في فيلم (الإسكندر المقدوني - Alexander) الذي أنتج عام 2004 من إخراج المخرج الأمريكي الشهير أوليڤر ستون يجري الحوار التالي أثناء تلقي الصبي الإسكندر الأكبر دروسه هو ورفقائه من التلاميذ المقدونيين من أبناء النخب وفرسان المستقبل من النابغين على يد أحد الحكماء المعلمين الذين احضرهم ملك مقدونيا ووالد الإسكندر المقدوني (الملك فيليب الثاني) من أثينا لتعليم أبناء النخب المقدونية..
يجرى الحوار بين الحكيم المعلم وتلاميذه الصغار كالتالي:
يقول الحكيم المعلم:
- الفرس حكموا ثمانين بالمائة من العالم القديم على الأقل من اثيوبيا و مصر جنوباً وحتى القوقاز والبحران الداخليان في الشمال.. إنهم يحكمون ونحن جالسون كالضفادع..
فيرفع أحد زملاء الصبي ألكسندر يده موجهة سؤاله للمعلم
- أيها المعلم
فيجيب المعلم
- نعم
فيسأله الصبي
- لم الفرس بهذه القسوة؟
فيجيبه المعلم
- بربك يانيركوس..
هذا ليس موضوع اليوم..
ثم يلتفت إلى الإسكندر المقدوني وباقي التلاميذ ثم يحتل وجه المعلم الحكيم الكادر كما لو أن صانعوا العمل يريدون إرسال رسالته لعالم اللحظة الراهنة أيضاً..
لينطق بهذه الكلمات التي تشكل تصوراً كامناً عبر التاريخ ورسالة للأحفاد الأوربيين
[ - ولكنه صحيح فالأعراق الشرقية معروفة بهمجيتها ونزعتها لإشباع حواسها، وهو شيء غبي للغاية، إنهم يخصون الفتيان الصغار مثلكم من أجل متعتهم الجنسية.. أجل الإفراط في كل شيء هو سبب انهيار البشر.. لهذا نتفوق نحن الإغريق على سوانا.. فنحن نسيطر على حواسنا..].
انتهي هذا الحوار الذي لا يجب أن بمر مرور الكرام بما يثير من دلالات وما يطرح من اشكاليات تخص نظرة (أهل الغرب الأوربي) لباقي العالم الذي يصطلح عليه في الفيلم ب(الشرق) وآثار ذلك التصور الذي هيمن على الضمير الأوربي بدرجة ما، وخلق آثار مدمرة ما زلنا نعيش تفاعلاتها عبر تاريخ البشرية الماضي والحديث وفي قلب لحظتنا الراهنة..
وبادئ ذي بدء، فبالطبع من الناحية التاريخية لا يمكن أن نجزم بمدى استناد هذا الحوار لنصوص تاريخية موثقة، وربما جرى ذلك وفقاً للخيال السينمائي في معالجته الفنية للتاريخ وبمعنى أنه لا يمكن الجزم بأن هذا الحوار قد وقع نصاً بالضرورة، وقد لمح الراوي في الفيلم أن هذا الحكيم المعلم الذي جسده في هذا الفيلم الممثل الكندي (كريستوفر بلامر) هو الفيلسوف اليوناني أرسطو، وهو أمر لا يمكن الوقوف بثبات على دقته من الناحية التاريخية. والفيلم وإن كان ليس فيلماً وثائقياً وهو عمل فني روائي يستند إلى أحداث تاريخية لكنه في النهاية عمل فني يطلق دلالاته ويطرح رسائله ويقدم معالجات فنية لوقائع التاريخ وأحداثه تنبع في النهاية من تصورات وقراءات معينة للواقع والتاريخ والذات، هي في الغالب ابنة سياقات مجتمعية وثقافية معينة..
وفي هذا الصدد، فالفيلم يضعنا أمام دلالة هامة في المعالجة السينمائية كجزء من المخيلة الثقافية المنتشرة بين الكثيرين من أبناء النخب الأوربية وهي تلك الصورة النمطية التي يتم تصديرها للمواطن الأوربي عبر نموذج الرجل الأبيض المتفوق حضارياً، صاحب الجدارة المزعومة في الوصاية على العالم، والذى تلح عليه هوليود (منذ ما بعد المكارثية) عن الآخر وتقسيم هذه المخيلة العقلية التي تعاني من بعض النزعات العنصرية التي تدفعها لتصوير هذا العالم على أساس أن الإنسانية لم ترَ حضارات، سوى في هذا الجزء الأوربي من العالم والذي يطلق عليه الغرب (باعتبار أن أمريكا هي ابنة الإرث الحضاري الأوربي، بعد أن قطع الرجل الأبيض الأوربي المستوطن علاقتها بالعالم الهمجي (على حد وصف المستوطن الأوربي) عبر إبادة (الهنود الحمر)، وبالتالي برز مفهوم الغرب الذي تبدأ منه الحضارة الإنسانية وتنتهي، وعليه فإن الإنسانية فيما عدا الغرب هي مجموعات من الهمج وأهل الشر الذين يعيشون عالة على منتجه الحضاري، ولذلك فوفقاً لهذا التصور فإن العالم لا بد أن يعيش على مشاعر الممنونية لهذا الرجل الغربي الأبيض الذي يرجع إليه الفضل الحضاري الإنساني، ولا بد أن ترث أجيال هذه البشرية تلك الممنونية وتواصل دفع ديّنها المستمر تجاه هذا الرجل الأبيض، وبالضرورة لا بد أن تقبل حقائقه وتصوراته عن العالم، وأن تغض الطرف عن إرثه الاستعماري وما خلفه ذلك الإرث من آثار مدمرة على العديد من شعوب مناطق العالم كشعوب مناطق أمريكا الجنوبية والقارة الإفريقية ومناطق غرب آسيا وغيرها من شعوب العالم (الشرقي)…
ولعل هذا التصور الاستعلائي الغربي الذي يتم تصديره للمواطن الأوربي ولشعوب العالم على النحو الذي يحقق القوى الدافعة لنزعات الهيمنة على الآخر وإلحاقه بالحظيرة الغربية سواء في الأزمنة المريكتيلية (حرب الأفيون الأولى والثانية) كدليل صارخ، أو في الحقبة الاستعمارية التي ما زالت وطأة آثارها وتفاعلاتها ماثلة على شعوب أفريقيا والشرق الأوسط حتي اليوم، وما زال أبناء ضحاياها يأنون من هذا الإرث حتي اليوم.
وربما يتبادر إلى الذهن أن مجريات ما بعد سقوط الإتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة، قد شهدت ازدهار هذه التصورات في أدمغة المراكز الرأسمالية العالمية وهي تشرع في عمليات (التكيف الهيكلي) مع بداية تسعينيات القرن الماضي وتضع (تفاهمات واشنطن) على أساس نظرية انتهاء الصراع بإحراز التفوق النهائي للعالم الغربي وظهور نظرية (نهاية التاريخ) وما إلى ذلك.
ولعل المركز الرأسمالي العالمي يحتاج بشدة لإشاعة تلك التصورات عن زعم جدارة الرجل الأبيض وأحقية ولايته للعالم بوصفه وصياً على الحضارة الإنسانية وترسيخ المفاهيم الاستعلائية العنصرية الزائفة عن العالم (الشرقي)، بوصفه عالم تسوده الهمجية ويشكل خطراً داهماً على حضارته، ولا بد من حصاره ومحاربته كمبرر لمعركة الغرب الأطلسي الكبرى التي تجرى اليوم دفاعاً عن الحصون المتهاوية لهيمنته على الشعوب والمهددة على يد الشرق، حيث خطر التنين الصيني العملاق والصعود الروسي على هذه الهيمنة وتململ دول بعض دول الشرق من وظيفة التابع (كباكستان و تركيا وحتى بعض دول الخليج العربي) ونزوع بعض دول الشرق لتكوين كياناتها النازعة نحو الاستقلالية وتعميق حضورها الإقليمي (كالهند اقتصادياً، وإيران الجيوسياسية)، فضلاً عن النزعات اليسارية التحررية التي بدأت تضرب في قلب الحديقة الخلفية للمركز الرأسمالي العالمي الغربي حيث ينجح اليسار في حكم العديد من بلدان أمريكا الجنوبية..
لعل هذا يساعدنا أيضاً على فهم طبيعة الحرب الأوكرانية الروسية وانخراط تحالف الناتو الأطلسي على هذا النحو فيها، وكونها ستشكل نقطة فاصلة في تاريخ هذا الصراع الإنساني الممتد..

