كان يوم الأرض الفلسطيني الذي تصادف في هذه الأيام ذكراه السابعة والأربعين شكل معلماً بارزاً في مسيرة النضال الوطني الفلسطيني ضد مشروع الاغتصاب والتهويد، فإن المشهد الفلسطيني المفتوح منذ ذلك الوقت، يبين أن كل الأيام الفلسطينية أيام أرض، غير أن يوم الأرض في الذاكرة الوطنية الفلسطينية هو أبرز الأيام، بل ملكها، لأنه يمتد طوله وعمره إلى أكثر من قرن من الزمن ومن الصراع مع المشروع الصهيوني على الأرض، وهو ليس مجرد مُناسبة وطنية عادية، وليس عيداً وطنياً للجماهير العربية الفلسطينية في فلسطين المحتلة 48 فقط، إنما يعتبره أهلنا يوماً نضالياً كفاحياً وحدوياً يتجاوز الرمزية، خصوصاً في وجه سياسة المؤسسة الإسرائيلية الاحتلالية التي تستهدف وجود وحقوق الشعب العربي الفلسطيني القومية منها والمدنية، فوفق معطيات ووقائع ما يجري على أرض فلسطين، فإن دولة الاحتلال ليس فقط لم تتوقف عن مشاريع المصادرة والتهويد ضد الأرض والمكان العربي الفلسطيني، بل صعدت من هجومها وحربها الشاملة على أهلنا هناك، بهدف الاجهاز استراتيجياً على القضية تاريخياً وجغرافياً وتراثياً.
وما بين يوم الأرض قبل سبعة وأربعين عاماً، والمشهد الراهن اليوم في أنحاء فلسطين، تؤكد التقارير الواردة تباعاً: أن الاحتلال الإسرائيلي بات يتحكم بأكثر من ـ85 في المئة من أرض فلسطين التاريخية بعد أن سلب مئات آلاف الدونمات من أراضي عام 1967 ليقيم عليها أكثر من 500 مستوطنة وبؤرة استيطانية، وكشفت صحيفة «هآرتس» عن اعتراف "الإدارة المدنية" في جيش الاحتلال بأنه منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، صادرت سلطات الاحتلال حوالى نصف الأراضي المعرّفة "أراضي دولة" لتقيم عليها المستوطنات، بينما سُمح للفلسطينيين باستغلال 0.7 في المئة منها، أي فقط 8600 دونم من مجموع مليون و300 ألف دونم، وهي المساحة الإجمالية لـ"أراضي الدولة "مقابل 37% أي ما يعادل 400 الف دونم لغرض إقامة المستوطنات، في حين لا يتوقف البلدوزر الصهيوني عن التجريف والتهديم والتخريب والاقتلاع امتداداً من قرية العراقيب النقبية مروراً بيطا الخليلية وصولاً إلى طانا وأخواتها في شمال الضفة الغربية.
تربط دولة الاحتلال ربطاً وثيقاً ما بين الجغرافيا والديمغرافيا في صراعها مع الوجود العربي هناك، فعملت من جهة على "عبرنة" و"تهويد" الجغرافيا ومصادرة الأرض، وعملت وما تزال من جهة ثانية على محاصرة السكان وإلغاء حقوقهم ومقومات وجودهم ودورهم، فكانت عملياً حرباً إسرائيلية شاملة على الوجود العربي، في الوقت الذي يواصل أهلنا هناك مسيرة صمود وبقاء أسطورية، توجت بانتفاضة يوم الأرض في الثلاثين من آذار1976، وتواصلت عبر سلسلة أخرى من الهبات والانتفاضات الشعبية في وجه حملات السطو على الارض.
وفي إطار الحرب التهويدية للجغرافيا الفلسطينية، كان الدكتور شكري عراف ابن قرية معليا في الجليل قد وثق في كتاب له "أن الحركة الصهيونية تواصل منذ نحو 120 سنة، وتواصل "إسرائيل" من بعدها "عبرنة" أكثر من ثمانية آلاف اسم لمواقع جغرافية فلسطينية، منها نحو 5000 موقع جغرافي وبضع مئات من الأسماء التاريخية"، ويؤكد الكتاب الذي حمل عنوان: "المواقع الجغرافية في فلسطين - الأسماء العربية والتسميات العبرية" "أن نحو 50 اسما عبرياً فقط، كانت موجودة في فلسطين التاريخية قبل غزو الصهيونية لها، بينما قامت الحركة الصهيونية "و"إسرائيل" بـ "عبرنة" حوالي 90% من المواقع الجغرافية الفلسطينية".
ولذلك نوثق دائماً: أن الأرض تبقى عنوان القضية والصراع والمستقبل، هكذا كانت منذ البدايات الأولى للصراع العربي/الفلسطيني - الصهيوني على أرض فلسطين، وهكذا استمرت وبقيت العنوان العريض والكبير والاستراتيجي لكل ما يجري هناك من حروب وصراعات وصدامات ومواجهات لم تتوقف على مدى أكثر من قرن من الزمن.
فمعركة الأرض حملت معها دائماً كل العناوين الأخرى، وكل العناصر والأبعاد الأخرى، المتعلقة بالعقيدة والهوية والانتماء والتاريخ والحضارة والجغرافيا ومستقبل الشعب العربي الفلسطيني ومستقبل الأمة في العمق والأفق الاستراتيجي، ذلك أن دولة الاحتلال الإسرائيلي تشكل بلا شك خنجراً مغروزاً في خاصرة الأمة إلى حين.
ولذلك وأمام هذه المعطيات المرعبة، فإن إحياء ذكرى يوم الأرض يكتسب أهمية خاصة متميزة في الذاكرة الوطنية الفلسطينية تنطوي على جملة من الدلالات الوطنية، إذ تأتي في هذه المرحلة الحرجة الحساسة الأكثر خطورة في سجل الصراع العربي - الإسرائيلي، حيث يصل الصراع على الأرض إلى ذروة جديدة. فرغم أننا اليوم بعد نحو خمسة وسبعين عاماً على النكبة، إلا أن مخططات وإجراءات الاحتلال الرامية إلى مصادرة وتهويد وابتلاع الأرض مستمرة لم تتوقف، فها هي معارك في مواجهة المستعمرات والحواجز والجدران ومعسكرات الاعتقال وكل المواقع الفلسطينية الأخرى في أنحاء القدس والضفة، إضافة إلى الجليل والمثلث والنقب، توقظ المشاعر والنفوس وتفتح من جديد الصراع على الأرض على أوسع نطاق بعد أن غفل ونام الكثيرون معتقدين أن للاحتلال مصداقية ونوايا حسنة وتوجهات عملية لمصالحة تاريخية.
هكذا ستستمر الأوضاع مستقبلاً أيضاً، فنحن أمام صراع استراتيجي على الأرض والوجود والهوية والمستقبل، فهم -أي الصهاينة- يشنون حروباً لا هوادة فيها ضد الوجود العربي هناك، بينما يواصل أصحاب الوطن والأرض والتاريخ صمودهم التاريخي يسجلون في كل يوم "يوم أرض جديد".

