من نافل القول: إنّ المهتمين بالشأن السياسي يجمعون على حقيقةٍ مفادُها: أنّ الوحدة الوطنيّة كانت وما تزال شرطًا أساسيًّا لتحقيق الانتصار في معارك التحرير الوطني والديمقراطي؛ قناعةٌ نظريّةٌ دعمت بتجارب الشّعوب التي حقّقت انتصارها في تلك المعارك في آسيا وإفريقيا وأمريكيا اللاتينيّة.
وفي سياق تجربتنا الفلسطينيّة كان موضوع الوحدة الوطنيّة وما يزال موضوعًا شائكًا تتجاذبه وجهتي نظر، ما بين الادعاء بأن تلك الوحدة قد تحققت بصيغة منظمة التحرير الفلسطينية منذ سيطرت الفصائل الفلسطينية المسلحة عليها في نهاية ستينات القرن الماضي وحتى الآن، وبين من يعتقدون بأن تجربة المنظمة حتى في أوج مراحل التوافق الوطني ما قبل اتفاقيات أوسلو، لم تكن ترقى لمستويات الاستحقاقات العلمية والعملية، سواءً من جهة برنامجها السياسي أو بنيتها التنظيمية الناظمة للعلاقات بين مكوناتها الفصائلية لتصبح تلك الجبهة الوطنية المؤهلة للاستمرار بعملية التحرير، فما بالك بواقعها الحالي؛ إذ حيث أصبحت جسدًا ميتًا في أدراج سلطة أوسلو، بالإضافة للمتغيرات الجذرية التي استجدت على الخارطة الفصائلية الفلسطينية في الثلاثين سنة الماضية.
إنّ أي مراجعةٍ وطنيّةٍ نقديّةٍ صادقةٍ تفرضها حجم التضحيات التي قدمها شعبنا وما يزال على طريق إنجاز حقوقه الوطنية الثابتة، في التحرير والعودة وتقرير المصير لن يكون نتاجها إلا الإقرار بأن م.ت.ف، لم تكن في يومٍ من الأيام بنيةً مكتملةً سياسيًّا أو تنظيميًّا لصيغة الجبهة الوطنية المنشودة، إنما مثّلت حالة تعايشٍ وطنيٍّ ليس إلا، يحكمها قانون قل ما تشاء وأنا أفعل ما أشاء، فرضه الفصيل المسيطر على مؤسساتها بالسبل كافةً، سواءً من خلال المشاهد الاحتفالية لجلسات المجلس الوطني الفلسطيني، أو تغذية الانشقاقات الفصائليّة بحكم التحكّم في الصندوق القومي وشعار القرار الوطني المستقل وصولًا حتى لاستباحة الدم الفلسطيني في مراحل عدة، امتدّت من معارك البداوي في بداية سبعينات القرن الماضي، وصولًا لمذابح غزة عام ٢٠٠٦ وما تلاه.
ورغم ذلك التاريخ المأساوي لـ م. ت. ف مؤسّسة، إلا أن تضحيات شعبنا ونضاله أمّن لها انتزاع اعتراف الدول العربية أوّلًا، ثم دول العالم بوحدانية ومشروعية تمثيلها لشعبنا، والمصيبة الوطنية، أن ذلك الإنجاز التاريخي، قد استغلّته القيادةُ المتنفذة فيها بأبشع الصور، ليس فقط بشرعنة سلسلة التنازلات السياسية بخصوص حقوق شعبنا الثابتة، وفرض تغييراتٍ بنيويةٍ طالت كلّ مؤسسات المنظمة بما يتوافق مع تلك التوجهات، إنما أيضًا سلط إنجاز شعبنا ذلك سيفًا غلى رقاب القوى التي عارضت تلك التوجهات ليقينها بأنها مهما أوصلت م.ت.ف ومؤسساتها للحضيض، فإن تلك القوى ومن واقع فهمها وإيمانها بأن الاعتراف بالمنظمة ممثلًا شرعيًّا وحيدًا لشعبنا هو حاصل تضحيات وعذابات شعبنا، ومن ثَمَّ فإنها لن تضرب ذلك المنجز؛ إذ إنه لم يتحقق بفعل -شطارة- القيادة المتنفذة.
وهذا يقودنا للمعضلة التي لا بد من التصدي لها، وهي: كيف للقوى والفصائل الفلسطينية الفاعلة والمقاومة وللشخصيات والأطر الجماهيرية والنقابية على امتداد فلسطين التاريخية ودول اللجوء أن تبني الجبهة الوطنية المنشودة كإحدى أهم اشتراطات الانتصار في ظل تلك الوقائع التاريخية والآنية؟
لقد حاول الكل الوطني بشكلٍ فرديٍّ وجمعيٍّ الإجابة على ذلك التساؤل من خلال مجمل الاتفاقيات المكررة، التي كان آخرها في الجزائر، حيث تفاوتت الأجوبة على قاعدة شعارات إعادة بناء أو إصلاح أو تفعيل المنظمة، التي لم ولن ينفذ أي منها وذلك بحكم الوقائع العنيدة على الأرض سواء سياسية كانت، أم اجتماعية واقتصادية.
ورغم ذلك، فإن شعبنا وكعادته، ومن خلال مسيرة إبداعاته النضالية والجماهيرية قد أجاب عمليًّا على تلك المسألة المستعصية تاريخيًّا على أرض حواري وأزقة البلدة القديمة في نابلس.
إنّ المتتبّع والمطلّ على تجربة عرين الأسود في كلّ جوانبها، التي ما زالت تتطوّر وتتمدّد، فإنّها وفي جانبها التنظيمي والبرامجي بما له علاقة بموضوعنا، فإنها مثلت وبالفعل تلك الجبهة الوطنية المقاومة التي طال انتظار إنجازها، والتي تتطلب البناء عليها وتطويرها وتعميمها.
ليس سرًّا أن الأعضاء المنتمين لعرين الأسود تنوّعت جذور قناعاتهم الفصائليّة - ولا أقول انتماءاتهم، وإن كان البعض يستقصد خلع تلك القناعات وكأن أولئك المناضلين قد خلقوا وبلوروا قناعاتهم السياسية والفصائلية من الفراغ، وليس من رحم التاريخ الفصائلي المقاوم في فلسطين ودول اللجوء. إن عرين الأسود ببنيته التنظيمية وبخلفياته الفصائلية قد جسد فعلًا وعلى أرض المعركة، جبهةً وطنيةً تمتلك كل مقومات وشروط بنائها ونجاحها برامجيًّا، سياسيًّا وتنظيميًّا.
إنّ محدودية البيانات السياسية التي صدرت حتى الآن من العرين، لا يلغي حقيقة وضوح الموقف السياسي لهم كشمس تموز، ومختصره مقاومة الكيان بالكفاح المسلح وإن تباينت الامكانيات التي لا تذكر مع الكيان. أما في الجانب التنظيمي، فمن الواضح أن هناك قيادة مشتركه للعرين على قاعدة القيادة الجماعية الديمقراطية، دون إعطائها أي لونٍ فصائليٍّ معيّن، بل على العكس من ذلك، ذوبان الخلفية الفصائلية لصالح الوحدة على أرضية البرنامج السياسي والنضالي للعرين.
إنّ العرين بتجربته هذه قد اكتسب المشروعية الجماهيرية التي تجلت بأروع صورها عندما هبت الجماهير ليس من نابلس فقط، وإنما من بقية المدن والقرى الفلسطينية المجاورة بالتدفق على البلدة القديمة تصدّيًا لمحاولات الكيان وعصاباته المسلّحة باقتحام حي القصبة بكل إمكانياتهم.
العرين هو الجبهة الوطنية الديمقراطية التي عجزت الفصائل عن بنائها. إنّ الإقرار بذلك يستدعي تأمين الحماية السياسية من قبل الفصائل المقاومة لها، وبتبني خطابها المقاوم واستلهام تجربتها التنظيمية لتعميمها في فلسطين ودول اللجوء.

