لم يتوقع العدو أن تفتح المقاومة الفلسطينية جبهة جديدة، ضد مستوطنات العدو الصهيوني في شمال فلسطين المحتلة من جنوب لبنان، إضافة إلى جبهة قطاع غزة وجبهة الضفة الغربية المشتعلة بالمقاومة، فالصواريخ المائة، التي دكت مستوطنات الجليل خلال عشر دقائق، أربكت العدو الصهيوني، ووضعته في زاوية إشكالية لجهة حجم الرد على صواريخ المقاومة القادمة من الشمال، والصواريخ المنطلقة من الجنوب.
لقد كان رد العدو الصهيوني بقصف بعض المناطق في جنوب لبنان، وتحديداً في محيط مدينة صور، وعلى مقربة من مخيم صور للاجئين الفلسطينيين محدوداً، حتى لا يفتح العدو على نفسه عشر الدبابير ممثلاً بصواريخ حزب الله، وقدرة مقاومته على إطلاق ما يزيد عن (4000) صاروخ من الصواريخ الدقيقة يومياً – حسب تقديرات العدو - واللافت للنظر أن أوساط العدو الصهيوني الأمنية والإعلامية، راحت تبرئ حزب الله من وقوفه وراء إطلاقات الصواريخ الأخيرة، وتوجه أصابع الاتهام فقط لفصائل المقاومة الفلسطينية ناهيك أن نتنياهو في سبيل عدم استفزاز حزب الله، راح يتحدث عن رد عسكري محدود وبأن حكومته ليست بوارد التصعيد العسكري.
يد نتنياهو باتت شبه مغلولة
حكومة العدو الأمنية المصغرة باتت في حالة إرباك شديد، وباتت ردودها مقيدة بضوابط معينة، رغم استمرارها في قصف محدود لمواقع عسكرية للمقاومة ولأراض زراعية في قطاع غزة، ناهيك أنها اعتبرت ردها على صواريخ الشمال قد انتهى، وذلك ارتباطاً بمجموعة عوامل أبرزها:
أولاً: إدراكها الكامل أن إطلاق فصائل المقاومة الصواريخ من جنوب لبنان، لم يكن بمعزل عن تنسيق كامل مع قيادة حزب الله، وفي إطار غرفة العمليات المشتركة للمقاومتين الفلسطينية واللبنانية، إذ إنه ولأول مرة منذ خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان عام 1982، يتم إطلاق صواريخ فلسطينية بهذا الكم من جنوب لبنان، فهذه الإطلاقات الصاروخية كانت بمثابة "بروفة" لاختبار ردود الفعل الصهيونية.
ثانياً: خشية حكومة العدو، من دخول حزب الله المعركة بترسانته الصاروخية المقدرة ب ما يزيد عن (150) ألف صاروخ تتجاوز مداياتها 300 كيلو متر، وبمقاتليه في كتيبة الرضوان، الذين سبق وأن أجروا مناورات ميدانية لتحرير الجليل الفلسطيني، وفي ذاكرة العدو الصهيوني، التهديد الذي سبق وأن أطلقه الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله بأن القدس خط أحمر، وأن تمادي العدو الصهيوني في ممارساته ضد القدس ومقدساتها سيدفع المنطقة باتجاه حرب إقليمية، لن يتوان الحزب عن خوض المعركة المقدسة من أجل القدس ومن أجل عموم فلسطين.
ثالثاً: أن العدو الصهيوني بات أمام معطى ميداني متكامل، ممثلاً بوحدة ساحة المقاومة في قطاع غزة، مع المقاومة المشتعلة بشكل غير مسبوق في الضفة الغربية، ومع ساحة فلسطين المحتلة عام 1948، ومع محور المقاومة عبر بوابة جنوب لبنان وغيرها، ومن ثم فإن أي تهور من جانب حكومة العدو في قضية القدس، والشروع في تقسيمه زمانياً ومكانياً، سيضع الكيان الصهيوني برمته أمام مأزق وجودي، حين تنطلق صواريخ المقاومة من غزة سورية ولبنان وإيران و اليمن والعراق.
رابعاً: اعتراف مستويات أمنية وعسكرية واستخبارية صهيونية عديدة بأن ( إسرائيل) باتت "مردوعه" من قبل ( أولاً) الانتفاضة الجماهيرية والمسلحة وعمليات المقاومة الفلسطينية اليومية المتراكمة كماً ونوعاً في عموم فلسطين التاريخية، التي وضعت العدو في مأزق تاريخي ( وثانياً) ومردوعه أيضاً من قبل حزب الله الذي ألحق بالعدو هزائم تاريخية بدحره العدو من الجنوب في أيار 2005 ، وبانتصاره في حرب تموز 2006 ، ناهيك عن إذلاله لحكومة العدو، إبان أزمة حقول الغاز والنفط في الساحل اللبناني العام الماضي، حين هدد الأمين العام لحزب الله بقصف منصة كاريش، وبالدخول في حرب حاسمة مع الكيان الصهيوني، إذا ما اعتدى على حقول الغاز اللبنانية، ما اضطر حكومة العدو برئاسة "يائير لابيد" ومعها الوسيط الأمريكي آموس هوكشتاين، للرضوخ للمطالب والاشتراطات اللبنانية، والتي لم يجرؤ نتنياهو على التراجع عنها رغم تهديداته السابقة برفضها حال عودته للحكم.
وسبق للواء احتياط في جيش الاحتلال ورئيس الموساد السابق "داني ياتوم"، أن اعترف بفشل استراتيجية الردع، التي يجسدها جيش الاحتلال وميليشيا المستوطنين، بعد عملية أريحا في غور الأردن مباشرة قائلاً: إنّ هذه العملية تظهر أن "إسرائيل فقدت الردع"؛ في حين علق رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) السابق "عاموس يادلين" بالقول: إن هناك "أثراً كبيراً تفرضه العمليات الفدائية الفلسطينية في وعي الاحتلال ومستوطنيه، وأن الردع الإسرائيلي تضرر إلى حد كبير، وأن (إسرائيل) وصلت إلى طريق مسدود".
خامساً: أن الكيان الصهيوني الغاصب بات يعيش أزمة داخلية بنيوية غير مسبوقة منذ إنشائه عام 1948 ، فالانقسام بين اليهود الشرقيين "السفارديم" واليهود الغربيين "الاشكنايزم" وصل ذروته، وبات يأخذ أبعاداً طبقية بالإضافة إلى الأبعاد العنصرية، كما أن الانقسام بين الصهيونية الدينية والصهيونية العلمانية بلغ حدوده القصوى، وبات يهدد الكيان بحرب أهلية، وفق تحذيرات رئيس الكيان الصهيوني "إسحق هرتسوغ" وأجهزة الأمن الإسرائيلية، وذلك بعد لجوء حكومة الائتلاف المتطرفة إلى تشريع انقلاب قضائي يحد من دور المحكمة العليا الإسرائيلية.
الرد المدروس لفصائل المقاومة
ما يلفت الانتباه أن فصائل المقاومة في قطاع غزة، التي خاضت معركة سيف القدس التاريخية في أيار 2021، وألحقت بالعدو هزيمة منكرة، باتت تبني على مخرجاتها في إطار خطط مدروسة، تبدت في عدم الدخول في مواجهة شاملة رداً على اقتحام الأقصى. وقد ردت ولا تزال ترد منذ اقتحام الأقصى فجر الأربعاء الماضي بعشرات الصواريخ وقذائف الهاون على المستوطنات المحيطة بقطاع غزة وعلى بمستوطنات النقب الغربي بمدايات لا تتجاوز (8) كيلو مترات، وإعلانها أن تمادي العدو في عدوانه على الأقصى سيزيد من عمق الضربات الصاروخية القادمة.
وقد تساءل بعض المراقبين، عن السبب الذي لم يدفع غرفة العمليات المشتركة إلى خوض معركة بنفس مدايات وأبعاد معركة سيف القدس، بحيث يتم قصف عمق الكيان الصهيوني في تل أبيب والقدس وبئر السبع، والمنشآت الرئيسية كالمطار ومحطات القطار وغيرها من مرتكزات البنية التحتية، لا سيما وأن الاعتداء على المسجد الأقصى والقمع الذي تم بحق المعتكفين بالأقصى لم يقل عما حدث عام 2021.
فصائل المقاومة لم تجب على هذا السؤال، لكن في التقدير الموضوعي من واقع قراءة ردود المقاومة على مدى أكثر من عام ونصف، ومنذ أن ردت سرايا القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي بقصف عمق العدو لمدة 72 ساعة بدعم من بعض الفصائل وعلى رأسها كتائب الشهيد " أبو علي مصطفى "، يمكن أن نفسر محدودية الرد بما يلي:
1- أن فصائل المقاومة الفلسطينية، معنية بتعميق المأزق الداخلي في الكيان الصهيوني في هذه المرحلة، إذ أن توسيع مدى الصواريخ لتصل إلى عمق الكيان الصهيوني على النحو الذي جرى في معركة سيف القدس، يسهل مهمة نتنياهو في توحيد جميع الصهاينة من علمانيين وليبراليين ومتدينين في مواجهة الخطر المشترك.
2- أن فصائل المقاومة في إطار غرفة العمليات المشتركة، أرادت أن تعطي الحراك الجماهيري في الضفة الفلسطينية، وفي مناطق 1948، وفي الشتات مداه الكامل، رداً على اقتحام العدو المتكرر للأقصى، بحيث لا يطغى العمل العسكري الكبير في هذه المرحلة على الحراك الانتفاضي، حيث ذهب البعض في قراءتهم لمعركة سيف القدس السابقة، بأن المعركة رغم أهميتها الاستراتيجية آنذاك، إلا أنها طغت في تلك اللحظة على الهبة الجماهيرية المشتعلة في القدس والضفة وفلسطين المحتلة عام 1948.
3- أن فصائل المقاومة أرادت من مخططها، توفير الفرصة لأن تأخذ ردود الفعل الشعبية العربية والدولية مداها، في إدانة جريمة حكومة العدو في المسجد الأقصى وفي القدس عموماً، وكذلك أرادت إحراج النظام العربي الرسمي، وخاصةً الأنظمة المطبعة التي شاركت في مؤتمرات النقب والعقبة وشرم الشيخ، التي اضطرت لأن تصدر بيانات تنديد خجولة لممارسات الكيان الصهيوني في القدس، وأن تستجيب لطلب الأردن بعقد اجتماع للجامعة العربية لمناقشة الاعتداءات على الأقصى والمعتكفين داخله، ومن ثم الطلب لعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن لمناقشة إجراءات (إسرائيل) العدوانية، والهادفة إلى تغيير الوضع التاريخي والقانوني للمقدسات الإسلامية في القدس.

