يلخّصُ السيّد صلاح الدّين الثابتي، عضو مجموعة "حتى ينتصر الشعب" التي تدعمُ الرئيس بشكلٍ مطلقٍ دون أيّ تَحَفُّظ، الوضع السياسي بعد ارتفاع معدّل الامتناع عن المشاركة في عملية التصويت إلى نحو 90%، بقوله: حتى لو بلغت نسبة المُشاركة 0% سنستمر في تطبيق برنامجنا؛ إنه برنامج الإرادة الشعبية" (من استجواب أجرتْهُ معه محطة موزاييك إف إم التي يمتلكها رجل ثري مُعتَقَل).
أصبح الوضع الاقتصادي في تونس (قرابة 12 مليون نسمة، منهم أكثر من 1,6 مليون في الخارج) أسوأ مما كان عليه قبل انتفاضة 2010/2011، حيث تجاوزت نسبة التضخم 10% وتميَّز الوضع بنقص المواد الغذائية الأساسية (الحليب والسكر والأرز والزيت والقهوة) وبارتفاع مُشِطّ للأسعار، بلغ معدل البطالة 18,6% ويقدر معدل الفقر بـ 22% من السكان؛ الأمر الذي أدى إلى زيادة الهجرة غير النظامية، وكذلك الهجرة المُنَظّمة للأطباء والمهندسين والعمالة الماهرة وفَنِّيِّي الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، إلخ.
بدأت، منذ نحو ثمانية عشر شهرًا، مُفاوضات بين الحكومة وصندوق النقد الدّولي، ولم تتقدم تلك المفاوضات، حيث كانت الحكومة ترغب في اقتراض أربعة مليارات دولار لسدّ العجز، وأخيرًا وافق الصندوق – من حيث المبدأ – على قرض بقيمة 1,9 مليار دولار، منذ شهور، ولم يُفْرج عن أي قِسْط من القَرْض، بانتظار تطبيق الشروط القاسية، وفي الأثناء، خفضت وكالة موديز الأمريكية (28 كانون الثاني/يناير 2023) تصنيف الدين طويل الأجل للبلاد، معلّلَة ذلك "بارتفاع مخاطر التخلف عن السداد" (من قبل الدولة).
على صعيد الحريات الفردية والجماعية، شملت الاعتقالاتُ والتّرهيبُ فئاتٍ عديدةً من المواطنين، سواء من دائرة الإخوان المسلمين وحلفائهم، الذين حكموا البلاد من 2012 إلى منتصف 2021، أو من الإعلاميين والقُضاة والنقابيين والمواطنين الذي عبّروا عن رأي مُخالف أو ناقد للحاكم الحالي للبلاد، وكان اعتقال مسؤول نقابي في شباط/فبراير 2023 بتهمة "التورط في تنظيم إضراب لعمال الطرق" قد اضطرّ قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل (اتحاد نقابات الأُجَراء) إلى الخروج عن "الحِياد" وإلى التعبير عن مُعارضة بعض جوانب سياسات الحكومة الحالية.
يُعدّ الاتحاد العام التونسي للشغل أقدم وأقوى منظّمةٍ نقابيّةٍ للأجراء في إفريقيا والوطن العربي، وأسهم مؤسسوها سنة 1946 في النضال ضد الاستعمار الفرنسي، ويضم الاتحاد حاليًا نحو مليون عضو - في بلد يبلغ عدد سكانه 12 مليون نسمة – ونظم الاتحاد مظاهرة يوم الرابع من آذار/مارس 2023، للمطالبة بالديمقراطية واحترام الحقوق الاقتصادية وإطلاق سراح المُعتَقَلِين السياسيين، ووضع حدٍّ للحملة العنصريّة ضد فُقراء إفريقيا جنوب الصحراء الذين يعبرون تونس قبل التوجه إلى أوروبا، ومنعت السلطات قادة النقابات الأجنبية من دخول تونس للتعبير عن مُساندتهم للاتحاد العام التونسي للشغل الذي يعلن معارضته لرفع الدعم عن المنتجات الأساسية مثل الغذاء والطاقة والوقود، وهي تدابير تعدّها الحكومة ضرورية لتأمين قرض بقيمة 1,9 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، ويُعدون الاتحاد العام التونسي للشغل من أقوى المنظمات في تونس ومن المنظمات القليلة التي يمكنها تحدي سياسات الحكومة بشكلٍ علنيٍّ وفعّال، في ظرف تميّز بمضاعفة الرئيس قيس سعيد الاستفزازات ضد الاتحاد النقابي، بما في ذلك التشكيك في حقّ الإضراب، مؤكّدًا أن "الحقّ في التنظيم لا يمكن أن يكون له أهدافٌ سياسيّة"، وذلك إثر إضراب عمال الطرق السريعة (30 و 31 كانون الثاني/يناير 2023)، حيث سمح العمال لسائقي السيارات بالمرور دون تسديد الرُّسُوم، في حين صرّح قيس سعيد إن "الطرق كانت مغلقة" واعتقلت الشرطة رئيس نقابة هذا الفرع.
صعوبات:
يواجه المواطنون صعوباتٍ اقتصاديّةً عديدة، جراء ظروفٍ موضوعيّةٍ منها ارتفاع أسعار الحبوب في الأسواق العالمية والجفاف ونقص السيولة في خزائن الدولة، ما يفسّر جزئيًّا هذه الأزمة، لكن يجب عدم إهمال سياسات السلطات السياسية ومخطّطاتها فهي مسؤولة على سير شؤون البلاد والمواطنين، ويتميز الوضع الحالي بغياب المنتجات الغذائية الأساسية التي أصبحت مفقودةً من أرفف المتاجر التي تفرض التقنين على مشتريات العجين (المعكرونة) والحليب والأرز والسكر والقهوة، وبخصوص نقص الحليب، يستهلك المواطنون التونسيون في المتوسط 1,8 مليون لتر من الحليب يوميًّا، بينما لا يتجاوز الإنتاج المحلي 1,2 مليون لترا، وفقًا للبيانات الرسمية (بعد تخريب قطاع الفلاحة وتربية المواشي، تبعًا لأوامر صندوق النقد الدّولي) ولذلك يجب على الدّولة أو الشركات الاحتكارية الخاصة تَوْرِيد ما لا يقل عن ستمائة ألف لتر في اليوم، لكن أدّى نقص العملات الأجنبية إلى تفاقم نقص الحليب منذ شهر تشرين الأول/أكتوبر 2022، فتم تحديد المبيعات بلِتْرَيْن اثنَيْن لكل زبون، في محلات السوبر ماركت، فيما ظل الإنتاج المحلي يتراجع منذ سنوات عدة، عندما قدم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي قروضًا مشروطةً بإنهاء الدعم الحكومي للمزارعين، وما الحليب سوى واحد من المنتجات التي غابت من رفوف المتاجر، إلى جانب الأرز والقهوة والسكر والزيت، وتفاقمَ النّقص في المعروض منذ الحرب في أوكرانيا، حيث ارتفع سعر الحبوب بنسبة 40% بين آذار/مارس وتشرين الأول/أكتوبر 2022، وتضاعف سعر العلف وغذاء الحيوانات (ثمانية مرات خلال عشر سنوات)، واضطرَّ العديد من مربي الماشية إلى بيع المواشي بأسعارٍ منخفضة، فانخفض حجم القطعان التونسية بنسبة 30% سنة 2022، كما تفاقمت هذه الصعوبات بفعل الجفاف وانخفاض منسوب المياه في السدود التي لا تكاد تمتلئ إلا بنسبة 30%، وتجدرُ الإشارة أن تونس كانت تصدر الحليب حتى عام 2017، ثم انخفض الإنتاج بسبب خفض دعم الفلاحة وأسعار الحبوب وعلف الحيوانات، وخفض دعم الإنتاج (الحليب ومشتقاته واللحوم والبيض...).
كان الوضع الاقتصادي والإجراءات المقيدة للحريات من العوامل التي أثنت المواطنين عن المشاركة في الجولة الأولى (17 كانون الأول/ديسمبر 2022) والجولة الثانية من الانتخابات التشريعية في 29 كانون الثاني/يناير 2023 لانتخاب 161 نائبًا، وربما يعود ارتفاع معدل الامتناع عن التصويت إلى نسبة 90% في كلتا الجولتين إلى نقص السلع، وسمحت هذه الانتخابات بعودة عدة نواب دستوريين، من أتباع زين العابدين بن علي، أو الباجي قائد السبسي وحزبه نداء تونس، إلى المجلس التشريعي. أما المواطنون فقد فَقَدُوا اهتمامهم بالأجندة السياسية التي يقودها الرئيس قيس سعيد، كشكل من أشكال الاحتجاج على السلطة ورئيسها الذي وعد بدعم الفُقراء وبمحاربة الظلم والفساد، وبدلاً من ذلك تم تمديد حالة الطوارئ، السارية منذ 2015، حتى نهاية 2023، ما يسمح للسلطة التنفيذية بإصدار أمر الإقامة الجبرية وحظر المظاهرات وممارسة الرقابة على الصحافة، وزاد النظام القائم من مظاهر القمع والتّشدّد، إذ جَمَعَ الرئيسُ وزراءَهُ المسؤولين عن القمع (الداخلية والقضاء والدفاع) وألقى خطابًا شديد الخطورة ضد خصومه، الذين وسَعَ دائرتهم لتشمَلَ الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يبدو أنه الهدف الجديد للسلطة، ليصبح العُمال مُستهدَفِين من خلال نقاباتهم.
يقدر مكتب العمل الدولي أن أكثر من 50% من العمال التونسيين ينتمون إلى القطاع غير الرسمي، الذي يمثل أكثر من 40% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد (وهي نسبة مُشابهة للدول العربية الأخرى)، ولذلك يقترح صندوق النقد الدولي اندماجهم في النظام الضريبي لزيادة إيرادات الدولة، مع عدم زيادة رُسوم وضرائب الشركات الغنية ومتعددة الجنسيات، لكن اتضح، من خلال تجارب العديد من البلدان الإفريقية، أن فرض الضرائب على الاقتصاد غير الرسمي ليس مربحًا كما يبدو لأنّ هذا القطاع يشملُ مجموعةً متنوّعةً من الأنشطة الاقتصاديّة، والفرق شاسعٌ بين إيرادات التّهريب المُنظم، وإيرادات الباعة الجائلين، وفي الواقع، فإنّ أولئك الذين لا يدفعون ضرائب كافيةً هم المحامون والأطباء وأطباء الأسنان والمحاسبون وعدة آلاف من المهنيين والشركات المتخصّصة في التهرّب الضريبي، والقطاع الخاصّ بشكلٍ عامٍّ الذي يسعى إلى نهب المال العام، مع عدم المُساهمة في إيرادات الدّولة، بالإضافة إلى ذلك، فإنّ عشرات الآلاف من العمال غير المهيكلين لا يحصلون على دخلٍ يُعادلُ الحدّ الأدنى للأجور، ومن ثَمَّ سوف يتمّ إعفاؤهم من دفع الضرائب، بعد تجنيد عشرات الموظفين وآلاف الساعات من العمل لاستقبالهم وإرشادهم وتسجيل بياناتهم ومراقبة دَخْلِهم، وتسجيلهم رسميًّا لدى إدارة الضّرائب، في حين تمتلك القطاعات الأكثر ربحًا وسائل عديدة للإفلات من الضرائب، وذلك بفضل الروابط السياسية والإمكانيات المالية، التي تسمح لهم بدفع رواتب المحاسبين والمحامين الذين يدافعون عنها، والرّشاوى لكبار موظّفي الدّولة.
إنّ ترسيم العمال غير النِّظَاميين لدى مصلحة الضرائب لا يؤدّي تلقائيًّا إلى دفع الضرائب، فقد طلب صندوق النقد الدولي تسجيل العمال غير الرسميين في العديد من البلدان الإفريقيّة لدى السلطات الضريبيّة، وأظهرت التجربة أنّ دَخْلَ أكثر من نصفهم لا يبلغ الحد الأدنى المطلوب لتحصيل الجباية، ومن ثَمَّ فهم مَعْفِيّون بحكم القانون من تسديد الضرائب، رغم نفقات الحكومات لتسجيلهم ومراقبة إقراراتهم الضريبيّة، وعمومًا، تَضَرّرَت الفئات الأشدّ فقرًا من استراتيجيات فَرْض الضرائب على القطاع غير الرسمي، بشكلٍ غير متناسب؛ نظرًا لأنّ الأعمال غير الرسمية والهَشّة تكون ظاهرةً للعيان.
فالعدالةُ الجبائيّةُ تتطلّب استهداف الأثرياء وأصحاب الدخل المرتفع الذين تظهر عليهم، بالعَيْن المَجَرَّدَة، علامات الثروة ومستوى معيشة مرتفع، من خلال السكن والسيارات الفاخرة ونمط الاستهلاك والرحلات إلى الخارج وما إلى ذلك.
وفي باب الجباية، تفرض البلديات التونسية ضرائب على الشركات والباعة غير الرسميين من خلال مجموعةٍ متنوّعةٍ من الأدوات، مثل فرض رسوم على المواقع في الأسواق أو فرض رسوم على "الاستخدام التجاري للأماكن العامة"، ولذلك فإنّ الأولوية بالنسبة للعاملين في القطاع غير الرسميّ هي الحصول على التأمين الصحيّ والاجتماعيّ، والاندماج في برنامجٍ حكوميّ (وجب ابتكاره) لمكافحة الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.
إفراغ البلاد من مواردها البشريّة:
تمرُّ تونس بصعوباتٍ اقتصاديّةٍ خطيرة، ومن مظاهرها ارتفاع الدّين العمومي، وضعف أو جُمود النّمو الذي لا يمكنه خلق فرص عمل، ومن نتائج هذا الوضع أن نحو 50% من شباب البلاد يريدون مغادرتها، وفقًا لاستطلاعاتٍ عدّة، وهاجَرَ أكثر من 40 ألف مهندس، وأكثر من 3300 طبيب، خلال السنوات الخمس الماضية، إلى كندا أو الدول الأوروبيّة أو دويْلات الخليج، وفقًا لتقديراتٍ عدّة موثوقة، منها عمادة الأطباء، وعمادة المُهندسين وغيرهما، ومنحت ألمانيا رسميًّا 2558 تصريحَ عملٍ رسميًّا للتونسيين سنة 2020، وارتفع العدد إلى 4462 سنة 2021 وإلى 5474 تصريح عمل، خلال عشرة أشهر، بين كانون الثاني/يناير وتشرين الأول/أكتوبر 2022؛ لأنّ ألمانيا أقوى اقتصاد أوروبي، دولة ذات معدل مواليد منخفض للغاية، ولديها "احتياجات هائلة من العمالة، في مجالات الصحة وتكنولوجيا المعلومات، والفنادق والمطاعم والإنشاءات وزرع الألياف الضوئية أو قيادة مركبات البضائع الثقيلة"، بحسب مدير مكتب الهجرة ( Get in Germany ) وأنتج ارتفاع الطلب الألماني على الخبرات، ارتفاعًا في الطلب على دورات اللغة الألمانية في تونس خلال السنوات الأخيرة، من قِبَلِ الشباب المؤهلين تأهيلًا عاليًا، الذين يتوقعون أن يحظوا بالاحترام والتقدير وبراتب جيد في بلاد المَهْجَر، خلافًا لما يلاقونه في تونس، حيث يبلغ المتوسط الوطني للرواتب 1000 دينار (نحو320 دولارًا)، وتستغل بعض الدّول الأوروبية أو كندا هذا الوضع لاستقطاب العديد من الخريجين الشباب التونسيين (أو من بلدان فقيرة أخرى) عن بعد، أو بعد اختبارٍ يتمّ في تونس، حيث يتقدّم أضعاف الأعداد المطلوبة من الشباب المؤهّلين الذين أنفقت الدّولة مبالغَ طائلةً لتعليمهم ولتأهيلهم؛ لكي يُفيدوا اقتصاد ومجتمعات سويسرا أو كندا وألمانيا أو غيرها، ويأمل هؤلاء الشّبان والشابّات الحصول على راتبٍ جيّدٍ وظروف عمل ومعيشة أفضل، وهي طموحاتٌ معقولةٌ ومشروعة، يُفْتَرَضُ أن يتمتعوا بها في بلدهم.

