أرسلت منظمة F.A.O للباحث السودان ي محمد عبدلله الريح كتابا باللغة الإنجليزية عن الرئيس البرازيلي لولا داسيلفا (Zero hunger-صفر جوع)، وطلبت ترجمته للغة العربية. يقول الدكتور السوداني عن الرئيس لولا داسيلفا:
عندما تولى رئاسة دولة البرازيل المحطمة قال عنه رجال الأعمال:
هذا سيأخذ أموالنا وسيأمم أرزاقنا.
وقال عنه الفقراء:
هذا سوف يسرق ليعوض الحرمان الذي عاش فيه.
الكتب والمقالات التي تحدثت عن قصة نجاح الرئيس البرازيلي لا تحصى ولا تعد لدرجة أصبحت تدرس في الجامعات وتحولت نظرياته لمراجع تعتمدها الدول الصالحة لإنقاذ شعوبها من الفقر والتبعية، لكن ثمة جوانب منيرة في شخصية هذا الرجل العجيب لم يتعرض لها إلا قليلون ولم تأخذ حظها في أغلب ما دوّن حوله. لقد أخذت أغلب البحوث الجانب الاقتصادي والسياسي في مشروع داسيلفا ولم تتعمق في روحه الإنسانية المتجذرة التي انتبهت للبعد الثقافي في حياة الناس فكان التعليم والثقافة والمرأة والطفل شغله الرئيسي لبناء مجتمع يطمح أن يكون عادلا وسعيدا.
قبل الخوض فيما نريد تفصيله نود أن ننوّه أنه حتى أغلب مثقفي اليسار انخرط في الحديث عن البعد الطبقي والسياسي لمشروع داسيلفا، بل أن بعضه (حتى من رفاقه في حزب العمال البرازيلي) اتهمه بالليبرالية والانحراف عن ماركسيتهم الدغمائية المنغلقة والتي تشبه لحدّ مّا صحف المتدينين والصوفيين.
لم ينتبه حتى رفاقه لبعد نظره واستشرافه المستقبل ووفاءه لمبادئه في العدل والحرية التي من أجلها فكك ماركس بنية رأس المال وفضح جوهره الاستغلالي المعادي للإنسانية. فمن أجل العدل والحرية والسلام، ابتكر التقدميون نظريات وأساليب للمواجهة، ومن أجل تغيير الواقع تبنت الأحزاب الشيوعية والمنظمات الثورية العنف الثوري والصدام النقابي وجمعيات المجتمع المدني، كل حسب اجتهاده وامكانياته. البعض نجح والبعض فشل والبعض انحرف لكن وبإيجاز التغيير وتحطيم القديم ليس هدفا عشوائيا اعتباطيا، بل يستهدف في جديده إعادة بناء حياة الناس ليسعدوا ويعيشوا في سلام وهذا لن يكون إلا بإرساء ثقافة العدل والحرية بروح يساريه عقلانية بعيدا عن الدغمائية والتكلس.
من هنا بدأ لولا داسيلفا مشروعه ووافق مكرها على شروط البنك الدولي الظالمة والتي اشترطها على سلفه الرئيس كاردوسو والمتمثلة في التقشف ودعم الخوصصة والانفتاح (طبعا من شروط البنك الدولي الرئيسية، رفع الدعم عن المواد الأساسية وقد فعلها سلفه وجوع الشعب البرازيلي وعمق فقره وبؤسه).هذه الوصفة التي تسمى باطلا اصلاحا لا زال البنك الدولي يدمر بها اقتصادات دول العالم الثالث إلى اليوم(ملاحظة: هنا اشتد عليه وقع بعض رفاقه في حزب العمال ونعتوه بالليبرالية)، لكن الرجل نقصد داسيلفا كان له رأي آخر وعقله محكوم بديالكتيك عقلاني ينفذ للواقع كما هو وليس كما ورثه من الكتب ويعرف بدقة هدفه الذي يريد دون المرور بالعلامات التي ثبتها من سبقوه وحتموا على كل يساري المرور بها كما يؤدي الراهب طقوس الصلاة.
التقشف:
داسيلفا أمسك التقشف من رأسه (رأس الدولة) وليس من قاعدته (الشعب الفقير) فيقول: "التقشف ليس أن أفقر الجميع، بل هو أن تستغنى الدولة عن كثير من الرفاهيات لدعم الفقراء".
من هنا انطلق في ضبط ميزانية الدولة بالضغط عن كل ما هو رفاهية وظيفيه وأحدث بندا خاصا تحت عنوان الإعانات الاجتماعية المباشرة خصص له 0،5% من الدخل الإجمالي القومي يصرف نقدا للعائلات الفقيرة وقد غطى 11 مليون أسرة، أي قرابة 64 مليون فقير وهذا الدعم لم يكن لإشباع البطون الجائعة فقط، بل كان مشروطا بحماية الطفولة كما سنرى لاحقا وهنا يدخل ذكاء الرجل ورؤيته لمستقبل شعبه، لأن المنحة عنده ليست صدقة أو رشوة.
الخوصصة:
خطة دعم الاستثمار ودفع القطاع الخاص التي اعتمدها داسيلفا ورفاقه كانت في شكل مقايضه:
الدولة تمنح التسهيلات وتمنح الأراضي أو تؤجرها بأثمان مغريه وتخفض فوائض القروض (كانت فوائض القروض 13،5% وقع تخفيضها دفعة واحدة إلى 8،5%).
في المقابل المستثمر يقبل بقانون رفع الضرائب عن الأغنياء وأصحاب الأعمال لدعم ميزانية الدولة ويستثنى منه الفقراء.
وصفة البنك الدولي القاتلة كانت عكس هذا برفع فوائض القروض حتى بلغت 13% ورفع قيمة سندات الدولة وهو ما دفع المستثمر لسحب أمواله من الدورة الاقتصادية الصناعية والفلاحية والخدماتية وتوظيفها في البنوك والسندات، لأنها أكثر ربحية وضمانة (هذا ما تنفذه تونس وبعض الدول الخاضعة لإملاءات الصندوق).
لم تمر السنوات الأولى من خطة داسيلفا إلا وعاد للبرازيل مليون ونصف برازيلي لضخ أموالهم في الدورة الاقتصادية، وجذبوا معهم مليوني مستثمر أجنبي، وكل هذا دون المساس بالقطاع العام الاستراتيجي المملوك للدولة لا بيعا ولا تأجيرا، بل وقع إعادة هيكلته وإصلاحه وأصبح منتجا ومربحا.
الطفل والأسرة:
الطفل في المجتمع البرازيلي مثل دورة مزعجة وخطيرة، حيث ونتيجة الفقر والبطالة وإهمال الدولة يغادر الأطفال مقاعد الدراسة مبكرا لتتلقفهم عصابات الاجرام ويعودوا لأسرهم محترفون للصوصية والعنف وربما الإدمان، تلك كانت الصورة في المجتمع البرازيلي.
هنا يتدخل الرئيس داسيلفا ويشترط في ميزانية دعم الفقراء الذي تحدثنا عنه التزام الأسر المدعومة بتدريس أبناءها وعدم مغادرتهم مقاعد الدراسة وتمكينهم من منحه إضافية لكل تلميذ دون سن 13 سنه مع حد أقصى ثلاث أطفال.
ثمة نقطة سوداء وجريمة خطيره ارتكبها حكام البرازيل وهي الغاء وزارة الثقافة والحاقها بمكتب صغير في الحكومة، استدركها داسيلفا فور توليه السلطة وأعاد وزارة الثقافة ومكنها من ميزانية محترمة.
إذاً جودة التعليم والاحاطة بمرافقه وإعادة وزارة الثقافة وإلزام الأسر وتشجيعهم على معاضدة أطفالهم مكّن الدولة من كسر حلقة الجريمة والأمة وهو عمل رائع بكل المقاييس.
المرأة في فكر داسيلفا:
أروع المشاهد يبدأ شعرا وغزلا رقيقا:
"عندما تمر بجانبي
أشم رائحة عطرك
أقاتل مطارديك
معجبة بك طوال الوقت
اكاد أفقد عقلي
وأنا أتبع خطواتك أينما ذهبت."
(للأسف الترجمة لا تفي بالغرض الفني فيبدو الشعر كسجع سردي)
كان هذا مطلع أغنية للفنانة الشعبية والناشطة في حركة السود مارغريت مينيزس، التي كانت تجوب البرازيل من أقصاها الى أقصاها تغني لحملة داسيلفا الرئاسية.
داسيلفا الذي أحبته المرأة البرازيلية وبلغت نسبة دعمها ومشاركتها 51% من أصوات الناخبين جزاء مواقفه الصلبة في الدفاع عن حقوقها ودورها الاجتماعي والسياسي، وأثبتت مدى تشبعه بمبادئ المساوات والتحرر من الذكورية والفكر الإقطاعي المتخلف.
بعد نيل ثقة الشعب في انتخابات سنة 2002 تصدرت المرأة البرازيلية المشهد السياسي بإحدى عشرة حقيبة وزارية وكان لها دور في نهضة البرازيل وخروجها من المديونية والتبعية لدرجة أصبح لها فائض مالي استنجد به صندوق النقد الدولي واقترض من خزينتها لترميم الاقتصاد الرأسمالي المنهار عقب أزمة الرهن العقاري سنة 2008.
ختاما:
يستحق هذا اليساري الأعجوبة الكتابة عنه والتعريف به لاستلهام تجربته وروحه الثورية، ويستحق مساندته وهو يعاني اليوم في ولايته الثالثة من تآمر الحرس القديم والعصابات المخابراتية، التي بلغ بها الحقد حد اقتحام القصر الجمهوري ومبنى البرلمان، وفي الجبهة الأخرى يقاوم لصوص الرأسمالية لتأميم البنك المركزي البرازيلي وإعادة تسييره من طرف الدولة والحد من استقلاليته التي هي وصفة ومخطط صندوق النقد الدولي لوضع يده على مقدرات البلدان المالية.

