مضى في هذه الأيام عام كامل على ِالاجتياح الروسي لأوكرانيا، حيث يشهد العالم بداية تشكل نظام دولي جديد؛ يبرز في السياسة الدولية على أساس تحقيق المصلحة الأمنية للدول المنضوية في إطاره.. نظام دولي ينشأ بعيدًا عن الصراع الطبقي الذي كان يقوم على التناقض الفكري والسياسي، بين معسكرين الرأسمالي الإمبريالي والاشتراكي؛ فروسيا الاتحادية التي تخوض حربًا في أوكرانيا ليست الاتحاد السوفييتي الاشتراكي السابق، الذي تشكل من جمهوريات أوروبية وأسيوية على أساس الانتماء الفكري للنظرية الاشتراكية العلمية، أي ما تعرف بالماركسية ال لينين ية، وذلك رغم قوميات هذه الجمهوريات المتعددة، وأوكرانيا بعد تفكك هذا الاتحاد، الذي كانت هي نفسها عضوًا فيه، بل كانت تعد الجمهورية الثانية في تعداده بعد روسيا؛ أصبحت الآن أقرب للغرب، ليس لأنه نظامًا رأسماليًا، بقدر ما هي رغبتها في الدفاع عن أمنها واستقلالها من خلال الانضمام للاتحاد الأوروبي واكتساب عضوية حلف الناتو الأمر الذي ترى فيه روسيا الاتحادية تهديدًا صارخًا؛ لأمنها القومي. لذلك؛ فالصراع المسلح القائم حاليًا بينهما والذي مضى عليه عام، ويشتد في هده الأيام شراسة، ولكن دون أن تلوح في الأفق حسم هذا الصراع لأي طرف منهما، هو صراع على الأمن القومي، وليس على أي عامل آخر وأرضيته هي القارة الأوروبية، وليست أي منطقة جغرافية أخرى، ولهذا السبب تكتفي الولايات المتحدة الأمريكية؛ بسبب عدم وجود قواعد عسكرية في أوكرانيا؛ بمساعدتها عسكريًا من بعيد، وكذلك فرض عقوبات اقتصادية تتعلق بتصدير الغاز الروسي إلى البلدان الأوروبية، وذلك دون مواجهة مباشرة بين الجيش الروسي والأمريكي، وهذا ما جاء على لسان الرئيس الأمريكي جو بايدن نفسه، عشية بدء الهجوم الروسي من قبل الرئيس بوتين؛ بعيدًا عن العمل السياسي والدبلوماسي. وهكذا نجد أنه بسبب المصلحة الأمنية نأت الإدارة الأمريكية نفسها، وكذلك الاتحاد الأوروبي عن اتخاذ قرار سياسي بالمشاركة فعليًا بالحرب في مواجهة الدب الروسي؛ مكتفيًا كل منهما ومن خلال حلف الناتو بالدعم العسكري...
السؤال الآن بعد عام من التوتر الدولي، الذي يعد من أخطر المراحل السياسية التي يشهدها العالم، بعد انتهاء الحرب الباردة، وهي مرحلة بما أحدثته من مواقف سياسية لأقطاب دوليين كبار؛ تصيغ بالفعل بداية أولية؛ لتشكل نظام دولي جديد؛ قائم على أساس العامل الأمني وممكن الدفاع عنه بمنطق السيادة القومية والاستقلال الوطني الكامل؛ البعيد عن التبعية السياسية والاقتصادية، وليس على أساس أي عامل آخر كالعوامل الأخرى المحركة للتاريخ، وقد يضم هذا النظام كل من روسيا الاتحادية والصين الشعبية وكوريا الشمالية وربما تلحق به إيران الجمهورية الإسلامية ودول أخرى معادية للسياسة الأمريكية العالمية. وكل هذه الدول لا تربطها عوامل قومية أو دينية أو عرقية أو اقتصادية، بل توحد مواقفها السياسية المصلحة الأمنية التي مظهرها الأبرز هو علاقاتها العدائية مع الغرب، وبشكل خاص الولايات المتحدة الأمريكية؛ المنحازة دومًا في مواقفها السياسية إلى الأنظمة الرجعية والفاشية والعنصرية التي تصفها إيران في أجهزتها الإعلامية بالشيطان الأكبر. في حين خلاف كوريا الشمالية الاشتراكية معها؛ خلاف سياسي تاريخي منذ الحرب الكورية، التي اندلعت في الخمسينيات من القرن الماضي، وأسفرت عن تقسيم الجزيرة الكورية إلى دولتين؛ أحدهما شمالية اشتراكية؛ أكثر تطرفًا في عدائها لأمريكا، وأخرى جنوبية رأسمالية موالية للغرب بشكل عام، والصراع بينهما ما زال محتدًا إلى يومنا هذا. أما الصين التي تتحين الفرصة السياسية الإقليمية والدولية المواتية؛ لغزو تايوان كونها تعدها في الأصل مقاطعة صينية وضمها إلى سيادتها الوطنية؛ فالحرب التجارية قائمة بينها وبين الولايات المتحدة وأرضيتها الفعلية السيطرة الاقتصادية على أسواق بلدان العالم الثالث التي غزتها السلع الاستهلاكية الصينية، مما يفقد الخزينة المالية الأمريكية؛ موردًا ماليًا هامًا، كان يساعد في حل أزمات النظام الرأسمالي الإمبريالي الأمريكي، إضافة إلى هذا التنافس التجاري بين بكين وواشنطن، فإن العلاقة السياسية بينهما؛ تشهد الآن توترًا في المجال الأمني؛ بسبب المنضاد الصيني، الذي اخترق الأجواء الأمريكية قبل أيام، مما جعله هدفًا للصاروخ الأمريكي الذي أسقطه... هكذا يتبين من تحت وطأة الأزمة والاضطراب، التي يمر بها العالم أن المصلحة الأمنية القومية هي التي سوف تشكل مواقف الدول في السياسة الدولية مستقبلًا، وقد يتأكد هذا الاستنتاج في الشرق الأوسط وبالخصوص في المنطقة العربية، وذلك فيما لو حققت روسيا الاتحادية كقطب أعظم في السياسة الدولية هدفها من الحرب، في ردع الحكومة اليمينية الأوكرانية الموالية للغرب ومنعها من الانضمام لحلف الناتو، وحيث أن تعاظم فاعليتها ومع حلفائها الجدد على خشبة المسرح السياسي الدولي بعد ذلك، وفي وقت يشهد به العالم تراجع الهيمنة الأمريكية الكونية، فهذا المتغير السياسي النوعي؛ من شأنه أيضًا أن يفتح الطريق لانضمام دول أخرى في العالم الثالث لهذا النظام الدولي الجديد؛ عربية وغيرها؛ معادية للسياسة الأمريكية: كفنزويلا وكوبا في أمريكا اللاتينية وفيتنام والهند و سوريا والعراق في أسيا والجزائر في أفريقيا وهي دول وازنة في العالم، وليمهد هذا الاصطفاف السياسي الدولي الجديد القائم على المصلحة الأمنية القومية؛ بداية محاصرة الدول الرجعية والفاشية والعنصرية الموالية للنظام الرأسمالي الإمبريالي.

