Menu

مؤتمر الديمقراطية وصراع القيم

د. محمد السعيد إدريس

في الوقت الذى تخوض فيه الولايات المتحدة الأمريكية معركتين لإحكام تفردها وسيطرتها على العالم دون أي منافسة من قوة أخرى، المعركة الأولى ضد روسيا في أوكرانيا، والمعركة الثانية مع الصين في منطقتي المحيطين الهندي والهادي، تخوض الولايات المتحدة معركة ثالثة لإحكام السيطرة على التوجهات العالمية السياسية والاقتصادية والفكرية والثقافية هذه المعركة التي تأخذ أحياناً شكل (الحرب النفسية والدعائية) أو تكون ضمن إطار «الصراع القيمي» أي الصراع على القيم العالمية عبر مسارين الأول يركز على السعي إلى «عولمة القيم» الأمريكية أي جعلها، دون غيرها، قيما عالمية الانتشار والتداول، والثاني توظيف منظومة القيم الأمريكية كأدوات اختراق وسيطرة على المجتمعات في العالم والتدخل في الشئون الداخلية للدول باعتبارها «القوة الحارسة» أو «القوة الحامية» لهذه القيم، سواء كانت قيما سياسية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية السياسية، أو كانت اقتصادية مثل فرض النموذج الاقتصادي الرأسمالي على العالم وتحويل الاقتصادات العالمية إلى اقتصادات تابعة، وتوظيف الهيئات والمؤسسات الاقتصادية العالمية التي تسيطر عليها مثل صندوق النقد الدولي وغيره لفرض التبعية والخضوع للهيمنة الأمريكية وثيقة «استراتيجية الأمن القومي» الأمريكي التي اعتمدتها إدارة الرئيس الحالي جو بايدن في أكتوبر الماضي، تضمنت النص على خوض هذه المعارك الثلاث باعتبارها أهدافا أمريكية عليا بالنص على أن الولايات المتحدة «ستقود العالم بقيمها» وأن الولايات المتحدة «لن تترك مستقبلها عرضة لأهواء أولئك الذين لا يشاركونها رؤيتها للعالم». وإذا كانت هذه الاستراتيجية قد حددت ثلاثة أهداف أمريكية عليا تسعى لتحقيقها هي حماية الشعب الأمريكي، وتوسيع الازدهار الاقتصادي وتكريس القيم الديمقراطية، فإن الهدف الثالث الأخير، أي هدف تكريس الديمقراطية يتجاوز الداخل الأمريكي إلى الأفق العالمي الأوسع، حيث جاء التأكيد بأن «الولايات المتحدة ستستمر في الدفاع عن (الديمقراطية) في جميع أنحاء العالم». كان المبرر الأول لاستخدام هذا السلاح عندما قررت الولايات المتحدة في إدارة الرئيس بيل كلينتون التي أعقبت إدارة الرئيس جورج بوش الأب التدخل في دول العالم تحت راية «التدخل لأسباب إنسانية» متجاوزة النص المؤكد عليه في ميثاق الأمم المتحدة بعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول. لكنها في عهد جورج بوش الابن تجرأت أكثر ورفعت شعار «التدخل للدفاع عن الديمقراطية» كان هذا هو الغطاء الذى استخدم لتبرير الغزو الأمريكي- البريطاني للعراق عام 2003 بعد انكشاف أكذوبة السبب الأول المعلن لهذا الغزو وهو «امتلاك العراق أسلحة دمار شامل». واستخدام ذات الشعار لإسقاط نظم حكم معارضة لأمريكا في كل أنحاء العالم منها ليبيا و السودان وسوريا وكثير من دول أفريقيا وأمريكا اللاتينية، لذلك لم يكن غريبا أن يأتي الرئيس الأمريكي جو بايدن، وفى الصراع مع روسيا والصين ليجدد خوض «معركة الديمقراطية» على النحو الذي كشفته مجريات «القمة الديمقراطية» الثانية التي تزعمها الرئيس بايدن (28 مارس 2023). فقد تعمد الرئيس الأمريكي بتقديم 690 مليون دولار لتعزيز برامج الديمقراطية في جميع أنحاء العالم، وأن التمويل الجديد سيركز على البرامج التي تدعم وسائل الإعلام الحرة والمستقلة ومكافحة الفساد وتعزيز حقوق الإنسان وتطوير التكنولوجيا التي تعمل على تحسين الديمقراطية. وقال بايدن في افتتاح هذه القمة، التي عقدت افتراضيا، أن الولايات المتحدة والحلفاء «يمرون بلحظة حرجة تحتاج فيها الديمقراطيات إلى إثبات قدرتها على تجاوز الأنظمة الاستبدادية». وفى ذات الكلمة هاجم بايدن ما يعتبره «الغزو الروسي لأوكرانيا»، وأشار إلى أنه سيعمل مع الكونجرس الأمريكي لتخصيص 9٫5 مليار دولار لتعزيز الديمقراطية في جميع أنحاء العالم، أي أنه سيخوض معركة التدخل في الشئون الداخلية للدول تحت غطاء الدفاع عن الديمقراطية ومحاربة نظم الحكم المستبدة بتمويل قدره 9٫5 مليار دولار على مدى السنوات المقبلة، وبالطبع أبرز النظم الاستبدادية وفق الأدبيات السياسية الأمريكية في الوقت الحاضر هي روسيا والصين، حيث بدأ الترويج لحرب جديدة عالمية بديلة أو بموازاة الحرب ضد «الإرهاب الإسلامي» هي الحرب ضد الاستبداد، لذلك لم يكن غريبا أن تحظى هذه المعركة باهتمام القمة الصينية- الروسية التي جمعت الرئيسين الصيني شي جينج بنج والروسي فلاديمير بوتين في موسكو. فقد اتهم الزعيمان الولايات المتحدة (وفق الإعلان الصادر عن هذه القمة في 21/3/2023) بـ «تقويض الأمن العالمي عبر السعي إلى نشر صواريخ في دول عدة بهدف الاحتفاظ بالأفضلية العسكرية الأحادية الجانب» كما أكد البيان أن روسيا والصين «تعارضان فرض دولة واحدة لقيمها على دول أخرى» مؤكدين «رفض التدخل الخارجي في الشئون الداخلية للدول». اللافت أن قمة الديمقراطية التي عقدها الرئيس الأمريكي التي أكدت دعم السعي لتحقيق ما سمته «التجدد الديمقراطي في العالم» تجئ في وقت أضحى فيه النموذج الأمريكي للديمقراطية في أسوأ حالاته سواء من ناحية الوضع الديمقراطي الداخلي في الولايات المتحدة أو من ناحية مصداقيته العالمية، فالديمقراطية داخل أمريكا باتت الآن في أسوأ حالاتها بشهادة السيناتور الأمريكي برنارد سوندرز، الذى كشف في محاضرة مهمة مظالم النظام الأمريكي وانسحاق الطبقة العاملة والطبقة الوسطى في ظل «حكم الأقلية» المسيطرة على الثروة والسلطة. وفسر ذلك بقوله «نحن نتجه إلى نظام حكم أوليجاركى (حكم الأقلية) يسيطر عليه عدد قليل ممن يملكون المليارات من الدولارات.

أما التمييز العرقي ضد أصحاب البشرة السوداء من الأمريكيين فيفوق كل تصور، هذا يحدث في ظل انحياز أمريكي مفرط لدعم المستبدين الحلفاء في معظم دول العالم. المثال الصارخ على ذلك أن بنيامين نيتانياهو رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي في هذا الوقت بالذات الذى تشهد فيه الأراضي الفلسطينية المحتلة أحداثا عصيبة كان من أبرز المشاركين في قمة بايدن الديمقراطية وخير شاهد على مدى زيف هذه الديمقراطية.