في يوم الطفل الفلسطيني الذي يصادف الخامس من نيسان من كل عام، نستحضر أهم وأبرز وأخطر العناوين المتعلقة بالحرب المنهجية التي تشنها سلطات الاحتلال ضد أطفال فلسطين، وهي حرب مفتوحة تهدف إلى ترويع وتحطيم شوكة ومعنويات الأطفال والأجيال قبل أن يكبروا، ولا مبالغة بالقول أن الجريمة الصهيونية ضد أطفال فلسطين منهجية مؤدلجة مبيتة عن سبق تخطيط وترصد، معززة بثقافة المذابح وكمائن الموت وجرائم القنص. فهناك مجزرة الأطفال الفلسطينيين التي اقترفتها قوات الاحتلال الخاصة خلال الانتفاضة الفلسطينية الكبرى عام 1987، وهناك المجزرة المستمرة ضدهم خلال انتفاضة الأقصى/2000، وهناك أطفال غزة الذين يرزحون منذ سنوات تحت الحصار والقتل الصهيوني البشع، وهناك التعليمات العسكرية الإسرائيلية الصريحة الداعية إلى: قتل الأطفال الفلسطينيين وهم صغار حتى قبل أن يصلوا إلى سن الـ 11 سنة، أو حتى وهم أبناء ثلاثة أو أربعة أشهر، أو حتى وهم في بطون أمهاتهم، والتي أصبح الأطفال الفلسطينيون – استناداً إليها – هدفاً دائماً لآلة القتل الإسرائيلية، وباتت السياسة الإسرائيلية أكثر تركيزاً على قتل الأطفال الفلسطينيين.
وتطبيقاً على الأرض، كانت "محرقة الأطفال" في غزة خلال الحروب العدوانية قد فتحت هذا الملف بقوة، فهذه المحرقة سادت المشهد الفلسطيني، وتثبت الأحداث أن دولة الاحتلال لا تتوقف مجازرها ومحارقها عند حد أو سقف أبداً، فمنذ أن قامت تلك الدولة وهي تقترف مجازرها على مدار سنوات بل وأيام عمرها، ويمكن القول أنه ربما لم يمر يوم على الشعب الفلسطيني إلا واقترفت فيه تلك الدولة مجزرة، غير أن تلك المجازر أخذت ترتقي فترتقي شيئاً فشيئاً إلى ما هو أبعد وأخطر وأشد إجرامية من الجرائم، ما يجعلنا نطلق عليها بلا تردد "موسوعة المجازر والمحارق" الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني بعامة وضد أطفال فلسطين على نحو خاص، فإذا كان لدينا موسوعة المحارق ضد الشعب الفلسطيني إذن، فلدينا على نحو حصري أيضا موسوعة "المجازر والمحارق الصهيونية ضد أطفال فلسطين"، ولهم في ذلك تراث هائل من الأدبيات الأيديولوجية والسياسية التي تسوغها لهم.
إن السجل الأسود "للمحرقة الصهيونية ضد أطفال فلسطين" التي تقترفها سلطات الاحتلال يزداد سواداً واتساعاً، فقد شكلت عمليات استهداف الأطفال وقتلهم سياسة ثابتة اتبعتها القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية واعتمدت على أعلى المستويات بهدف النيل من الأطفال الفلسطينيين وزرع الرعب والخوف في الأجيال الفلسطينية الناشئة وقتل الأمل في المستقبل في نفوسهم، ومع اندلاع انتفاضة الأقصى في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 2000 وقع الأطفال الفلسطينيون في دائرة الاستهداف والموت الإسرائيلية، فكانت عمليات الإعدام الميدانية للأطفال أمام بصر ونظر العالم فتم إعدام الطفل الشهيد محمد الدرة وهو في حضن والده أمام عدسات التلفزة، ومروراً باغتيال الطفل فارس عودة وتمزيق جسد الطفلة إيمان حجو بقذائف المدفعية، وليس انتهاء بمئات الأطفال والأجنة والرضع الذين استشهدوا في هذه الانتفاضة، لتتحول حياة الطفل الفلسطيني إلى موت يومي، وإلى يوميات مليئة بشتى أشكال الألم والعذاب والمعاناة المستمرة، ولتغدو قصة الطفل الفلسطيني "قصة موت يومي ومعاناة مفتوحة بلا سقف وبلا حدود".
ولكن، على قدر ما سطر أطفال فلسطين من فصول متصلة حمراء مثقلة بدفق مستمر لا ينضب من الدماء البريئة الطاهرة، وعلى قدر ذلك الزخم الهائل من قصص المعاناة والألم والعذاب والحرمان من كافة أحلام وامتيازات الطفولة الطبيعية، على قدر ما نجحوا في الوقت ذاته في مراكمة كم هائل من قصص وحكايات الصمود والتحدي والبطولة التي ارتقت إلى مستوى أسطوري مذهل لم يشهد له تاريخ أطفال البشرية على مر العصور مثيلاً، ليودعوها في مجلد التاريخ الملحمي الأسطوري العربي الفلسطيني المنتفض على مدى العقود هناك كالعنقاء في فلسطين في وجه المشروع الاستعماري السرطاني الصهيوني.

