في تزامن يثير الشبهات، يعلن الرئيس التركي أردوغان بلا تردد أو مواربة مدى حاجة بلاده إلى إسرائيل وإلى التطبيع معها، وفي نفس الوقت يعلن وزير الخارجية السعودية عادل الجبير عن اتفاق بين بلاده وتركيا لإنشاء مجلس تعاون استراتيجي بين البلدين في كافة المجالات الأمنية والعسكرية والسياسية الاقتصادية.
هنا، نحن لسنا أمام مسارين، سعودي- تركي، وتركي- إسرائيلي، بقدر ما نحن أمام مسار واحد يؤدي إلى تحالف معلن جديد يضاف إلى قائمة التحالفات المتقاطعة في منطقتنا العربية والإقليمية، والجديد بهذا الشأن، وبهذا التحالف السعودي- التركي-الإسرائيلي أنه تجاوز التكهنات والتحليلات إلى الواقع، الذي لم يتردد أصحابه البوح به علناً بعدما كان مجرد إشارات هنا وهناك.
لكل طرف من أطراف هذا المثلث المشبوه، أسبابه للدخول في هذا الحلف، فبعد تسلم الملك سلمان الحكم في السعودية، أجرى سلسلة من الإجراءات والسياسات التي اعتبرت انقلاباً ملكياً على سياسات الملك السابق، وطموح مشبوه في أن تقود السعودية المنطقة العربية في إطار مذهبي سني، باعتبار أن الملك السابق، هادن ما أسماه التدخل الإيراني الشيعي في اليمن، وذلك عندما تباطأ، أو تجاهل الملك السابق، سيطرة الحوثيين الشيعة على معظم مناطق اليمن، حاول الملك سلمان أن يترأس تحالفاً عربياً إقليمياً، في مواجهة مع إيران لدرجة الأولى، غير أنه أخفق في ذلك عندما ترددت مصر الناحية العملية، ورفضته باكستان بشكل علني، بينما ظلت تركيا أردوغان، تدرس الأمر على خلفية العلاقات الهشة مع إيران كدولة جارة وهي غير معنية في ظل تقاطعات مختلفة على خلفية الوضع المتفجر في سوريا، لكن فشل التحالف الذي قادته ولا تزال السعودية، وأطلقت عليه التحالف العربي تحقيق مهمته في اليمن، لذا باتت الاستعانة بإسرائيل وتركيا، وبشكل معلن هذه المرة أمراً لابد منه لإشباع طموحات الملك السعودي في قيادة و ريادة المنطقة، من خلال تحقيق مكاسب وانتصارات في كل من سوريا واليمن على وجه التحديد.
أما الشريك التركي، فإن فشله في تنفيذ مشروعه بإضافة منطقة عازلة، أو منطقة حظر جوي على الأراضي السورية المحاذية لحدود بلاده لمزيد من التدخل في سوريا، كان سبباً كافياً لإقامة تحالف استراتيجي مع إسرائيل، بشكل معلن أكثر من أي وقت مضى، وزاد من هذا التوجه الإجراءات السياسية والأمنية والاقتصادية الذي اتخذتها روسيا ضد تركيا و إسقاط الطائرة الروسية وبروز مسألة تزويد تركيا بالغاز الإٍسرائيلي بديلاً عن الغاز الروسي.
في حين أن التعاون "المستمر" بين تركيا والسعودية على خلفية دعم قوى الإرهاب المختلفة على الأراضي السورية والعراقية وحسابات المواجهة مع إيران في إطار الحرب الذي اتخذت طابعاً مذهبياً وطائفياً، هذا التعاون يجب أن يتوج بعلاقات استراتيجية كما قال وزير الخارجية السعودي.
الزاوية الإسرائيلية في هذا المثلث المريب هي الأكثر وضوحاً وتبرز إسرائيل كأكثر المستفيدين من هذا التحالف وقدرتها على أن تلعب دوراً ريادياً فيه، وهذا ليس مجالاً للشك، بحكم امتلاكها كل الأسباب والوسائل لدعم هذا التحالف وأهدافه التي تتقاطع كلياً مع مصالح كل من تركيا والسعودية، وذلك بالانتقال من دعم مشترك لقوى الإرهاب في المنطقة العربية، إلى تحالف محدد الأهداف يسهل لإسرائيل المزيد من اختراقات على المستويات العربية والإقليمية.
مثل هذا التحالف تجاوز في الواقع مسألة التطبيع إلى هيكل أمني وسياسي محدد الملامح والأهداف، خاصة وأن التعامل مع هذا الهيكل لم يعد افتراضياً بقدر ما هو واقع ملموس على الأراضي، وهنا تكمن الخطورة!!

