Menu

لقاءُ العقبة... بين محاولاتِ الاحتواءِ وتقطيعِ الوقت

د. موسى العزب

نشر في العدد (48) من مجلة الهدف الرقمية

أمامَ دخولِ الحالةِ الدوليّةِ مرحلةً جديدةً وحاسمةً من التجاذبات، التي بدأت تشي بإمكانيّة إحداثٍ تغييرٍ جوهريٍّ على سطوة القطب الأمريكي المتفرّد على العالم، في محاولة تركيز جهود الدوائر الغربية على عناصر الأزمة الأوكرانيّة، وتوجيه الطاقات لهزيمة روسيا واحتواء سياسات صعود الصين، وأمام تنامي المقدّرات الإيرانيّة، وملامستها لإنتاج السلاح النووي، وتصاعد الحالة الكفاحيّة في الأراضي الفلسطينيّة، واحتدام الصراع، سعت الولايات المتّحدة إلى إظهار حرصها على استمرار إمساكها بالملفّات الخاصّة بحلفائها وشركائها كافةً، فكثّفت من حضور مسؤوليها إلى دول المنطقة، وبالأخص عبر زياراتهم المكوكية إلى "إسرائيل"، حليفها الاستراتيجي في الإقليم، في محاولةٍ لإثبات حضورها، وقدرتها على إدارة نفوذها؛ فجاء انعقادُ لقاء العقبة يوم الأحد 26 شباط الماضي، بطلبٍ أمريكيّ، وامتثالٍ أردنيٍّ ومشاركةِ السلطة الفلسطينية ودولة الكيان و الأردن ومصر، تحت عنوانٍ مباشر؛ يقول بصياغة تهدئةٍ تمنع انفجار الأوضاع من بوابة الأقصى، قرب دخول شهر رمضان، ويبطن مجموعة من العناوين الخاصة بمسائل الصراع في الإقليم!

التوقيتُ والأسباب:

في محاولةٍ لفهم طبيعة لقاء العقبة وتوقيته، نجد أنّ هناك مجموعةً من الأسباب والعوامل تقاطعتْ معًا، حملت الولايات المتّحدة على الطلب من القيادة الأردنيّة ترتيب هذا اللقاء، وجاء في مقدّمتها فلسطينيًّا؛ ارتقاء مواجهة سياسات العدوان، والترويع والبطش الصهيوني، من خلال تطوّر حالةٍ كفاحيّةٍ متصاعدةٍ في الضفّة، مع تشكّل أطر وبؤر مقاومة مسلحة، ودرجة عالية من جسارة أداء الجيل الشاب من الفدائيين الجدد، واستعدادهم للدخول في مواجهاتٍ ساخنةٍ مع المحتل، مع انكفاءٍ كاملٍ لدور السلطة الفلسطينية، وعزلتها فلسطينيًّا وعربيًّا، وصدأ أدواتها، وانكشاف فشل خياراتها السياسية، وحقيقة ارتباطها مصلحيًّا مع العدو، وسقوطها شعبيًّا.. ظروف موضوعية وذاتية، تبشر بولادة البديل، وتشي بتوفر الفرصة لإمكانية الارتقاء بالأداء النضالي الفلسطيني إلى صيغٍ جماهيريّةٍ وفصائليّةٍ متقدّمة، خاصّةً ونحن على أبواب شهر رمضان، وما يكتنزه هذا الشهر من تجارب، ومشاعر روحانية ووطنية محفزة.

ترافق ذلك مع اندلاع صراعٍ "إسرائيليٍّ" داخليٍّ مفتوحٍ وغير مسبوق، بدأ يترك تبعاته على دور "إسرائيل" في المنطقة، ومكانتها عند مراكز القرار في العالم، ومن المرجّح أن ينعكس ذلك على طبيعة النظام ومستقبل الكيان.

مجموعة هذه المعطيات بدأت تثير شكوك الولايات المتحدة بمستقبل شركائها، كما أنها قد أثارت بشكلٍ خاصٍّ قلق أنظمة التطبيع العربية، وتخوفها من أن تؤدي هذه التطورات إلى تراكم الوعي الشعبي بحتمية ثقافة المقاومة وتلاقي محورها، وتصليب التفاف الجماهير حولها، مع فتور زخم التعبئة ضد إيران، وضعف المراهنة على سطوة الكيان الصهيوني في حسم الصراعات في المنطقة!!من هنا نرى السعي الأمريكي الملح، للإمساك بأوراق القوة، وشد عصب الحلفاء العرب، وفي غرب أوروبا، خاصة من تنامي مقدرات العامل الإيراني، وارتباطه بمثلث متماسك يمتد من طهران إلى موسكو وبكين، ويشكل تهديدًا جديًّا على استفراد القطب الأمريكي في العالم، ويزيد من القلق الأمريكي على مخرجات الحرب في أوكرانيا، ونحن نرى كيف أدى غياب استراتيجية أمريكية متماسكة في المنطقة، إلى وضع أصبحت فيه القوات الأمريكية في كل من سورية و العراق ومناطق أخرى في الإقليم، "رهينة" القوة النيرانية لمحور مترامي يمتد على عدد من الجبهات!

لماذا في الأردن؟

الدور والدلالات:

  لقد كانت فلسطين دومًا الأكثر استهدافًا، ومحلّ أطماعٍ متواصلٍ عبر التاريخ، وقد شكلت العمق التاريخي والحيوي للأردن، كما يشكل الأردن العمق التاريخي والمجال الحيوي لفلسطين، رغم كل محاولات المشروع الاستعماري بكل تعبيراته، ومنذ وعد بلفور الفتك بهذه المعادلة، وإبقاء الأردن جغرافيا وكيانًا، في بؤرة الملف الأمني الصهيوني.

الخوف على الأردن الآن يتأتى من جوهر المشروع الصهيوني في الأردن، الذي يقوم على الإخضاع والسيطرة تحت "رعاية وإشراف" أمريكي، والمفارقة أن يصبح العائق السياسي لتكاملية المشروع الصهيوني في فلسطين والأردن، هي المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية، ومن ثَمَّ ليس من المصلحة الوطنية الأردنية، أن يَقبل النظام الأردني دورًا في التعامل مع مقاومة الضفة لتصفيتها، مشابهًا لدور النظام المصري في حصار مقاومة غزة وتقييدها، فيما الهجمة على الشعب الفلسطيني ليست مسبوقةً في عمقها واتّساعها ووحشيتها، ولا في تواطؤ الصمت الدولي على تنفيذها.

ورغم الأهميّة الجيوسياسيّة للأردنّ، يلاحظ بعض المراقبين، أنّ الأردن الرسمي قد اندفع إلى لقاء العقبة دون حساباتٍ وطنيّةٍ متّزنة، ورغم رفضٍ شعبيٍّ معلنٍ ومستحقٍّ بات يؤمن بأن فلسطين هي قضيّةٌ وطنيّةٌ أردنيّة، في ظلّ ظرفٍ تتراجعُ فيه قيمة ما يمكن أن يقدمه النظام للأطراف الإقليمية، مقارنةً مع الكلف السياسية والوجودية متوسطة وبعيدة المدى التي قد يترتب عليه دفعها جراء مشاركته بهذه الألاعيب الخاسرة، حيث يخضع الأردن على الدوام إلى تحولات في أولوياته وخياراته نتيجة تحول الأولويات الاستراتيجية للقوى الفاعلة في المنطقة، وقد جاءت معاهدة وادي عربة، وما تلاها من الاتفاقيات مع الكيان في عناوين الطاقة والمياه، لتنال أكثر من هذه المكانة، كما أدى التواجد العسكري الأمريكي المكثف على الأراضي الأردنية، وما رافقه من توقيع اتفاقية التعاون الدفاعي الأردنية الأمريكية، إلى مزيد من تقويض السيادة الوطنية، وتفاقم العزلة السياسية، وتراجع في الدور والتأثير، ومواجهة الرفض الشعبي، ودخول الحكم في حالة من اهتزاز الثقة بقدراته وخياراته، وعجزه عن تبرير سياساته.. وقد أدى مؤخّرًا الانفتاح التطبيعي عبر علاقاتٍ تبادليّةٍ مباشرةٍ بين بعض الدول الخليجية والكيان، إلى ضمورٍ في دور الأردن جسرَ عبورٍ ووسيطٍ في تقديم خدماتٍ لدول الجوار. هذه خياراتٌ أدّت إلى الإمعان في سياسات التفقير، وتكميم الأفواه، وتشديد القبضة الأمنيّة والبطش بالفعاليات الوطنيّة، والنشطاء السلميين!

مخاطرُ حقيقيّةٌ للقاء ونتائج بائسة: 

بوجود الكيان الصهيوني على طاولة الاجتماعات، حاول لقاء العقبة، أن يكرس بداية، المفهوم التطبيعي السائد؛ بأن "إسرائيل" هي جزءٌ أصيلٌ من المنطقة، وشريكةٌ في حل مشكلاتها، وليست المشكلة الأساسية فيها. وعندما طلبت أمريكا من الحلفاء والأتباع التجمع في العقبة، فذلك لكي تطمئنهم، بأنها ليست في وارد الانسحاب، وأنها تضع حضورها العسكري في المنطقة لصالح أجنداتها، وبرنامجها في لجم إيران، واحتواء الاختراق الصيني، وإضعاف روسيا في جميع المواقع تمهيدًا لإسقاطها. وعلى هامش هذه العناوين، تسعى الولايات المتحدة إلى ضبط التفلّت الإسرائيلي في توجيه ضربةٍ عسكريّةٍ غير محسوبةٍ إلى إيران!

في الجانب الفلسطيني، ظهر بأن المهمة الرئيسية عند المجتمعين، هي البحثُ عن أدواتٍ وتكتيكاتٍ مناسبةٍ لترجمة شعار التهدئة وتحويله إلى خطواتٍ عمليّةٍ تؤدّي إلى عزل بؤر المقاومة على طريق ضربها وتصفيتها، بعد أن تجاوزت الأحداث والتطورات خطة دايتون سيئة الصيت والسمعة، وبعد أن فشل تواجد أكثر من 50% من القوات البرية الإسرائيلية في الضفة من السيطرة على "الوضع الأمني"!!

ما خطّط له لقاء العقبة في هذا الإطار، هو تقطيع الوقت، وممارسة الضغوط على الطرف الفلسطيني بمختلف أطرافه، عبر إعادة تأهيل الدور الأمني للسلطة، ووضعها بالكامل في مواجهة المقاومة، ضمن خطة أمنية لقمع الحالة الجماهيرية المتصاعدة، وتصفية الحالة الشبابية المقاومة، بعد أخذ العلم بسحب السلطة لمشروع القرار الفلسطيني المقدم الى مجلس الأمن الدولي والمتعلق بوقف الاستيطان واعتباره غير شرعي وقانوني، واستبدال ذلك ببيان رئاسي يصدر عن مجلس الأمن، ليس له أي قيمة سياسية أو قانونية!

ما أعلن رسميًّا في البيان الختامي، الذي جاء في ثماني نقاط؛ تعهد "الإسرائيليون" والفلسطينيون بـ "منع المزيد من العنف"، والعمل على "وقف التصعيد"، على الأرض.

وبأن الحكومة الإسرائيلية والسلطة الوطنية الفلسطينية قد أكدتا على "إرادتهما والتزامهما المشترك" بالتحرّك الفوري لوقف "الإجراءات الأحادية الجانب" مدّة 3 إلى 6 أشهر، بما فيه وقف مناقشة إقامة وحداتٍ استيطانيّةٍ جديدةٍ مدّة 4 أشهر، وعدم تقنين المستوطنات "العشوائيّة" مدة 6 أشهر"، كما اتفق المشاركون على مساعدة الجانبين على "بناء ثقة متبادلة" من أجل "حوار مباشر"، ودعوا لاجتماعٍ آخر في مدينة شرم الشيخ في آذار الجاري.

ردود فعل ساخنة وإعلان مواقف:

قبل أن يجفّ حبر البيان المشترك الصادر عن لقاء العقبة، كان الشعب الفلسطيني وقواه السياسيّة، يرفض اللقاء ونتائجه، ويحذر من ارتداداته السلبية على القضية الفلسطينية ومقاومتها. ورغم تهافت هذا البيان وبؤسه، تبرّأت منه الحكومة "الإسرائيلية" بمكوناتها اليمينية الإرهابية التلموديّة المجرمة، وأعلنت غالبيتها انتقالها من مواقع الحديث عن إدارة الصراع، إلى نواياها المبيتة في حسم الصراع، وباشرت حملة ترويع ضد الشعب الفلسطيني، وأطلقت يد المستعمرين ترويعًا وهدمًا وتهجيرًا ومصادرة للأراضي. وأكدت على برنامجها الذي يدعو الى تصعيد الاستيطان في كل الضفة الغربية، باعتبارها أرض "اسرائيل الكاملة"، وتأكيدها على حسم السيطرة على مدينة القدس عبر الطرد والتهجير والاقتلاع والتطهير العرقي، وإطلاق إجراءات قمعية إخضاعية شديدة تطال الحقوق والممتلكات والحياة، للعمل على تغيير الطابع الديني والقانوني والتاريخي للمسجد الأقصى، وتهويده بالكامل.

مخططُ الإدارةِ الأمريكيّةِ الذي ينفّذُ على مراحل:

من الواضح أنّه لم يكن هناك من تصوّرٍ للقاء العقبة سوى تثبيت ضمان أمن دولة الكيان، مقابل وعودٍ فارغةٍ بتجميدٍ مؤقّتٍ للاستيطان، وتخفيفٍ للقبضة الأمنيّة الإسرائيليّة في الضفة والقدس وتقليل عمليات الاقتحام لمناطق السلطة الفلسطينيّة. ومن المتوقّع أن تواصل الإدارة الأمريكيّة ضغوطها على السلطة الفلسطينيّة للتعاطي مع خطّتها الأمنيّة التي سيقودها الجنرال الأمريكي فنزيل، وجوهرها يقوم على تدريب خمسة آلاف عنصر من عناصر أمن السلطة، في الأردن ومصر، وتشكيل غرفة عمليات مشتركة أمنية أمريكية – إسرائيلية - فلسطينية، مهمتها تصفية الحالة الكفاحية الفلسطينية، واستعادة السيطرة على بؤر المقاومة المسلحة.

في ظلّ عدوانٍ مستمرٍّ وشاملٍ على الشعب الفلسطيني، وما يرتكب بحقّه من جرائم، فإنّ خطّة فنزيل الموعودة، لن يكتب لها النجاح، خاصّةً أنّها في حال وضعت للتنفيذ، ستفتح الباب على مصراعيه لفتنةٍ فلسطينيّة - فلسطينيّة، وتقدّم خدمةً مجانيّةً لدولة الكيان وحليفتها أمريكا. خاصّةً ونحن نشهد حالة تآكل وتفسخ وضعف السلطة وتراجع حضورها شعبيًّا وقيميًّا وسياسيًّا ما يعجّلُ من سقوطها، ويستدعي التوجه الجاد لبلورة البديل النضالي الوطني.