Menu

الانتفاضة الفلسطينية في عين الفنان السويسري مارك رودين*

غازي انعيم

‏   لم تنفصل الحركة الفنية المعاصرة عن قضايا النضال البشري ضد قوى ‏الاغتصاب والظلم، ولم يعد الفنان يرسم لمجرد المتعة البصرية بل صار يرسم ‏صورة أخرى لمستقبل آخر للبشرية، لذلك أصبح لديه مهمة تحريضية فصارت ‏اللوحة عنده تعكس موقفه السياسي وهذا الموقف نابع من انتباه الفنان العالمي ‏إلى أهم قضايا هذا العالم، القضية الفلسطينية، والفضل في ذلك يعود دون أدنى ‏شك لعالمية الثورة الفلسطينية، ولمقدرة الكادر الثقافي لهذه الثورة بأن يطرح ‏قضيته بكل قوة على العالم كله. وقد برز الفعل التشكيلي للثورة الفلسطينية عبر ‏أوجه متعددة كان أهمها ارتكاز الجانب الإعلامي الفلسطيني على لغة الملصق.‏

‏   لقد دلت الدراسات عن الملصق السياسي! أنه ما من ثورة معاصرة استطاعت ‏أن تقدم ملصقاً سياسياً متطوراً أثر على تطور هذا الفن ودفعه إلى الأمام كثيراً ‏مثل الثورة الفلسطينية. فمنذ نهاية عام 1968 حتى منتصف تسعينات القرن ‏الماضي رسم من اجل القضية الفلسطينية أو بسببها 70 % من ملصقات العالم، ‏استقطبت القضية الفلسطينية وحدها أعمال أكثر من خمسين بالمائة من فناني ‏الملصق المعروفين عالمياً.‏

‏   إذن ظاهرة الملصق التشكيلي وأثر القضية عليه عالمياً أصبحت إحدى العلامات ‏المميزة لتعاطف الحركة التشكيلية العالمية مع فلسطين بالذات، فلا غرابة أن نرى أن ‏موضوع الانتفاضة والهيمنة على القدس بالذات يأخذ مداه الأوسع في ضمير الحركة ‏التشكيلية العالمية. ‏

‏   ويعد الفنان السويسري "مارك رودين" الذي اختار اسم "جهاد منصور" ليوقّع به ملصقاته ‏احد الفنانين الذين استقطبتهم القضية الفلسطينية وتعد تجربته  واحدة من التجارب العالمية ‏الهامة التي ساهمت في تطوير وبناء خصوصية لفن الملصق الفلسطيني، ومن المؤكد أن ‏أهمية وفاعلية هذه التجربة الفنية ترجع إلى عدة أسباب،  أهمها أن الفنان "رودين" يتمتع ‏بخلفية فنية وثقافية وكذلك سياسية متينة، وهذا ما تفصح عنه لغته التشكيلية والتعبيرية.‏

‏   كما أنه التحق في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في نهاية الستينات من القرن ‏الماضي، وخرج من وطنه سويسرا عام 1979 وعاش في المخيمات الفلسطينية في لبنان، وبعد ‏الاجتياح الصهيوني لمدينة بيروت عام 1982 غادرها رودين إلى مخيم اليرموك في سوريا، ‏وفي عام 1991 غادر دمشق إلى مسقط رأسه.‏

‏    في مخيم اليرموك عاش هاجس البحث والتجريب في سبيل الوصول إلى شخصية متميزة ‏في ارتباطها بالأحداث الفلسطينية والتعبير عنها برؤية متطورة ليست بمعزل عن المسألة ‏الإنسانية، ومثل هذه الرؤية إن دلت على شيء فإنما تدلنا على تلك الرغبة العارمة في مخاطبة ‏الناس في أي مكان في هذا العالم، أو لنقل إيصال القضية الفلسطينية العادلة إلى الناس على ‏صعيد عربي وعالمي، وهذا ما يتطابق مع التطور الذي وصلت إليه القضية الفلسطينية، حيث ‏تقف في مقدمة قضايانا المعاصرة، وتلقى دعم وتأييد العديد من دول العالم والعديد من الفنانين ‏العالميين ومن بينهم الفنان السويسري " رودين " الذي ساهم في إفراز حركة تضامن عالمية مع ‏الشعب الفلسطيني، كما أثّرت القضية الفلسطينية على عدة فنانين عالميين ساهموا في تقديمها ‏من خلال الملصق الذي أقيم له في نهاية السبعينات معرضا في بغداد وبيروت.‏

فماذا عن تجربته في الملصق كترجمة إبداعية؟ كفعل تشكيلي ثوري؟

‏   تمثل الأحداث التي مرت بها القضية الفلسطينية من أيام النكبة إلى زمن المجازر مرورا ‏بالانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية محور موضوعات " مارك رودين " فهو كغيره من الفنانين ‏الفلسطينيين والعالميين الذين رسموا لفلسطين؛ ينطلق من الحدث الفلسطيني كدافع للتعبير.‏

وقد رسم للانتفاضة الأولى والثانية ملصقات بمنتهى البساطة والوضوح وبلغة الخط واللون ‏وضمنها رموز متعارف عليها، مثل: "الكوفية ، والبندقية ، والعلم الفلسطيني، وشارة النصر، ‏والقبضة ، والوردة ، والمقاتل والمرأة والطفل والبرتقال والمساجد والكنائس.. إلخ".‏

‏    هذه الرموز ظهرت بمعزل أحيانا عن العبارات المصاحبة للرسم، وهذه الميزة إن دلت على ‏شيء، فإنما تدل على وعي الفنان بضرورة نشر مضامينه على أوسع نطاق ومخاطبة الناس ‏في أي مكان من هذا العالم. سيما أن الملصق السياسي رفيقاً للنضال الفلسطيني، وأداة فاعلة.. ‏يدعو إلى تمجيد البطولة، وإلى تعرية وفضح ممارسات العدو الفاشية والكشف عن جرائمه ‏وسياساته العنصرية، والتشهير به أمام شعوب العالم على أوسع نطاق.‏

‏   لقد وضعت الانتفاضة الفلسطينية المهام التي يجب أن يقوم بها الملصق الفلسطيني، الأمر ‏الذي يدعونا أن نتناول نتاجات الفنان السويسري "مارك رودين" المكرسة للانتفاضة والتي ‏قادت إلى ملصقات مختزلة، وجذابة، حيث ركز في معظم ملصقاته على اليد والحجر ‏والكوفية.. كرموز قادرة على التعبير عن أشكال النضال الفلسطيني المتنوعة، وهذا ما يتضح ‏في جميع ملصقاته:‏

‏    ففي ملصق "بدمنا نحمي القدس" والذي يتميز بتعبيرية كبيرة، وبتكوين مفتوح من الأسفل ‏والأعلى تتحدد بخطوط عريضة عناصر مبسطة لمدينة القدس، تمتد عبرها يد تحمل كوفية ‏فلسطينية ملطخة بالدماء ترفرف في فضاء القدس الواسع كمجاز رمزي لتضحيات الشعب ‏الفلسطيني من أجل القدس والتي تحتل الجزء الأسفل من الملصق.‏

‏   لقد كان التعبير عن قوة إرادة الشعب الفلسطيني في مواصلة النضال البطولي مهمة ملحة ‏أمام الملصق الفلسطيني، لذلك فقد عادت بسرعة إلى ملصق الانتفاضة صورة الحجر والشهداء، ‏ففي ملصق "حاتم السيسي شهيد الانتفاضة الأول: على طريق الحرية والاستقلال" ينطلق ‏الفنان "رودين" من الأحداث الأولى للانتفاضة الفلسطينية والتي كان من نتائجها سقوط أول ‏شهيد، حيث رسم مقاتل يحمل بيده حجر تتقدمه صورة شخصية للشهيد السيسي، وفي أعلى ‏الملصق يمتد شريط برتقالي اللون يرمز إلى الحرية والانتصار. والملصق الذي نفذ باللون (الأسود والأبيض والبرتقالي) يتميز من ناحية التكوين بالبساطة والاختزال في العناصر ‏المستخدمة، وهي قادرة على التأثير البصري والعاطفي على المشاهد.‏

‏    أما الملصق الثاني الذي عبر فيه عن يوم الشهيد "الوطن أو الشهادة.. سننتصر" فقد ‏احتل المقاتل الشهيد معظم مساحة الملصق، حيث غطى العلم الفلسطيني ملامح الوجه ‏باستثناء اليد التي تحمل الحجر كتعبير عن مضمون وصيته لرفاقه بمتابعة المسيرة حتى ‏تحرير الوطن.‏

‏   ويرسم الفنان رودين في ملصق ثالث بورتريه لمقاتل شهيد يفترش الأرض ويمسك بقبضة ‏يده على نقيفة وقد أزهرت بعض الوريقات الخضراء، ولا تكشف الكوفية عن ملامحه، وفي ‏أعلى الملصق رسم الفنان أدوات الجريمة والمتمثلة بأقدام جنود العدو.‏

‏   وفي ملصق آخر لنفس المناسبة وعلى خلفية زرقاء، وديناميكية الحركة التي تحققها ‏الخطوط الحرة اللينة للأيدي المرفوعة والمندفعة إلى الأمام رسم الفنان رودين الشهيد محمولا ‏على أكف الأيدي، إن حركات الأيدي التي تحمل الشهيد، تردد إيقاع مجموعة من أيادِ أخرى ‏رسمها الفنان في المقدمة، واحدة تحمل عصا وأخرى تقذف بحجر نحو العدو، كتعبير عن ‏مضمون وصية الشهيد لرفاقه بمتابعة مسيرته النضالية.‏

‏   إن دراسة ملصقات الفنان رودين توضح مدى سعيه إلى تطوير ملصقاته في الشكل ‏والمضمون كما سعى إلى الاختزال بالإضافة إلى أنه عمل على توظّيف يد الإنسان بكفاءة في ‏ملصقاته، وذلك بحكم قدرتها التعبيرية على تقديم تنوع في الدلالات، في أوضاعها المختلفة ‏التي تمكن من التعبير عن العديد من الموضوعات. وهذا ما يتضح في العديد من الملصقات، ‏مثال:‏

‏   ملصق "الحجر ينتصر للدم الفلسطيني"، حيث رسم يد تخرج من بركة دم، وتحمل حجراً ‏استعداداً لقذفه تجاه العدو الممثل في شكل جندي صغير الحجم بدت منه فقط الأقدام في أعلى ‏الملصق وظلاً يمتد بسلاح على بركة الدم التي صبغت بالأحمر كامل مساحة الملصق.‏

‏   وفي ملصق اليوم العالمي للطفل "المستقبل لأطفال الحجارة" والمرسوم على خلفية خضراء ‏موشاة بالأسود يبرز في يمين الملصق مقطع جانبي ضيق من جانب لجسم امرأة بزيها الشعبي ‏المطرز وهي تناول طفلتها الملتحفة بالكوفية الفلسطينية حجراً لتقذفه على العدو، وكأنها ‏تعطيها الدرس الأول في المقاومة.‏

‏   أما ملصق "المجد كل المجد لانتفاضة الشعب الباسل" المنفذ على خلفية سوداء فهو ‏عبارة عن تعميم واسع لنضال الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال، حيث يتحد فيه بوثوق الرسم ‏مع النص، وتتمثل الفكرة الفنية بمقاتل يحاول من خلال يده العملاقة قذف حجر نحو الهدف.‏

وهذا ينسحب أيضاً على الملصقات التالية: "إنهم يقتحمون السماء" و "الصمود والمواجهة" ‏و "عامان نحو الحرية والاستقلال".‏

‏   كما كانت موضوعات المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال حاضرة في ملصقات ‏الفنان "رودين" وبحكم أهميتها أنجز الفنان "رودين" العديد من الملصقات التي تعكس ‏معاناتهم وقوة الإرادة والتحدي لأحكام العدو القاسية، وإذا كانت الأيدي في معظم ملصقاته ‏تلعب دوراً كبيراً في أداء حلول عديدة متفردة كأن تتشقق الجدران لتصل شباك الزنزانة وقضبان ‏نافذتها المحطمة والملتوية للخارج أو الكوفية المربوطة في احد القضبان على شكل خارطة ‏فلسطين كرمز للحرية المرتقبة للأسير والوطن بكامله، وفي أثناء الانتفاضة الفلسطينية كشف ‏الفنان "رودين" في ملصقه "الحرية لرواد فجر الاستقلال" عن قدراته الفنية والتقنية عندما ‏رسم ملصقا صريحا ومؤثرا بصرياً بالأزرق والأبيض والأسود، حيث يجسد الفنان "رودين" ‏الفكرة من خلال مشهد يتألف من صورة من بورتريه لسجين يلبس الكوفية وعينه نحو نافذة ‏السجن التي تتألف من شباك وقضبان وشبك حديدي، وحجر يخترق الشبك ويكسر قضبان ‏النافذة، ويكشف الحجر في هذا الملصق عن مغزى ضياء الحرية المنشودة.‏

‏   إن بحث الفنان "رودين" في فترة الانتفاضة قاد إلى حلول تجريدية مختزلة وجذابة. كما ‏يتضح في ملصق "عمالنا درع الثورة والانتفاضة" وهو مكرس لمناسبة يوم العمال العالمي، ‏ويتألف الملصق من صخرة كبيرة "صخرة سيزيف"، بحيث تملأ منتصف مساحة الملصق، ‏وخلف الصخرة مجموعة من العمال بأدواتهم المختلفة يعملون على دحرجتها نحو دبابة ‏صهيونية تقبع في الزاوية اليمنى من الملصق، وجاء الحل الفني من خلال ثلاثة ألوان هي ‏الأسود والحمر والأبيض.. وقد امتاز الملصق كما هي ملصقاته السابقة ببساطة الفكرة وقوة ‏بلاغتها والتي عكست أهداف الانتفاضة في نضالها من اجل الحرية والسلام.‏

‏   كما ركز الفنان "رودين" على العمال والفلاحين والأطفال عمل على إبراز دور المرأة ‏الاجتماعي والسياسي في الانتفاضة، والتفاتة هذا الفنان الملحوظ لتجسيد نماذج المرأة في ‏المناسبات التذكارية.. لا يشير فقط إلى الرغبة في تكريس تقاليد إنسانية لتكريم المرأة، ولكن ‏إلى الاعتراف بدورها النضالي. فمثلا في ملصق "المجد لنساء الانتفاضة" المكرس ليوم المرأة ‏العالمي، يعتبر نموذج المرأة كمجاز تشكيلي للشعب الفلسطيني المنتفض ضد الاحتلال، حيث ‏رسم الفنان على خلفية برتقالية امرأة فلسطينية بثوبها الشعبي المطرز وهي ذات ملامح صارمة ‏تحمل بيدها اليمنى حجراً مشهراً في وجه الجنود الصهاينة.‏

‏    أخيراً، يعود الفضل في تعميم الحلول الفنية العرضية في الملصق الفلسطيني للفنان ‏السويسري "مارك رودين" كما تعتبر ملصقاته من النتاجات الهامة التي ساهمت في تطوير ‏الملصق الفلسطيني وبعودته إلى وطنه في منتصف تسعينات القرن الماضي، خسرت القضية ‏الفلسطينية فناناً كان له حضوره المهم على صعيد الملصق وعلى صعيد استقطاب الفنانين ‏العالميين لصالح القضية الفلسطينية.

* نشرت هذه المقالة قبل ستة أعوام، ونعيد نشرها تكريمًا للفنان السويسري - الفلسطيني مارك رودين "جهاد منصور، الذي رحل بتاريخ 8/4/2023