي على ضوء ضوابط / معالم أخلاقيّةٍ قوميّةٍ ديموقراطيّةٍ نضاليّةٍ ثوريّةٍ تفرزُ التنظيم القومي في الميدان بينما تقوم الحركة القوميّة في تنظيرات الكتاب الأخضر للشهيد معمر القذافي على وحدة الحركة الثوريّة العربيّة ذات الأفق العروبيّ والأمميّ أي اللجان الثوريّة المتحفّزة للثورة ولا تطلب السلطة أو تمارسها بل تحرض على تغيير الواقع لصالح الوحدة العربيّة وتمكين الجماهير من السلطة...
2- فلسطين هي القضيّةُ المركزيّة: مهما اختلفت مقاربات القوميين للواقع القومي العربيّ فإنّ مركزيّةَ فلسطين في استراتيجيّة النضال القومي نظريًّا واحدة، وهذا ما يتكرر في أدبيات الحركة القومية على اختلاف مشاربها. لكن الاختلاف يعاين في الممارسة بين خوض مصر عبد الناصر الحروب ضد الصهاينة في 1956 و1967 وحرب الاستنزاف (1968-1970) وحرب العبور (1973) دفاعًا عن نفسها وعن فلسطين والعرب وخوض صدام حسين حروبًا ضد إيران 1980 والكويت 1990 ثمّ ضدّ التحالف الإمبرياليّ الصهيونيّ الرجعيّ العربيّ 1991 و2003 وحروب سوريا ضد الصهاينة وضد حركاتٍ محليّةٍ في لبنان وحروب ليبيا ضد الاستعمار والإمبرياليّة والصهيونيّة في مصر وتشاد ولبنان...
يتفقُ القوميّون العرب على مركزيّة القضية الفلسطينيّة في استراتيجية نضالهم القومية لكن أغلبهم عمليًّا يجد نفسه في صراعاتٍ وحروبٍ لا تضع القضية المركزية هي الأولى بل الأمن ال قطر ي هو الأولوية.
3- الوحدة العربية ووحدة حركات التحرر العربي: الوحدة العربية هدفٌ سامٍ بل مقدّسٌ عند القوميين العرب ومن أجله نشأت تنظيماتهم وقدمت التضحيات الجسام بالنفس والنفيس. غير أن الوحدة تبقى هي أيضًا شعارًا لم يتجسّد إلا في برهة زمن الوحدة بين مصر وسورية (1958 -1961). ولم تتوحد التنظيمات القومية في حركةٍ عربيّةٍ واحدة. بل على العكس من ذلك تكاثرت الانقسامات وتعددت الحركات لا بين التنظيمات القومية فحسب بل داخلها أيضًا. فحزب البعث انشطر إلى حزبين وأكثر والناصريون إلى أحزاب وحركات والمقاومة الفلسطينية إلى تنظيمات والجبهة الشعبية إلى جبهات... فخبت الوحدة العربية وغابت وحدة التنظيمات العروبية وتاهت الحركة القومية وتشظت مكوناتها... ولا شك في أن هذا الوضع البائس لم يكن مصادفة بل جاء نتيجةَ تحدّياتٍ واقعيّةٍ ذهلت الحركة القومية العربية عن مجابهتها لذلك ارتبكت وضعفت وباتت مشكلة عوض أن تكون حلًّا أو جزءًا من حل!
ثانيًا: التحدّيات العلميّة المعرفيّة والسياسيّة
التحدّيات العلميّة المنهاجيّة: لا شكَّ في أنّ نجاحَ أيّ تنظيمٍ سياسيٍّ في تغيير الواقع يستند فيما يستند إلى أساسٍ علميٍّ معرفيٍّ صحيحٍ قائمٍ على أحدث النظريّات العلميّة المنهاجيّة. وبتفحص فكر الحركة القوميّة العربيّة نكتشف أنها تتبنى أيديولوجيا قوميّة أغلب أسسها العلمية في فهم الطبيعة والإنسان وظروفه الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة تجاوزها التاريخ بما أن معظم تلك التنظيرات قد تبلورت في السبعينات.
نحن نعلمُ أن معظم التنظيرات القوميّة تبلورت واكتملت في السبعينات في سبيل البعث لعفلق (من 1935 إلى 1977) ونظرية الثورة العربية لسيف الدولة (من 1965 إلى 1971) والإيديولوجيا الانقلابية لنديم بيطار (1964) والميثاق الوطني 1962 وبيان 30 مارس لعبد الناصر 1968 والكتاب الأخضر للشهيد القذافي 1975...
وتقومُ النظريّةُ القوميّةُ على مسلّماتٍ علميّةٍ منها: الموسوعية عوض التخصص والتفكك بين العلوم الصحيحة والعلوم الإنسانية عوض الدمج والشمولية والتركيب وبساطة التصورات عوض مسايرة تعقد الحقائق الكونية وثقافة اليقينيات والحتميات عوض الشك والارتياب والاحتمالات... فالموسوعيّةُ تتجلّى في أطروحات الحركة القومية العربية المكتظة بشواهد عوامل التاريخ واللغة والجيوسياسيّة التي وحدت العرب ماضيًّا وهي كفيلةٌ بتوحيدهم حاضرًا ومستقبلًا.. وتتجاهلُ هذه الأطروحات الاختلافات القومية بل والأقليات القومية كالأمازيغ والأكراد وتصمهم بالخيانة في تعميم لا يميز بين التنوع المشروع داخل الأمة والتآمر عليها المرفوض.
وتفصلُ تنظيراتُ الحركة القومية في معظمها بين الحقائق العلمية في مجالات العلوم الصحيحة وطبيعة العلاقات الاجتماعية والثقافية داخل المجتمع، فما "يجب أن تكون عليه الثقافة الحقة، تلك التي تقيم جسور الحوار بين ثقافة الإنسانيات والثقافة العلمية..." على حد تعبير إدغار موران في كتابه العقل المحكم، حيث يعتقد "موران" أن أبرز تحد اليوم يواجه الإنسان اليوم هو تحدي الشمولية والتعقيد.
لقد بينتْ أسسُ الحركةِ القوميّة العربيّة على قوانين وقواعد علمية تعود إلى القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين في فهم حقائق المادة والطبيعة والإنسان بينما شهد العلم ثوراتٍ معرفيّةً منهجيّةً بدايةً من السبعينات أي زمن صياغة القوميين نظرياتهم التغييرية السياسية الاقتصادية الاجتماعية الثقافية، فحصل تضارب بين الحقائق العلمية المكتشفة جديدا كتراجع مفهوم الحتمية المادية والتاريخية لصالح الاحتمالية وتعقد المعارف وشموليتها وترابطها عوض بساطتها وتفككها وبين القوانين المكتشفة قديما أي قبل سبعينات القرن العشرين. فلم يعد مفهوم الفكر العلمي مقصورا على ما هو سائد "العلوم الصحيحة" من رياضيات وفيزياء وبيولوجيا وعلوم طبيعية... بل هو مفهوم جديد يشمل العلوم "الصحيحة" والعلوم الإنسانية وهو ما يصطلح عليه الإنسانيون الجدد اليوم بالثقافة الثالثة.
لقد بدأت هذه الثقافةُ العلميّةُ الجديدةُ في التبلور منذ الثورة العلمية الثانية في ستينات القرن العشرين وميزتها حسب موران تبيئة المعارف وشموليتها بعد أن كانت حتى ذلك الحين مجزأة ومفككة ومعزولة...
قامت تنظيراتُ الحركة القومية العربية المعتمدة على الماركسية "النظرية العلمية" والإنسانوية "جدل الإنسان في نظرية الثورة العربية" على مقولات منافية للحقائق العلمية الجديدة وكرست مفاهيم الحتمية التاريخية وحتمية الثورة العربية وتعظيم مقولات الثورة العمالية البروليتارية وحتميتها وعظمة دور الإنسان في إحداث الثورة العربية وتحقيق الوحدة العربية. لكن الواقع كشف محدودية تلك التنظيرات بل مثاليتها وعدم مطابقتها للأسس المعرفية المنهاجية الجديدة. فالتاريخ لا يخضع لحتمية صارمة بل لاحتمالات لا متناهية، والإنسان ليس مجرد تابع للحتمية الاجتماعية التي تمر تحت أنفه وليس بطلا نيتشاويا بإمكانه بفضل إرادته الأسطورية أن يشير للواقع فيتغير لصالحه، بل الإنسان الحر والذكي والواعي يستطيع أن يصنع مستقبله آخذا في الاعتبار كل معطيات الواقع الحي الحركي خارج كل الحتميات المادية والتاريخية والميكانيكية والإرادوية... وهذا التضارب بين مسلمات الحركة القومية العلمية والواقع والمكتشفات العلمية المستجدة طرح عليها تحديات سياسية كبرى.
2- التحديات السياسية:
* تمزق صفوف الحركة القومية: (ناصريون وبعث ولجان ثورية وماركسيون عرب...).
* تضارب المقاربات النظرية بين المشارب الماركسية أممية الثورة وعلمانية الحكم وطبقية الصراع في مقابل المشارب العروبية ذات الأفق الإنسانوي قومية الثورة وإسلامية الدولة واشتراكية البديل وأممية التحالفات ...
* سيطرة الإسلام السياسي على الركح السياسي العربي ومركزية الحركات الإسلامية في المقاومة الفلسطينية.
* تمزق الأقطار العربية بعد موجة الربيع العبري وتدمير العراق وليبيا وسوريا وانحدرنا من القطرية والإقليمية إلى الإمارة والمشيخة...
إضافة إلى تعاظم تحالفات الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية وقيادتها هجوما تطبيعيا مضادا بلغ أوجه في "صفقة القرن" وتوابعها " الديانة الإبراهيمية الجديدة"... فما الحل؟
ثالثا: استيعاب المتغيرات
1- مراجعة الأسس العلمية لتنظيرات الحركة القومية العربية على ضوء أحدث الحقائق العلمية.
2- مراجعة مفهوم الثورة والجماهير لتخرج من الإرث المتكلس عالميا ومحليا إلى فهم عصري متحرر يؤمن بحرية الفرد وتضامن الجماعة وتضع حدا لمفاهيم التحكم والسيطرة الحزبية والزعاماتية.
3- القومية العربية حركة تحررية تؤمن بحرية العرب وغيرهم ممن يتقاسمون معنا التاريخ وخاصة المستقبل. تعترف بحقوق الأقليات والمختلف بشرط احترامهما للهوية العربية الجامعة.
4- مراجعة قضية الدين عامة والإسلام خاصة ليكون ثقافة تحررية جامعة لا إيديولوجيا طائفية تكفيرية ولا أيضا أفيونا للشعوب...
5- الشروع في الإعداد لمؤتمر للحركة القومية العربية لتوحيد فكرها واستراتيجية نضالها على أساس الضوابط السابقة (1 و2 و3 و4).

