منذُ خمسةِ أعوامٍ تقريبًا؛ أي منذُ أن تمَّ حلُّ الكنيست الإسرائيليّ الـ "19" بمبادرةٍ من نتنياهو في كانون الأوّل عامَ 2018، وحتّى لحظة تشكّل حكومة ائتلاف أقصى اليمين الفاشي الدينيّ والقوميّ المسياني الحريدي بزعامة الثلاثي بن غفير وسموتريش ونتنياهو في كانون الأوّل عامَ 2023.
يتّخذُ هذا الائتلافُ من "أرض إسرائيل التوراتيّة" مرجعيّته العنصريّة للمواطنة، ومن الاستيطان مشروعه ومن الأيديولوجيّة المسيانية – دينيّة أو علمانيّة – خشبة خلاصه، ويقودُ هذا الائتلافُ نتنياهو وهو ينشط ضمنَ رؤيةٍ "يهوديّةٍ قوميّةٍ تاريخيّة" تبدأ منذ تأسيس "المملكة الأولى" مرورًا "بالمملكة الثانية" وصولًا إلى يومنا هذا أي "المملكة الثالثة" التي تشكّل "إسرائيل الكبرى" من النهر إلى البحر، محصّلتها الحديثة.
ضمنَ هذهِ الرؤية علينا أن نقرأ أفعال حكومة ائتلاف بن غفير – سموتريش – نتنياهو وممارساتها، مثل سنّ قانون سحب الجنسيّة والإبعاد لكلّ من لا يعلنُ الولاء "لإسرائيل" ومشاريع الضمّ الزاحف للضفّة الفلسطينيّة والأغوار، فضلًا عن توسيع الاستيطان في الجليل والنقب والضفة، وسبق كل هذا "قانون أساس القوميّة"، وذلك في مسعًى لدخول هذا الائتلاف التاريخ مؤسِّسًا "لإسرائيل الثالثة"، ليس فقط أفعالًا محسوبةً لفرض الهيمنة المطلقة على المجتمع، بل جزءًا أصيلًا من رؤيةٍ أيديولوجيّةٍ مسيانية "لإسرائيل التوراتيّة الحريديّة".. ومن ثَمَّ إلى الأرض والسكان اللذيْن يمثّل فيهما الفلسطينيّ امتدادًا حديثًا "للأغيار القدامى" الذين ينبغي سحقهم أو إخضاعهم، ويشدّد هذا الائتلاف على مركّب الهُويّة "اليهوديّة" في مقابل "دولة إسرائيل" وهو ما تمَّ تظهيره سابقًا عام 2018 عبرَ "قانون أساس القوميّة" واعتبار الاستيطان اليهوديّ "قيمةً قوميّة"، وأن "أرض إسرائيل هي الوطن القومي للشعب اليهودي" وأن "إسرائيل" هي دولته القوميّة المحصور فيها حق تقرير المصير لليهود فقط.
مقابل هذا الائتلاف الثلاثي "المسياني الحريدي" يقف "تحالف بلا سياسة" يمثله الثنائي "بني غانس ولا بيد" ويسعى لاستعادة إسرائيل الصهيونية بطابعها "العلماني – الاشكينازي" الرسمي، مثلما تحقق في عام 1948 على يد عصابات الهاغانا والأرغون وشتيرن بزعامة بن غوريون وشامير وبيغن.
يتعاملُ هذا التحالف مع الشعب الفلسطيني بـ "استراتيجية التغييب"، فهو يزيح الخطاب السياسي المتمثّل بالاحتلال إلى الهوامش؛ لأنّ مجرّد حضور القضيّة الفلسطينيّة يمكن أن يتفكّك هذا التحالف من الداخل؛ بسبب حجم التباينات بين مركّباته... وبفعل هذا الانسحاب الذي يخلّف ثغرةً في الرؤية المرتبطة بكيفية التعامل مع الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، والعربي – الإسرائيلي.. يستحضر الائتلاف الثلاثي المسياني الحريدي بالخطاب الأمني مكثّفًا لغة "الردع والقوّة لإسرائيل الثالثة".
إنّ خطورة هذه الديناميّة – سواءً بدأ عصر بن غفير، سموتريش، نتنياهو أم لم يبدأ - تكمن في خواء المعارضة التي لا تطرح سوى إدارة الواقع، وليس اختراقه أو إنهاء الاحتلال؛ نظرًا لتركيبتها المتناقضة، ومن ثَمَّ في ترسيخ مقولة تحويل الشعب الفلسطيني إلى أقلّيّةٍ سجينةٍ في معازل "كانتونات" مقطّعة تدار ذاتيًّا، وتخضعُ لسيطرةٍ أمنيّةٍ إسرائيليّةٍ كاملة!
ستواصلُ "إسرائيل" تمديد سيادتها بالتدريج على توسيع المستوطنات في المنطقة "جـ" كاملة، خصوصًا مع وجودِ بيئةٍ إقليميّةٍ مريحة، تتميّزُ بانهماك النظام الرسمي العربي بالتطبيع، وانشغال شعوبه بهمومها وقضاياها الداخلية، ومن ثَمَّ دعم أمريكي – غربي غير مسبوق، والأهم من ذلك كلّه، حالة فلسطينية مشروخة بين قطاع غزة والضفة الغربية... هذا الواقعُ القائمُ لا يمكن إيقافه، إلا إذا أمسك الشعب الفلسطينيّ وقواه الوطنيّة الديمقراطيّة بزمام المبادرة من جديد.
مأزقُ إسرائيل الاستراتيجيّ
في ظلّ هذا الاستقطاب يجدُ الشعب الفلسطيني نفسه خارجَ حسابات الكتلتين البرلمانيتين الأكبر كونها حسابات يحددها المنطق الاستعلائي الاستيطاني الكولونيالي بخصوصيّته الصهيونيّة الشموليّة، فكلٌّ من الكتلتين حريصٌ على تهميش الحضور الوطني والسياسي والاجتماعي الفلسطيني، وتحييد تأثيراته على "المجتمع الإسرائيلي اليهودي".. وهو ما يسعى الائتلاف الثلاثي: بن غفير وسموتريش ونتنياهو لتكريسه عبر قانون القوميّة ولواحقه... كما يجد كل من التكتلين ما يسنده راهنًا، في التّحوّلات الجارية على الصعيدين:
- دوليًّا: تزايد اتّجاهات الشعبويّة المحافظة والدينيّة القوميّة اليمينيّة.
- إقليميًّا: متمثّلًا في توجّهات النظام العربي الرسمي التطبيعيّة مع إسرائيل وداعمها الأمريكي.
إنّ التعبيرات التنظيميّة السياسيّة للتكوينات الهُويّاتيّة الأفقيّة في "إسرائيل" المترافقة مع الانقسام العمودي بين الاتجاه المتديّن الأصوليّ والعلمانيّ اليمينيّ واتّساع حدّة الفجوات الطبقيّة في المجتمع، تشكّل أبرز مكوّنات المأزق الإسرائيلي، صحيحٌ أنّه ينبغي عدم المبالغة بتأثير هذا الواقع في رسم توجّهات النخبة السياسيّة الإسرائيليّة إلّا أنّه من الحكمة عدم تجاهله في رسم الاستراتيجيّة السياسيّة النضاليّة الفلسطينيّة.
ضمنَ هذا الفهم لسمات الحقل السياسيّ "الإسرائيليّ" الذي تهيمن عليه أيديولوجيا شموليّة دينيّة حريديّة، ينبغي تحديد توجّهات الفعل الفلسطينيّ الوطنيّ والكفاحيّ والثّقافيّ... وهو فهمٌ ينطلقُ من إدراك أنّ السياسة الاستيطانية الكولونياليّة التي اعتمدتها الحركة الصهيونيّة منذ أكثر من قرنٍ ويزيد، وواصلتها "إسرائيل" منذ نكبة عام 1948 واستمرّت في تبنّيها بعد هزيمة عام 1967، فشلت في تحقيق هدفها المتمثّل بتطهير وإفراغ أرض فلسطين من شعبها الأصلي.
واليوم وبعد انقضاء أكثر من عشرة عقودٍ على هذا المشروع الكولونياليّ، لا يزال أكثر من نصف الشعب الفلسطيني مقيمًا على أرض وطنه التاريخيّة، كما أنّ عددَ الفلسطينيّين لا يقلُّ عن عددِ اليهود "الإسرائيليّين".
لقد فشل الاستعمارُ الصهيونيُّ في المهمّة التي أنجزها استيطان "كندا وأستراليا وأمريكا الشماليّة"، ونحن في هذا السياق بحاجةٍ إلى التمعّن بدلالات فشل المشروع الصهيوني في تصفية وجود الشعب الفلسطيني فوق أرض وطنه وفشله في إخماد جذوة الكفاح والحيوية الوطنيّة الفلسطينيّة لدى مكوّنات الشعب داخل فلسطين التاريخيّة وخارجها.
توجّهات الفعل الفلسطينيّ
ينبغي التأمل في حقيقة أنّ مأزق الحركة الوطنية الفلسطينية المركّب، وتفكك حقلها السياسي الوطني إلى مكوّناتٍ محلّيّةٍ بعد تهميش واختفاء مؤسّساتها الجامعة، لم يُفقدا الهُويّة الفلسطينيّة حيويّتها، ولا تمسّك الشعب بروايته التاريخيّة المتجدّدة الفصول، ولا بنضال الشعب وديمغرافيّته وجغرافيّته... فعلى الرغم ممّا دخل على النظام العربي الرسمي من بصماتٍ تطبيعيّة، ومن تبهيتٍ لحقوق شعب فلسطين وتزييف روايته، فإنّ الشعوب العربيّة لم تشارك الأنظمة الحاكمة هذا التحوّل، وإنما هي ما زالت على تضامنها ودعمها لقضية الشعب الفلسطيني وعدائها للصهيونيّة ولإسرائيل الاستعماريّة... وهناك ما يدعمُ الاعتقادُ بأنّ ثمّةَ تحوّلاتٍ مهمّةً في الرأي العام العالمي – خارج المؤسّسات الرسميّة – بما في ذلك في الولايات المتّحدة وأوروبا لجهة إدراك ما تمثّله "إسرائيل" من ممارساتٍ عدوانيّة، وعنصريّة لكلّ ما هو تقدّمي، فضلًا عن دعمها لكلّ ما هو كولونياليّ ومستبدّ وفاسد في هذا العالم.
إنّ وعينا لكلّ ما يجري أمرٌ ضروريٌّ للحيلولة دون تحويل القضيّة الفلسطينيّة الجامعة إلى تفاصيلَ جزئيّةٍ يصبحُ كلٌّ منها موضوعنا الشاغل، وهو أمرٌ ضروريٌّ كي لا نقع في فخّ الرأسماليّة الليبراليّة المتوحّشة التي تختزل المجتمعات إلى مجرّدِ سوقٍ وأفراد - سلع وعمل - يحرّكها دافع الربح الخاص أوّلًا وأخيرًا.
الأمرُ الذي ينبغي أن يوجّه الفعل الوطنيّ الفلسطينيّ إزاء مؤسّسات النظام السياسيّ الإسرائيليّ، والسعي لإرهاقها وتفكيكها بالتدريج على المدى المتوسّط والطويل، وإضعاف هيمنة "الصهيونيّة الشموليّة" على المجتمع وتنمية التناقضات داخلها وتوسيع بيكار التأييد للحق الفلسطيني المشروع في الحرية وتقرير المصير والاستقلال الناجز فوق ترابه الوطني.
ولعلّ المهمّة الفلسطينيّة الأولى هي توحيدُ الحركة الوطنية للشعب، عبرَ بناء مؤسّساتٍ وطنيّةٍ جامعةٍ على أسسٍ ديمقراطيّة، تنسحب على الأصعدة السياسية القطاعية والمهنية والثقافية من أجل تمثيل حقوق ومصالح الكل الفلسطيني.
إنّ غياب المؤسّسات التمثيليّة الجامعة كان سبب القلق الفلسطيني العام إزاء مشاهد انجرار النخب السياسية لمكونات الشعب – داخل فلسطين التاريخية وخارجها – بوصفها محليّةً وخارج نصّ الكلّ الفلسطيني ومتنه الجامع. كما أن تشظي الحركة السياسيّة الفلسطينيّة إلى حركاتٍ محليّةٍ كان وما زال محرّك الدعوة إلى صياغة وبلورة مشروعٍ وطنيٍّ للكلّ الفلسطيني... مشروع لا يستثني خططًا تنمّي وتصون مصالح كلّ تجمّعٍ في سياقٍ متناغمٍ ومنسجمٍ مع حقوق ومصالح الكل الفلسطيني.. وعلى هذا المشروع الكفاحي الجامع أن يناقش رؤيته لمستقبل اليهود المتحرّرين من الصهيونيّة، وأن يطرح حلَّا يتناقضُ مع ما يطرحه المشروع الصهيوني الاستيطاني الكولونياليّ من حيثُ القيم ورؤية المستقبل.
وهنا ينبغي معالجة مستقبل العلاقة بين الشعب الفلسطينيّ واليهود المعادين للحركة الصهيونيّة... بما في ذلك الرؤية إلى دولةٍ ديمقراطيّةٍ علمانيّةٍ واحدةٍ تعيدُ توحيد أرض فلسطين التاريخيّة، وتتصدّى للظلم التاريخيّ الذي ألحقته الحركة الصهيونيّة والقوى الداعمة لها بالشعب الفلسطيني، والأذى الذي سبّبته للشعوب العربيّة جمعاء.
لا يمكنُ للمشروع السياسي والكفاحي الجامع أن يتجاهل الواقع الذي تشكّل على أرض فلسطين التاريخيّة جراء المواجهة اليوميّة الدامية مع المستوطنين العنصريّين، ومع ممارسات التطهير العرقي... وهو واقعٌ يشتملُ على سمتين مهمّتين يصعبُ إغفالهما:
- الأولى: ليس لكلّ اليهود – مثلما كان حال المستوطنين الفرنسيين في الجزائر – بلد "أُمْ" يعودون إليه، إذ إنّ نسبةً ليست قليلةً من هؤلاء باتت تحملُ "الهُويّة الإسرائيليّة فقط".
- الثانية: فشل المشروع الصهيوني في إفراغ فلسطين من شعبها الأصلي، بالرغم من العقود المديدة، على بدء العمل بهذا الأمر، وبالرغم من استخدام المشروع الصهيوني أشكالًا متعدّدة من العنف والإرهاب والقمع لدفع الشعب الفلسطينيّ إلى التخلّي عن حقوقه.
ينبغي التشديدُ على أنّ صياغة وطرح مشروع وطنيّ كفاحيّ جديد "الدولة الديمقراطيّة العلمانيّة الواحدة" – وهو ما يتعيّن على مكوّنات الشعب الفلسطيني كلّها أن تناقشه بعمق – لا يعني التخلّي عن مواصلة المقاومة والانتفاضة، وكلّ أشكال النضال الأخرى، بل ربّما يعني التشديد على ضرورة مواصلة هذا النضال ووضوح أهدافه، والعمل على كشف جميع أشكال التزوير والتزييف لرواية الشعب التاريخيّة ونضاله الطويل وتضحياته الجمّة.

