التصعيد على الجبهتين الشمالية (مع لبنان) والجنوبية (قطاع غزة) ليس سوى رسائل بأن ما يجري في القدس والمسجد الأقصى لا يخص المقدسيين وفلسطينيين الأراضي المحتلة وحدهم، ولكنه تطور خطير ينذر بجر المنطقة برمتها إلى أتون مواجهة شاملة، وهو أمر لا يناسب إسرائيل وحكومتها في هذا التوقيت بالتحديد، بسبب المشكلات الداخلية وطبيعة الحكومة اليمينية المتطرفة، واهتزاز قدرات الردع الإسرائيلية في ضوء المشكلات التي يعاني منها الجيش.
صحيح أن أحد خيارات حكومة نتنياهو كان محاولة تصدير الأزمة إلى الخارج لكن هذا سلاح ذو حدين، حيث يستطيع نتنياهو وجيشه بدء المعركة، ولكنه لا يستطيع التحكم في سياقها ولا في نتائجها، حتى قدرة إسرائيل على القتل والتدمير يمكن أن تنعكس ضدها إذا كانت الخسائر في صفوف المدنيين الفلسطينيين أو اللبنانيين فادحة، ويزيد الأمر وبالا إذا وقعت خسائر بشرية جدية في صفوف الإسرائيليين، ناهيك عن التداعيات الدولية والإقليمية غير المرغوبة لهكذا تصعيد خصوصا أنه كان متوقعا، ولم يكن ليحصل سوى بسبب انقياد نتنياهو لشركائه المتطرفين.
لذلك كانت الردود الإسرائيلية محسوبة ومحدودة، لكن الرد الحقيقي والأصعب جاء من الفلسطينيين أنفسهم وفي قلب المعركة، أي في الأراضي المحتلة في الضفة - مع أن الضفة تبدو أحيانا أنها الحلقة الضعيفة - فكانت عملية الحمرا لتؤكد أن العبث بالمسجد الأقصى لن يمر مرور الكرام.
الصهاينة بالفعل دنسوا المسجد الأقصى حين استباحوه وقمعوا المعتكفين ونكلوا بهم وأمطروهم بقنابل الغاز والصوت، واعتقلوا المئات من الشبان، لكن هل حققوا أهدافهم السياسية والعدوانية؟ المسجد الأقصى تحت الاحتلال منذ 56 عاما والمعركة طويلة لا يمكن حسمها بجولة، وهي لم تحسم سابقا بمجازر ومذابح ويستحيل حسمها بغارة كهذه، الاحتلال يريد فرض سيطرته المطلقة على المسجد الأقصى بحجة كونه جزءا من عاصمة إسرائيل الموحدة، ويدعي أنه يدافع حق اليهود في العبادة وفي المقابل يحرم ملايين الفلسطينيين من مجرد دخول القدس، مع أن المسجد هو وقف إسلامي خالص بقرارات دولية عديدة. غلاة المتطرفون يريدون تنفيذ خطة بناء الهيكل الثالث المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى، حكومتهم لا تسايرهم في كل شيء ولكنها تدعمهم وتوفر لهم الغطاء وتقمع الفلسطينيين وهؤلاء لم يعودوا مجرد جماعة هامشية متطرفة ومهووسة دينيا، ولكنهم جزءا من التحالف الحكومي ويملكون ائتلافا واسعا من 18 عضو برلمان، وبالتالي فإن خطرهم يتعاظم، وما كان مجرد خطر محتمل في الأمس قد يتحول إلى واقع إذا لم يتحرك العالم للجم إسرائيل ووقف عدوانها الذي يستفز مشاعر وعقيدة مئات ملايين المسلمين. العبث بالأقصى ومحاولات السيطرة عليه لن تمر بسهولة، فالأقصى كان منطلقا لمعظم الانتفاضات والمعارك التي شهدتها فلسطين، والمساس به قد يشعل المنطقة برمتها.
أما التوقعات بشأن ردود الفعل الحقيقية من طرف الدول والمنظمات الإسلامية فهي للأسف الحالة الدولية والإقليمية (فضلا عن الانقسام الفلسطيني) هي التي تغري إسرائيل وتشجعها على التمادي في عدوانها، خصوصا في ظل الأزمات الداخلية التي تعيشها عدد من الدول العربية المركزية والانقسام إلى محاور متصارعة، إسلاميا عشرات القرارات اتخذت وخصوصا لدعم صمود المقدسيين ولم ينفذ منها شيء، ولذلك تبقى ردود الفعل مجرد ردود لفظية في حدود الشجب والاستنكار وهذا لا يزعج إسرائيل بتاتا ولا يلومها بشيء، ما يمكن أن يؤثر عليها هو توحيد الموقف الفلسطيني الذي يمكن أن يساهم في إعادة بناء الموقف العربي والإسلامي، ومن ثم التحرك الموحد للضغط على الإدارة الأميركية من أجل أن تلجم إسرائيل وهي وحدها من يمكنه فعل ذلك.

