منذ سنوات عادت مصر للتوسع المنفلت في الديون الخارجية رغم أعبائها الجسيمة على الاقتصاد والقرار الوطني إضافة للديون المحلية. وقد ارتفعت ديون مصر الخارجية من 46.1 مليار دولار في 2014 إلي 108.7 مليار دولار في 2019 ثم وصلت الي 155.7 مليار دولار في سبتمبر2022 (4.6 تريليون جنيه). ولا يوجد إعلان عن القروض الجديدة خلال الست شهور الأخيرة، كما لا نعرف شيء عن القروض التي تتم لصالح بعض جهات الدولة بضمان الحكومة ووزارة المالية.
يوجد فرق بين قروض صندوق النقد الدولي وقروض البنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية وكلهم أذرع للسيطرة على الاقتصاد الرأسمالي العالمي. لكن الصندوق يهتم بالسياسات النقدية والمالية وإطلاق حرية الأسواق والقطاع الخاص وبيع الأصول وانسحاب الدولة من النشاط الاقتصادي وتسعير المرافق والخدمات بالتكلفة الفعلية وتخفيض قيمة العملة، بينما يتولى البنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية تمويل المشروعات التي تتوافق مع سياسات صندوق النقد الدولي.
منذ تراجعت أهمية الزراعة والصناعة وبدأ الاعتماد على الاستيراد من الخارج والتنمية بالمقاولات والعقار والسياحة مع خلل النظام الضريبي وفقدان العدالة الضريبية، كان الاعتماد على الديون المحلية والخارجية هو الحل لسد فجوة الموارد خاصة في ظل معدلات الادخار المنخفض.
ديون مصر من الصندوق
ينص دستور 2014 في المادة (127) على ما يلي: "لا يجوز للسلطة التنفيذية الاقتراض، أو الحصول على تمويل، أو الارتباط بمشروع غير مدرج في الموازنة العامة المعتمدة يترتب عليه إنفاق مبالغ من الخزانة العامة للدولة لمدة مقبلة، إلا بعد موافقة مجلس النواب".
عام 2016 عقدت مصر اتفاق مع صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار وقدمت مصر إقرار كتابي يسمي "خطاب النوايا" بالإجراءات التي تلتزم بها مصر لتنفيذ سياسات وتوصيات الصندوق ووقع الخطاب في 7 نوفمبر 2016 من وزير المالية وقتها عمرو الجارحي ومحافظ البنك المركزي طارق عامر، وهو تعهد من أعلى سلطة مالية ونقدية بتنفيذ توصيات وتوجيهات الصندوق والإجراءات التي سيتم تنفيذها خلال مدة القرض ومنها قوانين المعاشات والتأمين الصحي والقيمة المضافة والخدمة المدنية. ورغم أن الاتفاق تم في 2016 إلا أنه لم ينشر في الجريدة الرسمية إلا في عام 2018 وبعد سنتين من بدء التنفيذ، حيث صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 108 لسنة 2017 بشأن الموافقة على "اتفاق تسهيل الصندوق الممدد" بين جمهورية مصر العربية وصندوق النقد الدولي الذي اعتمده مجلس إدارة الصندوق بتاريخ 11/11/2016. وقد نشر القرار وخطاب النوايا والملاحق في الجريدة الرسمية العدد 7 الصادر في 15 فبراير 2018. ويهمنا التركيز على التواريخ.
تم توقيع الاتفاق وخطاب النوايا في 2016، ووافق عليه مجلس إدارة الصندوق في 2016، وبدء صرف الدفعات وإجراء المراجعة الدورية على السياسات المالية والنقدية، منذ ذلك التاريخ، لكن قرار رئيس الجمهورية صدر في 2017 وكل من الاتفاق وخطاب النوايا وقرار رئيس الجمهورية لم يتم نشرهم إلا في عام 2018!
كانت الديون في عهد الخديوي سعيد 11 مليون جنيه، وارتفعت في عهد الخديوي إسماعيل إلى 126 مليون جنيه وخاف الدائنين من تعثر مصر عن السداد، فتشكل صندوق الدين وفرضت الرقابة الثنائية علي المالية المصرية، فأصبحت مصر لا تستطيع الانفاق والصرف إلآ بموافقة المراقبين الانجليزي والفرنسي. ومنذ سنوات لدينا بعثة مقيمة لصندوق النقد الدولي في مصر وبعثة للبنك الدولي لمراقبة المالية المصرية وضمان توافر الموارد لسداد الديون ثم الاستدانة لسداد الفوائد والأقساط وبيع الأصول لتوفير الدولارات اللازمة لسداد الأقساط والفوائد في ميعاد استحقاقها.
نفذت مصر العديد من طلبات الصندوق، ولكن الأزمة استمرت وزادت حدتها، في قرض 2016 وصل التضخم إلى 35%، ولكن مع إبرام قرض جديد مع الصندوق بقيمة 3 مليار دولار في نوفمبر 2022، ارتفع التضخم ووصل الي 32% وفق تقديرات التعبئة والإحصاء وتجاوز 40% وفق تقديرات البنك المركزي.
القرض الأول في 2016 كانت قيمته 12 مليار دولار، ولكن في القرض الثاني 2022، وللمزيد من الضغط علي الحكومة رفض البنك منح 12 أو 6 مليار واكتفى بمنح قرض بقيمة 3 مليار دولار على دفعات خلال 46 شهرا (أربع سنوات)، على أن يتم الصرف كشرائح، قيمة الشريحة 347 مليون دولار ( 10.5 مليار جنيه)، وبذلك أصبحت مصر ثاني أكبر دولة مدينة للصندوق في العالم بعد الأرجنتين، وتعهد الصندوق أن القرض الجديد يحفز تمويل إضافي يصل إلى 14 مليار دولار.
قدر الصندوق احتياجات مصر حتى نهاية عام 2023 بنحو 41 مليار دولار (1,230 مليار جنيه) لتغطية عجز الحساب الجاري وتغطية مدفوعات الديون.
باشتداد حدة الأزمة التي تعيشها مصر ارتفعت قيمة الواردات المتراكمة والمطلوب الإفراج عنها من 2.5 مليار دولار في يناير 2023 إلى 4 مليار دولار (120 مليار جنيه) في منتصف مارس، وفقاً لسيتي جروب. وتزيد حدة الأزمة مع ضعف الإنتاج الزراعي والصناعي وضعف الصادرات السلعية وزيادة الواردات والاعتماد على الخارج وإنفاق الديون على مشروعات طرق وكباري ومقاولات وعقار لا تحقق العوائد اللازمة لسداد الأقساط والفوائد في موعدها، وتزايد الحاجة لاستيراد السلع الغذائية الضرورية، مما يزيد أزمة المديونية وارتفاع الأسعار ويفاقم معدلات الفقر والجوع في مصر التي تبني أعلى منبر وأكبر نجفة في العالم ولا تملك ثمن غذائها الضروري.
تضاعفت نسبة ديون مصر الخارجية إلى الصادرات المصرية من 212٪ في العام المالي 2016/2017 إلى 259٪ و306٪ خلال السنتين الماليتين الماضيتين على التوالي. هذا ليس فقط بسبب القفزات الهائلة في أرقام الديون الخارجية، ولكن أيضاً لعدم القدرة على زيادة الصادرات مقارنة بالزيادات في الناتج المحلي الإجمالي، الأمر الذي يؤكد ليس فقط ضعف القطاعات الإنتاجية المصرية، ولكن أيضاً عدم قدرتها على اختراق الأسواق الدولية. وكما وعد الصندوق مصر بتمويل من الشركاء يصل إلى 14 مليار دولار تم الإعلان عن اتفاق شراكة جديد بين مصر والبنك الدولي للإنشاء والتعمير ومؤسسة التمويل الدولية بقيمة 7 مليار دولار (210 مليار جنيه) بين عامي 2023 و 2027 منهم 5 مليار مع البنك الدولي و2 مليار من مؤسسة التمويل الدولية.
اتفاق الشراكة مع البنك الدولي
ربما ظن البعض أن اتفاق الشراكة الذي وقعته مصر منذ يومين مع البنك الدولي هو الأول من نوعه. لكن طول الوقت يوقع البنك اتفاقات شراكة استراتيجية مع مصر منها اتفاق الشراكة 2015-2019، والذي بلغت قيمته 6 مليار دولار. وقد شملت الاستراتيجية المشروعات التالية:
- برنامج التمويل العقاري الشامل (تمويل البرامج وفقا للنتائج).
- مشروع توصيل الغاز إلى المنازل (تمويل البرامج وفقا للنتائج).
- مشروع دعم شبكات الأمان الاجتماعي.
- خدمات الصرف الصحي المستدامة بالمناطق الريفية (تمويل البرامج وفقا للنتائج).
- تكافؤ الفرص وتبسيط بيئة الاستثمار (EASE ).
- مشروع التنمية المحلية في صعيد مصر.
- تثبيت أوضاع المالية العامة، والطاقة المستدامة، وزيادة القدرة التنافسية (تمويل سياسات التنمية).
- برنامج التنمية الزراعية المتكاملة في صعيد مصر.
- مشروع تحديث التعليم والمهارات.
أما آخر اتفاق فهو لمدة خمس سنوات 2023-2027 وبقيمة 5 مليار دولار بواقع مليار دولار سنوياً و2 مليار دولار من مؤسسة التمويل الدولية بواقع 400 مليون دولار سنوياً. وقد قالت الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التعاون الدولي ومحافظ مصر لدى مجموعة البنك الدولي، "يؤسس إطار الشراكة الاستراتيجية بين جمهورية مصر العربية ومجموعة البنك الدولي 2023-2027، لمرحلة جديدة من التعاون الإنمائي والعمل المشترك، من أجل دعم جهود تحقيق النمو الشامل والمستدام، مرتكزاً على الأولويات الوطنية في مختلفة القطاعات ورؤية التنمية 2030، وكذا المبادرات الرئاسية. من خلال شراكتنا الممتدة مع مجموعة البنك الدولي سيتم العمل على مدار الخمس سنوات المقبلة على تحفيز دور القطاع الخاص في التنمية لخلق المزيد من فرص العمل وتهيئة بيئة الاستثمار، وزيادة الاستثمار في رأس المال البشري، وتعزيز العمل المناخي، بما يحقق التعافي الشامل والنمو المستدام".
أما مارينا ويس المديرة الإقليمية بالبنك الدولي في مصر و اليمن وجيبوتي، فقالت أن "البنك يرغب في إحراز الحكومة المصرية تقدماً في إيجاد بيئة عمل ممكنة للقطاع الخاص واستثماراته، وتكوين واستحداث فرص عمل، وإفساح المجال أمام القطاع الخاص للمنافسة العادلة، بالإضافة إلى وجود تحسن في الرعاية الصحية والتعليم، وتقديم هذه الخدمات بطريقة شاملة للجميع".
بينما قال شيخ عمر سيلا، المدير الإقليمي لمنطقة شمال أفريقيا والقرن الأفريقي بمؤسسة التمويل الدولية تعقيباً على الاتفاق، "يلعب القطاع الخاص دورا بالغ الأهمية دعما للتنمية وتطوير اقتصاد أخضر قادر على الصمود وشامل للجميع. ويوضح إطار الشراكة الإستراتيجية أن نمو القطاع الخاص يعني خلق فرص عمل أكثر وأفضل، مما يساعد الناس على تحقيق حياة أفضل وكريمة".
وتسعى الإستراتيجية الجديدة إلى تحقيق ثلاث أهداف رئيسية:
1. زيادة فرص العمل في القطاع الخاص وتحسينها: من خلال تهيئة بيئة داعمة للاستثمارات التي يقودها القطاع الخاص وخلق فرص عمل، فضلا عن السعي نحو تكافؤ الفرص أمام القطاع الخاص.
2. تعزيز نواتج رأس المال البشري: من خلال مساندة تقديم خدمات صحية وتعليمية أفضل وتشمل الجميع، فضلا عن برامج الحماية الاجتماعية الفعالة.
3. تحسين القدرة على الصمود في وجه الصدمات: من خلال دعم إدارة الاقتصاد الكلي، وتدابير التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره.
وبحسب جدول سداد الدين الخارجي متوسط وطويل الأجل يتعين على مصر سداد 8.32 مليار دولار حتى نهاية يونيو 2023، وفي 2024 يجب سداد 10.9 مليار دولار في النصف الأول و13.3 مليار دولار في النصف الثاني من العام. وخلال عام 2025 يجب سداد 9.3 مليار دولار في النصف الأول و5.8 مليار دولار في النصف الثاني من العام، أما في عام 2026 فيتعين سداد 6.6 مليار دولار خلال النصف الأول من العام بخلاف 10.2 مليار دولار خلال النصف الثاني. لذلك تحرص الحكومة على توفير الموارد اللازمة لسداد الفوائد والأقساط وعدم التعثر أو التأخير في السداد.
ويتضح من اتفاق الشراكة الجديد مع البنك الدولي ومؤسسة التنمية الدولية أن أساس الاتفاق هو دعم القطاع الخاص وزيادة دوره ومشاركته، خاصة في مجالي التعليم والصحة، وباعتباره القطاع القادر على خلق فرص عمل.
وتستمر مصر تغوص في دوامة الديون وتخضع لشروط المقرضين وأجنداتهم، فتبيع الأصول وتنسحب من النشاط الاقتصادي وتخفض قيمة الجنيه أمام الدولار وتنسحب من التعليم والصحة أمام القطاع الخاص، وتستمر في الاستدانة والاستيراد لتتعمق تبعية الاقتصاد المصري للخارج والاعتماد على الخارج في توفير الاحتياجات التمويلية من ناحية وتغطية عجز الميزان التجاري وفاتورة الواردات من ناحية أخري. ولا يوجد نية أو تفكير في العودة عن هذه السياسات والعودة للتنمية في الزراعة والصناعة وتوفير السلع الأساسية وتقليل الاعتماد على الخارج، فتزيد التبعية والإفقار المطلق للشعب المصري الذي يفقد موارده وأصوله المنتجة، وفي نفس الوقت يتم إنفاق الكثير من هذه القروض على مشروعات غير ضرورية وغير ملحة وفي غيبة كاملة للرقابة على القروض. لذلك فإن اتفاق الشراكة الجديد مع البنك الدولي هو خطوة جديدة على طريق الديون والإفقار والتبعية.

