ما شاهدناه من خطوات ملموسة منذ تسلم حكومة نتنياهو الجديدة مهامها يدل وبالملموس أننا أمام خطوات تندرج في إطار مخطط حكومي، يهدف لتحقيق هدف طالما المشروع الصهيوني أكد عليه، وهو مشروع تفريغ الأراضي والقرى والمدن الفلسطينية من سكانها الأصليين أي من الشعب الفلسطيني.
مكونات الحكومة العنصرية المتطرفة والفاشية خاصة ائتلاف كل من إتمار بن غافير رئيس حزب الجبهة الوطنية اليهودية وزعيم حزب الصهيونية الدينية سموتريتش، يدل على ما ذهبنا إليه، وقد توافق الاثنان على تشكيل ائتلاف انتخاب بينهما وخاضا آخر انتخابات تشريعية به وحصلوا على عدد من النواب، جعل مشاركتهم بحكومة نتنياهو ضرورية لتشكيله حكومته الأخيرة، ويطلق على هذا الائتلاف الجبهة الوطنية.
في الائتلاف الحكومي الجديد نحن أمام مقاربة جديدة قديمة، لأنه تم تجربتها خلال حرب عام 1948، وتتمثل بتفريغ قرى كاملة من سكانها عبر ممارسات إرهابية تهدف لترويع السكان الفلسطينيين ودفعهم للخروج من البلاد، كم من مجزرة وهي بالعشرات ارتكبت خلال تلك المعارك وأدت كما نعرف لإجبار وإرغام مئات الآلاف من الفلسطينيين للمغادرة لمناطق أخرى داخل فلسطين لم يتم احتلالها أو لدول عربية مجاورة مثل لبنان وسوريا والأردن.
نحن الآن أمام حكومة تؤمن بوضع سيناريو التهجير على جدول أعمالها وبناء آليات عملية لتحقيقه يساعدها في ذلك أن جزء من مكونات الحكومة الجديدة، أحزاب تؤمن بأن إرغام الفلسطينيين على المغادرة لا يتم إلا بالعنف والقتل والحرق وتكرار هذه الممارسات بشكل مستمر ويومي حتى يصل الفلسطينيين للاستنتاج أنه لا يمكن العيش في هذه البلاد.
حزب بن غافير وحزب سموتريتش بدؤوا بالعمل وبناء هذه الآليات بموافقة رئيس الحكومة نتنياهو،
بناء مليشيات مسلحة من قبلهم هو الآلية التي يعهد إليها لتحقيق ذلك، عبر بث جو من الترهيب والترعيب بأوساط المدنيين الفلسطينيين، وقامت الحكومة الجديدة بالموافقة على قانون حق اليهود بحمل السلاح والتسلح للتصدي للفلسطينيين، هذا القرار هو تشريع حكومي رسمي لبناء مليشيات مسلحة لها مرجعيات وهم وزراء في الحكومة الإسرائيلية الجديدة وهما بن غافير وسموتريتش، أي وزراء رئيسيين وصلوا لمواقع وتحت أيديهم قوة القرار بالإضافة لتحريك عشرات الآلاف من المسلحين المتطرفين، هذه المليشيات مثل الحرس القومي في مناطق 1948 لا تخضع لمؤسسات الدولة الأمنية، أي أنها بجانب وبمعزل عن الجيش الاسرائيلي ومستقلة عن قوى الأمن الأخرى، وهنا نفهم مشاركة العشرات من الجنرالات وكبار الضباط في مختلف المظاهرات التي خرجت منددة ورافضة لهكذا إجراءات، مثل إنشاء مليشيات المسلحة، وكذلك تشريعات قانونية الجديدة، والتي وإن مرت ستحدث انقلابا على عمل المؤسسات الصهيونية الأمنية والقانونية .
حسب الكثير من العارفين بالواقع الإسرائيلي، هناك هدف تفريغ مناطق مأهولة بالسكان في الداخل الفلسطيني، أي في مناطق 48، والخطة تهدف لتهجير وإبعاد الآلاف من سكان النقب من الفلسطينيتين كبداية لمسلسل طويل سيطال مناطق أخرى، خاصة في الشمال ومنطقة المثلث تحت حجج مثل تنمية المنطقة المستهدفة، وفي إطار هذا المخطط ستستعمل القوة والعنف لتحقيق ذلك وستقوم العصابات المسلحة بارتكاب المجازر لترهيب الفلسطينيين حتى يتركوا تلك الأراضي بالقوة.
بعد ذلك يتم الانتقال لمناطق فلسطينية أخرى وبالتدريج، ألم يقول المتطرف سموتريتش في تصريح له بأننا على جاهزية لمساعدة خروج الفلسطينيين للخارج شرط عدم العودة، وهذا من خلال علاقات إسرائيل الجيدة بدول أخرى مثل الولايات المتحدة ودول أوروبا واستراليا وغيرها من الدول.
وهناك سيناريو آخر يشرف عليه الفاشي إتمار بن غافير ومرتبط بالضفة الغربية، وهو سيناريو مرتبط بدور المستوطنين داخل المستوطنات المقامة على أراضي الضفة، هذا السيناريو رأيناه في قرية حوارة، وهي محاولة ستتكرر إذا لم يتم منع هذه الحكومة من الاستمرار بمخططاتها. ما جرى في قرية حوارة من دخول لمئات المستوطنين المسلحين يواكبهم عشرات من أفراد الجيش الإسرائيلي بسلاحهم وقيام المستوطنين بحرق البيوت والممتلكات وجرح وقتل لسكان القرية، كانت هذه الممارسة مجرد بروفة لما سيلحق بقرى فلسطينية أخرى، سيما وأن المستوطنات مقامة في كافة مناطق الضفة الغربية.
هذا المخطط الهادف لإجلاء الفلسطينيين من قراهم وأراضيهم ومدنهم، هو جزء من أيدلوجية الفكر الصهيوني القومي الديني المتطرف، والذي يؤمن بأن على إسرائيل القيام بخطوات عملية وبناء الآليات لطرد جماعي للفلسطينيين وهو تفكير قديم مارسته عصابات إشتيرن والهاغانا سابقا، وبالتحديد خلال المجازر والمذابح في عام 1948، والتي أدت لتهجير ما يقارب 850 ألف فلسطيني من بلادهم، والذين أصبح يطلق عليهم بعد ذلك اللاجئين الفلسطينيين.
الخطر أمام أعيننا ومصلحتنا الوطنية التوجه لتوفير مناخ وآليات تتصدى لمخطط التهجير الصهيوني القومي المرتكز على ممارسات عنفية وترهيبية، وما يجري داخل الكيان الصهيوني نفسه من مظاهرات وتنديد ورفض لمخططات الحكومة المتطرفة الجديدة بقيادة نتنياهو، دليل أن جزءا من الإسرائيليين بدؤوا بالشعور أن الحكومة الجديدة عندها مخططات تعتمد في تنفيذها على مجموعات مسلحة وخاضعة لمرجعيات حزبية وليس لمؤسسات الكيان نفسه، وما وقوف ما نطلق عليه بالدولة العميقة المكونة من الجيش وأجهزة مخابرات ورجال أعمال وإعلاميين بوجه حكومة نتنياهو ومخططها بإحداث إصلاحات قانونية هو دليل على خطورة ما يجري وما تخطط له العصابة الحاكمة في إسرائيل.
أصبح سؤال مواجهة هذه المخططات الجديدة والقديمة سؤالا وجوديا للفلسطينيين داخل أرض فلسطين، ومواجهته لا بد منها، لأننا أمام أصحاب تفكير متطرف تغذيه رؤية دينية وتعصب قومي متعصب ومتطرف.
أمام هكذا هجمة متعصبة ومتطرفة ومؤمنة باستخدام القوة والعنف، ليس أمامنا سوى توسيع دائرة المقاومة واستخدام كافة الاوراق المتوفرة والتي ممكن أن تتوفر بأيدينا.
يشهد الكيان الغاصب منذ عشرات السنوات تحولات ديمغرافية وبروز مجموعات متعصبة ومتطرفة محسوبة على أقصى اليمين وهذا أدى لتحول في أحجام الأحزاب الصهيونية في إسرائيل، هذه القوى الجديدة تعمل على تحقيق مقولة أساسية في الفكر والأيدلوجية الصهيونية، والتي تم اختصارها بجملة أن "فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، وهي مقولة مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هيرتزل. نحن أمام فكر قديم عنصري وإجرامي وتفريغي لوطن من سكانه ومن شعبه.
كيف نواجه عودة هذا الفكر الصهيوني الخطير والإرهابي؟
هو السؤال الذي يفرض نفسه وغير ذلك تفاصيل

