Menu

الرئيس الراحل شافيز: عشر سنوات من الغياب والتغييب

اسحق أبو الوليد

نشر هذا المقال في العدد 48 من مجلة الهدف الإلكترونية

في السادس من شهر آذار صادفت الذكرى السنوية العاشرة لرحيل، الرئيس اغو شافيز، عقل الثورة البوليفاريّة الفنزويليّة ومفجّرها، التي كانت أوّل ثورةٍ وطنيّةٍ ديموقراطيّةٍ بتوجّهاتٍ اشتراكيّةٍ تحدث بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي، وأوّل ثورةٍ تنتصرُ في عالم أحادية القطبيّة الذي فرضته الإمبرياليّة، وخاصّةً الإمبرياليّة الأمريكيّة، بعد حسمها لما عرف بالحرب الباردة، أي حسمها للصراع التاريخيّ ضدّ المعسكر الاشتراكيّ والاشتراكيّة، وما سمّي بالخطر الشيوعي والتمدّد السوفييتي.

وممّا لا شكَّ فيه أنّ القائد الفنزويلي الشاب كان مدركًا ومتيقّنًا لهذا الواقع الجديد ولهذه الحقيقة، حيث قال في أحد مقابلاته بعد خروجه من السجن عام 1994: هنالك من يصف ما قمنا به من تمرّدٍ عسكريٍّ في 4 فبراير شباط عام 1992، بالجنون، وأنّنا نسير عكس التيار، في مرحلةٍ سمتها انهيار الاشتراكيّة وأنظمتها وانتصار الرأسمالية ونظامها الإمبريالي فيما عرف بالحرب الباردة، وزعمهم نهاية التاريخ، أي نهاية الثورات الاجتماعيّة وحركات التحرّر والانتصار النهائيّ للرأسماليّة نمطًا ونظامًا أزليًّا للبشريّة.

إنّ التمرّد الذي قاده الضابط اغو شافيز، لم يكن بسبب تعطّشه، عسكريًّا، للسلطة بل بسبب قناعته مفكّرًا وقائدًا ثوريًّا أنّ "استلام السلطة السياسيّة، شرطٌ ضروريٌّ لتمكين أدوات العمل وألياته من تحقيق التغيير البنيوي الشامل في المجتمع والدولة"، وقد جاهر بأفكاره هذه، وعبّأ الجماهير على أساسها فور خروجه من السجن، الذي مكث فيه مع رفاقه الذين شاركوا في التمرّد أكثر من سنتين، واستطاع في أقلّ من خمسة سنواتٍ من العمل السياسي المكثّف والمتواصل، أن يصل إلى الحكم في انتخاباتٍ تاريخيّةٍ حصل فيها على أكثر من 57 من أصوات الناخبين.

البيت الأبيض، وأجهزته الأمنية كانت تلاحقه عن قرب، وعلى مدار الوقت مدركين "حجم الخطر الاستراتيجي" الذي يمثله على مصالحهم القوميّة الاستراتيجيّة في أهم دولةٍ أمريكيّةٍ لاتينيّة، التي تعدّها الولايات المتّحدة "حديقتها الخلفيّة"، وعملوا على شيطنته في مجتمعه، وأطلقوا عليه الأوصاف والتسميات التي عدّته "خطرًا على الصحة العامة والأخلاق الحميدة" في المجتمع الفنزويلي ونسجوا الروايات والإشاعات التي تخدم هذا الغرض. رغم كل ذلك فشلوا في احتوائه ولم يتمكنوا من "خصي" عملية التغيير الثورية التي أطلق عنانها، وفشلوا في التخلّص منه جسديًّا أكثر من مرة، وندموا بسبب عدم تصفيته في الانقلاب الفاشل الذي دبرته وكالة المخابرات الأمريكية في 11 نيسان عام 2002. 

مات القائد، مات الرئيس، مات المؤسّس في السادس من آذار عام 2013، بدأ السرطان "الشرس" الذي لم يمهله طويلًا، وقضى على حياته في أقل من 6 أشهر، لم يتمكن خلالها أمهر الأطباء الكوبين، رغم التقدم الطبي الهائل في كوبا، وإشراف فيدل كاسترو شخصيًّا، على علاجه، ويعتقد أن السرطان الذي قضى على حياة أهم قائدٍ ثوريٍّ في القرن الواحد والعشرين، كان مفتعلًا وزرع في جسده؛ بهدف قتله والتخلّص منه.        

بعد مرور عشرة أعوامٍ على رحيل هذا القائد العظيم: أين هي فنزويلا التي "بناها في مخيّلته" التي أرادها لشعبه؟ أين هي "اشتراكية القرن الواحد والعشرين" التي هيكلها نظريًّا، وحلم ببنائها، وبحث عن سبل تحقيقها في تراث الشعوب التي سلكت الطريق "الاشتراكي" وجادل فيها مع أحد أهم القادة الشيوعيين الثوريين في العصر الحديث، فيدل كاسترو الذي قال لشافيز "إنّني على يقينٍ أن الصعود إلى القمر أسهل من بناء الاشتراكية" ليس طبعًا بهدف التخلي عن الفكرة، بل بهدف التأكيد على صعوبة تحقيقها وبناء المجتمع الجديد في ظروف العدوانية الإمبريالية. وقد رحل فيدل وهو أيضًا متمسكًا بالاشتراكيّة وبالمبادئ الثوريّة، وثابتًا في النضال ضدّ الإمبريالية، وعلى قناعه التامة بحتمية زوالها.

 ممّا لا شكّ فيه، فنزويلا اليوم ليست هي التي حلم شافيز ببنائها، ولا هي التي تركها لحظة رحيله، فقد شهدت وما زالت تشهد منذ رحيله عملية تحولاتٍ دراماتيكيّةٍ عكسيّةٍ، اقتصاديّةٍ واجتماعيّة، أرجعت البلاد إلى ما كانت عليه قبل الثورة البوليفاريّة، واتّسعت الهُوّة بين الريف والمدينة، وبين الطبقة العاملة والطبقة البرجوازيّة، واحتدم الصدام والتناقض بين العمل ورأس المال، بسبب حلّ أسباب التضخم الهائل والشامل ومعالجتها على حساب الأجور ودخل الشرائح الدنيا والصغيرة من الطبقة البرجوازية.

البعض يرى أن الأسباب تكمن في السياسة الإمبريالية العدوانية والحرب الاقتصادية والعقوبات المالية والتجارية والحصار البري والجوي الذي ما زال مستمرًّا، وآخرون يعتقدون أنّ السبب يكمن في عجز حكومات "الاشتراكيين" المتعاقبة، عن مواجهة العدوانيّة الإمبرياليّة والتحدّيات التي نشأت عنها بثورية، بسبب عدم الكفاءة واستشراء الفساد واستغلال النفوذ والسلطة بشكلٍ لم يسبق له مثيل. قبل الخوض في الأسباب التي قادت إلى الأزمة العامة والشاملة لا بدَّ أنّ نحدّد طبيعة النظام الذي كان سائدًا عندما رحل الرئيس شافيز.

الرئيس الراحل، في التاسع من كانون أوّل عام 2012 عاد من كوبا إلى وطنه فنزويلا لإعطاء توجيهاته للقيادات السياسيّة وتوجيه رسالةً للأمّة كانت الأخيرة وعرفت برسالة "الوداع لشعبه"، أكد فيها أنّ ما تم إنجازه هو بناء الوطن "نحن استطعنا استرجاع الوطن وبنائه، وأؤكّد لكم أن لنا وطنًا الآن، ولا يستطيع أيًّا كان أن يسلبنا إياه مرّةً أخرى بعد اليوم "لقد تحدّث عن الوطن ولم يقل وطن اشتراكي، ودعا للالتزام والإخلاص للمبادئ وشدّد على أهميّة وحدة القوى كافةً للحفاظ على استمرار عملية التغير والبناء. خلال 12عامًا من حكمه، استطاع شافيز أن يجتاز أهم مرحلتين، مرحلة الصمود وتثبيت الذات بعد أن تم إفشال محاولات الإمبرياليّة كافةً للقضاء على نظام الحكم الجديد، ومرحلة البدء بإجراء التحولّات البنيويّة الاقتصاديّة والقانونيّة والسياسيّة، التي شملت إجراء بعض التأميمات التي تخدم الأمنين؛ القومي والغذائي، أي تمَّ تحقيق الاستقلال والسيادة الوطنية، وهما شرطٌ ماديٌّ أساسيٌّ وضروريّ، للانتقال لمراحل أعلى من البناء لمداميك المجتمع الجديد، والدولة الوطنيّة الديموقراطيّة. الدوائر الإمبرياليّة من جهتها، التي امتلكت خبراتٍ كبيرةً في أساليب التخريب والتدمير للعمليات الثورية والدول الوطنية التي تعدها معاديةً، وتشكّلُ خطرًا عليها، لا تتأخر في تنفيذ خططها وبرامجها التي تهدف إلى "تفكيكها" أو احتوائها وإعادتها إلى مواقعها السابقة، مواقع التبعية والتخلف وإعاقة تطوّرها الطبيعي، وحرفها عن مسارها التاريخي، وتحدث بها أزمة جوهرها، التناقض المركزي بين ضرورات التطور التاريخي ووسائل تحقيقه.

لقد استطاعت الأزمة في فنزويلا من وقف التواصل والترابط بين مراحل التطور الطبيعية في إطار التحوّلات نحو الاشتراكية التي أسّس لها القائد الراحل شافيز وأعادت التواصل بين الحاضر البرجوازي الليبيرالي، والمرحلة التي سبقت الثورة البوليفارية. هذه "الردة" في التطور والبناء لم تأتِ صدفة، والأسباب الموضوعيّة لم تكن قدرًا محتومًا. إنّ العامل الذي حسم، وقرّر الذهاب في المسار الليبيرالي الجديد هو التركيبة الطبقيّة البرجوازيّة للسلطة، أي البرجوازيّة الجديدة التي نشأت في أحشاء النظام، والبرجوازية التي همشتها الثورة البوليفاريّة، واستطاعت أن تتسلل له عن طريق الجسور التي أقامتها مع البرجوازية الجديدة تحت ستار التعايش السياسي والسلم الاجتماعيّ.