هل تساءلت يوما لماذا تسيء المنظمات الصهيونية إلى أشخاص مثل الموسيقي الشهير والمؤسس المشارك لبينك فلويد روجر ووترز، وزعيم حزب العمال البريطاني السابق جيريمي كوربين، وكلاهما له تأريخ نضالي من أجل العدالة، أو كينيث روث، اليهودي الذي رأس هيومن رايتس ووتش (منظمه حقوق الإنسان) لمدة 29 عاما لانتقادهم السياسات الإسرائيلية، بينما يمجدون شخصا مثل دونالد ترامب، الذي شرعن العنصريين البيض ومنح الشرعية السياسية لمعادين الدين اليهودي؟ إذا كان هذا يبدو غير بديهي، فإن فهم التاريخ الخفي للصهيونية السياسية سيزيل الغموض عن بعض جوانب هذه الحركة القبلية.
الصهيونية السياسية تتمثل بمنظمه الصهيونية العالمية (WZO) التي تأسست في عام 1897 من قبل محام يهودي نمساوي/مجري اسمه تيودور هرتزل، لمكافحة الكراهية المعادية لليهود في أوروبا. تصور هرتزل، في كتابه الصادر عام 1896، Der Judenstaat (دولة اليهود) أن يكون لليهود الأوروبيون دولتهم الخاصة، وفي ظل قيادة هرتزل، طرحت المنظمة الصهيونية العالمية عدة بلدان، بما في ذلك فلسطين، للدولة اليهودية المحتملة، ولكن لم يكن أي من هذه الاماكن في أوروبا.
منذ نشأتها، وقبل وقت طويل من الهولوكوست، اتبعت الحركة الصهيونية السياسية نظرة غائية للعالم لا يقاس فيها صواب فعلها إلا بالنتيجة المرجوة. وهذا يترجم إلى: ما هو جيد لإسرائيل، وحدها، يجب أن يكون جيدا لليهود.
ولتحقيق رؤيتها، سعت المنظمة الصهيونية العالمية إلى إقامة علاقة تكافلية مع قوى إمبريالية، بحثت عن راعي استعماري على استعداد للتخلي عن قطعة من "أرض" لا تنتمي إليه، مقابل خدمات من الصهيونية العالمية.
بعد عدة محاولات بدأت منذ عام 1896 للحصول على مقابلة مع السلطان العثماني، استقبل السلطان، زعيم الدولة التي كانت تمر بأزمة ديون مثقله، هرتزل في مايو 1901، على الأرجح بعد تدخل من القيصر الألماني فيلهلم الثاني، انحنى هرتزل أمام السلطان، وأخبره عن استعداد الممولين اليهود لشراء 20٪ من ديون السلطنه الخارجية من البنوك الأوروبية، بالإضافة إلى ذلك، وعد بحشد وسائل الإعلام اليهودية الأوروبية في حملة علاقات عامة لتحسين صورة تركيا في أعقاب مذبحة الأرمن، في مقابل فتح فلسطين أمام اليهود الأوروبيين.
في ظل ظروف أخرى، يعتبر عرض هرتزل مثال لما يدعيه معادي اليهود عندما يتهمون اليهود باستخدامهم المال ووسائل الإعلام لابتزاز السياسيين، استغل زعيم المنظمة الصهيونية العالمية "القوة اليهودية" المزعومة في محاولة فاشلة منه لإقناع السلطان العثماني.
بعد وفاة هرتزل في عام 1904، حول القادة الصهاينة انتباههم إلى قوة استعمارية منافسة، دوله بريطانيا العظمى، وطلبوا المساعدة من معادي لليهود، وهو الآن بطل صهيوني، آرثر بلفور.
شارك بلفور، المعروف بمعاداة السود والمسلمون والكاره لليهود، مع المنظمة الصهيونية العالمية الرغبة المشتركة (لأسباب مختلفة) لإخراج اليهود من أوروبا، وكشف عن دوافعه في مقدمته لكتاب تاريخ الصهيونية، حين كتب أن الصهيونية "ستخفف من البؤس القديم الذي خلقته الحضارة الغربية من خلال وجود هيئة في وسطها لطالما اعتبرتها غريبة وحتى معادية، لكنها كانت غير قادرة على طردها أو استيعابها بنفس القدر".
في 2 نوفمبر 1917، أصدر بلفور رسالة نيابة عن الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية موجهة إلى اللورد روتشيلد، واعدا بدعم جلالة الملك لإنشاء وطن لليهود الأوروبيين في فلسطين.
في المعسكر المقابل، صعد أدولف هتلر إلى السلطة في يناير 1933، حيث رأى العالم تهديدا نازيا نتج عنه دعوات لمقاطعة البضائع الألمانية في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، إلا أن قادة المنظمة الصهيونية العالمية رأت في نظام هتلر فرصة سانحه ومكمله للوعد البريطاني، ودعمت المنظمة جهود الاتحاد الصهيوني الألماني (GZF) للعمل مع النظام النازي لتقويض المقاطعة الدولية المناهضة للنازية عام 1933.
وفي 25 أغسطس 1933، أبرمت GZF اتفاقية هافارا مع ضابط المخابرات النازي، إدلر فون ميلدنشتاين. بموجب هذا الاتفاق، وافقت GZF على معارضة المقاطعة المناهضة للنازية، مقابل أن تعمل ألمانيا النازية على تسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين، وكما كان الضابط البريطاني من قبله، وجد ميلدنشتاين في المنظمة الصهيونية العالمية خيارا ناعما "لتطهير" أوروبا من اليهود وحل "المسألة اليهودية".
تجدر الإشارة هنا إلى أنه إلى جانب WZO و GZF ، أيد مجلس نواب اليهود البريطانيين والعديد من القادة اليهود الأمريكيين اتفاقية هافارا ورفضوا مقاطعه ألمانيا النازية عام 1933، لا شك، ليس لأن المنظمة الصهيونية العالمية اعتقدت أن النازيين كانوا مثاليين، ولكن لأنهم اعتقدوا أن النظام النازي من شأنه أن يعجل بتحقيق "النتيجة المرجوة".
تاريخيا، كان لدى المنظمة الصهيونية العالمية القدره للتعايش مع ما يسمى مناهضي الساميه، كمثل التعايش بين النملة والمن، أو ترامب وكوشنر، وعندما لم يكن ذلك ممكنا، كانت الصهيونية السياسية تتغذى على معاداة السامية لتقديم "ما هو جيد لإسرائيل"، بغض النظر عن الضرر الذي قد يلحق بيهود العالم.
ومن الأمثلة على ذلك عام 1938 عندما اجتمع مندوبون من 32 دولة في إيفيان بفرنسا لمناقشة خطة لإنقاذ الأطفال اليهود الفارين من ألمانيا النازية، ندد الزعيم الصهيوني ديفيد بن غوريون، الذي أصبح فيما بعد أول رئيس وزراء لإسرائيل، بخطة الإنقاذ الدولية، وفي خطاب أمام اجتماع اللجنة المركزية للحزب الصهيوني (ماباي) في عام 1938، قال: "إذا كنت أعرف أنه من الممكن إنقاذ جميع الأطفال (اليهود) في ألمانيا عن طريق نقلهم إلى إنجلترا، ونصفهم فقط عن طريق نقلهم إلى أرض إسرائيل (فلسطين)، فسأختار الأخير...".
وفي القرن ال21، أصبح دونالد ترامب بطلا جديدا للصهيونية السياسية. ترامب، الذي كان يشير إلى إسرائيل باسم "وطنكم" عندما تحدث إلى اليهود الأمريكيين، تناول العشاء مع عنصري شهير في معاداته لليهود، نك فوينتيس، في نوفمبر 2022، هذا وقد وصف فوينتيس من قبل الرئيس التنفيذي لرابطة مكافحة التشهير (ADL) جوناثان غرينبلات، بأنه "متعصب شرير ومنكر للهولوكوست"، وعلى الرغم من تاريخ فوينتيس، غرينبلات كان حريصا على عدم توبيخ ترامب للقائه العنصري المعادي لليهود، وبدلا من ذلك، وصف الاجتماع فقط بأنه "مروع".
وبالمثل، سأل مضيف البرنامج الإخباري "لقاء مع الصحافة" رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في كانون الأول/ديسمبر 2022 عما إذا كان يدين اجتماع ترامب مع الكارهين اليهود، أشاد نتنياهو بترامب كصديق حقيقي لإسرائيل، وعندما تم الضغط عليه أكثر للإجابة على السؤال، رد نتنياهو بحذر، "كان الاجتماع هو الشيء الخطأ الذي يجب عدم القيام به".
على عكس ما تدعيه إسرائيل والمنظمات اليهودية الكبرى، فإن معاداة السامية لا يغذيها الانتقاد المشروع للحكومة الإسرائيلية، بل هو نتاج "لأبطال" الصهاينة الذين يمكنون المتعصبين الأشرار أو أشخاص مثل القس جون هاجي، الذي استشهد بكتاب جيرامايا (الأنجيل) ووصف هتلر بأنه "صياد أرسله الله" لإجبار اليهود على الهجرة إلى فلسطين، وعلى الرغم من ذلك، احتفت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) بهاغي كمتحدث رئيسي في المؤتمر السنوي الذي عقدته في آذار/مارس 2006، علاوة على ذلك، في كانون الأول/ديسمبر 2019، خاطب رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو المؤتمر الوطني لحجي، مشيدا بدعمه لإسرائيل.
هناك تناقض كبير عندما تقوم كبرى المنظمات اليهودية، مثل رابطة مكافحة التشهير، والتي تدعي محاربة التعصب، بحمله لتشويه سمعة الأفراد وجماعات حقوق الإنسان الذين يرفضون جميع أشكال العنصرية، لمجرد أنهم يدافعون عن الحقوق الفلسطينية، بينما تحتضن الأفراد والمنظمات المعادية للإسلام والتي لها تاريخ في الاتجار بالصور النمطية لليهود، لمجرد أنها تدعم سياسات إسرائيل الكارثية.
جمال كنج
* هو مؤلف كتاب "أطفال الكارثة"، رحلة من مخيم نهر البارد إلى أمريكا، وكتب أخرى. يكتب كثيرًا عن قضايا العالم العربي للعديد من التعليقات الوطنية والدولية.
** نشر في موقع الميادين نت باللغة الإنكليزية.

