Menu

أميركا والخليج... اهتزازُ الصورة

رضي الموسوي

نشر هذا المقال في العدد 48 من مجلة الهدف الإلكترونية

تشهدُ العلاقات الأمريكيّة الخليجيّة خضّاتٍ واهتزازاتٍ تسبّبت في حالاتٍ من الارتباك، وسوء فهم مواقف طرفي العلاقة حول بعض الأحداث الكبرى وآخرها الحرب الروسية الأوكرانية، وبرنامج إيران النووي والاتفاق السعودي الإيراني الذي وقع مؤخّرًا في بكين برعاية الصين. كما أن هناك أحداثًا كبرى عالقة في أذهان الأمريكان والخليجيين، الذين وصفت بعض حكوماتهم السلوك الأمريكي بأنه نوعٌ من الابتزاز الأمريكي المتواصل للعواصم الخليجيّة.

ويمكنُ قراءة بعض الأحداث انطلاقًا من هذا المنظار. فبعد الهروب الفوضوي الكبير من أفغانستان الذي نفذته القوات الأمريكية نهاية أغسطس/آب 2021، أُصيب حلفاء واشنطن في المنطقة العربية بالذعر والقلق والتوجّس من الأيام التالية لهذا الهروب، فأخذت تلك العواصم تراقب عن كثب مصير النظام الأفغاني التابع، وهو يتهاوى على أيدي مقاتلي حركة طالبان، التي سرعان ما استلمت الحكم ومعه الكثير من العتاد العسكري الذي لم يتسنَّ للقوّات الأمريكيّة أخذه، وهي تستعجلُ الهرب في مشهدٍ هوليودي يُذكّر بالهزيمة النكراء التي منيت بها في فيتنام منتصف سبعينات القرن الماضي.

صحيحٌ أنّ القوّات الأمريكيّة احتلّت أفغانستان مدّة عشرين عامًا على خلفيّة انفجارات برج التجارة العالمي في نيويورك، لكنّها، وطوال سنوات الاحتلال لم تتمكن من إبقاء النظام التابع لها، إذ سقط هذا سريعًا، وتبخّر وهرب أقطابه وتواروا عن الأنظار أو تمَّ إلقاء القبض عليهم بعد أن هربت طائرات البنتاغون دونهم. في هذا الوقت كانت دول مجلس التعاون الخليجي تتفحص التصريحات الأمريكية الكثيرة التي تفيد بعزم واشنطن الانسحاب من الخليج والاتّجاه شرقًا لمواجهة التنين الصيني الذي يحقّق انتصاراتٍ اقتصاديّةً متلاحقةً ويسعى لإحكام سيطرته على بحر الصين الجنوبي وما حوله حفاظًا على مصالحه الاستراتيجيّة، حيث تمرُّ ثلث التجارة البحرية العالمية عبر هذا البحر، أو 3.37 تريليون دولار من التجارة العالمية، كما تعبر 80 بالمئة من واردات الصين من الطاقة، ونحو 40 بالمئة من تجارتها. السعي الصيني هذا يزعج البيت الأبيض ويفرض عليه التحرّك بسرعة للجمِ شهيّةِ بكين نحو التمدّد في جنوب شرق آسيا، فضلًا عن أغلب الدول بعد أن تحوّلت إلى مصنعٍ للعالم، وأضحت المنافس الوحيد للولايات المتحدة؛ إذ تشير كل التقديرات والتحليلات والتنبؤات بأن تربع الصين على عرش الاقتصاد العالمي ليست سوى مسألة وقت، خصوصًا أنّ الاقتصاد الأمريكي قد هرم ويعاني من دينٍ عام محلي يبلغ 31.4 تريليون دولار في مطلع العام الجاري متجاوزًا الناتج المحلي البالغ 31 تريليون دولار، مقابل ناتجٍ محليٍّ صيني يبلغ 17.94 تريليون دولار في 2022، والصين دائن للولايات المتحدة بمبلغ 1 تريليون دولار، وتأتي بعد اليابان أكبر دائن لأمريكا، ويبلغ دينها 1.3 تريليون دولار.

ربّما تفسّر هذه المعطيات الهزة الحاصلة في العلاقات الأمريكية الخليجية، خصوصًا بعد أن رعت بكين اتّفاقًا يقضي بإعادة العلاقات الديبلوماسية بين الرياض وطهران، تسبب في تشنّجٍ أمريكيّ غير معلن، وعبرت عنه الدوائر الأمريكية المختلفة، وكأنّه "العذاب على شفاه تبتسم"، حيث رحبت أمريكا بهذا الاتفاق ولكن على مضض. فواشنطن تتصرف انطلاقًا من مبدأ: "إن لم نتحرّك الآن فسيأكلون غذاءنا"، كما يقول الرئيس جو بايدن، وهو يقصد الصينيين الذين يتمددون في كلّ مكان.

تعود العلاقاتُ الأمريكيّة الخليجية إلى ثلاثينات القرن العشرين، وقد تبلورت أكثر عندما اجتمع مؤسس المملكة العربية السعودية الرحوم الملك عبد العزيز آل سعود مع الرئيس الأمريكي الأسبق فرانكلين روزفلت في فبراير 1945 على ظهر البارجة الأمريكية كوينتسي في البحر الأحمر، ودخول شركات النفط الأمريكيّة إلى المنطقة لاستخراج النفط الخام، حيث بدأت الاكتشافات في البحرين سنة 1932 وتلتها السعودية فباقي دول مجلس التعاون الخليجي، فكان ذلك بداية الاختراق الأمريكي الجدي للمنطقة.

بعد الحرب العالمية الثانية اصطفّت دول الخليج العربيّة مع الولايات المتّحدة وحلف شمال الأطلسي ضدّ الاتّحاد السوفييتي وحلف وارسو، وتم استثمار الأيدلوجيا واستغلالها وتوظيفها في الصراع الدولي، فاشتغلت الماكينة الإعلامية والسياسية الغربية وتوابعها على شيطنة المعسكر الاشتراكي وحركات التحرّر العالميّة ومن بينها حركات التحرّر العربيّة، وذلك لمحاصرة الحاضنة الشعبية لهذه الحركات وتطويقها وتجفيفها، وفرض الأمر الأمريكي الواقع، حتى وإن تطلّب ذلك حياكة المؤامرات لقلب أنظمة الحكم، وفرض الديكتاتوريات، مثل ما حصل في إيران عندما نفذت المخابرات الأمريكيّة والبريطانيّة انقلابًا على رئيس الوزراء محمد مصدق عام 1952، وأعادت الدكتاتور شاه إيران إلى سدّة الحكم.

وبالتوازي كان الوطن العربي يمور بأحداثٍ كبرى أهمّها ثورة 23 يوليو المصريّة بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر الذي أعاد الاعتبار للأمّة العربيّة، وعمل على تحصين عزّتها وكرامتها، ففرض معادلاتٍ جديدةً قادت الدول الاستعمارية إلى التخطيط للتخلص منه، ومحاصرة نظامه، فسارعت ونفذت العدوان الثلاثي عام 1956، بعد قرار تأميم قناة السويس، حيث شارك في العدوان كلٌّ من بريطانيا وفرنسا والكيان الصهيوني، ثم جاءت نكسة حزيران 1967 لتقوض النظام القومي الناصري لتستكمل بمجازر أيلول ضد المقاومة الفلسطينية في الأردن.

شهية الصراع المفتوحة:

لم يكن الخليجُ العربيّ وقتها هادئًا. كانت الثورة العُمانيّة التي انطلقت في التاسع من يونيو/ حزيران 1965 بقيادة الجبهة الشعبيّة لتحرير عمان والخليج العربي قد أسّست لها قواعد ومناطق محرّرة في ظفار، الإقليم الجنوبي من عُمان، وخاضت معارك طاحنة ضدّ القوّات البريطانيّة والأردنيّة والإيرانيّة والسلطانيّة، حتى تم إجبار قوات الثورة على الانكفاء إلى المحافظة السادسة في اليمن الديمقراطي (الجنوبي) بعد أن فقدت الكثير من كوادرها ومقاتليها والمناطق المحرّرة التي كانت تحت سيطرتها.

أما في البحرين فقد كانت الحركة الوطنية تواجه الاستعمار البريطاني وأعوانه، وقد تجلّى ذلك في قيام حركة هيئة الاتحاد الوطني التي تشكّلت حركةَ تحرّرٍ ولقطع الطريق على سياسة التفرقة التي تمارسها بريطانيا انطلاقًا من المبدأ الشهير "فرق تسد"، فجاءت قيادة الهيئة موحّدةً من الطائفتين الكريمتين، السنّة والشيعة، فتشكّلت من مائة شخصيّةٍ وطنيّة، انتخبت في نوفمبر/تشرين الأوّل عام 1954 الهيئة التنفيذيّة العليا (المكتب السياسي) من ثمانية أشخاص وحددت مطالبها الوطنيّة الرئيسيّة وركّزتها في أربعة: تأسيس مجلسٍ تشريعيّ، وضع قانون عام للبلاد؛ جنائي ومدني، السماح بتشكيل نقابةٍ للعمّال، وتأسيس محكمةٍ عليا للنقض والإبرام. لكن، تمَّ الانقضاض عليها في نوفمبر 1956، وتمَّ اعتقال قيادتها ونفي ثلاثة منهم إلى جزيرة سانت هيلانة في المحيط الهندي، وعادت المعارضة البحرينيّة إلى تفعيل نشاطها ونظّمت صفوفها وتفجّرت انتفاضة 5 مارس 1965، في مختلف مناطق البحرين إثر إقدام شركة النفط (بابكو) على تسريح مئات العمال؛ الأمر الذي فجّر الأوضاع العماليّة والشعبيّة.

ومع أفول نجم "الإمبراطوريّة التي لا تغيب عنها الشمس"، قرّرت بريطانيا في 1968 عزمها على الانسحاب من شرق السويس ومن ضمنها الانسحاب من إمارات الخليج العربي، ونفّذت انسحابها في الربع الأخير عام 1971، فانسحبت من البحرين والإمارات و قطر . وبعد إعلان الانسحاب البريطاني من الخليج، ادّعت إيران الشاه بأنّ البحرين تابعةٌ لها، لكن الشعب البحريني العروبي قال كلمته الفصل أمام لجنة تقصّي الحقائق الأمميّة إنّ: البحرين دولةٌ عربيّةٌ إسلاميّةٌ ذات سيادة، وهي جزءٌ من الوطن العربيّ الكبير. لُجمت أطماع الشاه في البحرين إلا أنّه انقضَّ على الجزر الإماراتيّة الثلاث ليحتلّها: طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى.

وفي الكويت التي تعدُّ أقدم إمارةٍ في الخليج تتمتّع بمجلسٍ نيابيٍّ (مجلس الأمة)، تمكن الكويتيون من صياغة دستورٍ في نوفمبر 1962، أنجزه المجلسُ التأسيسي، وعدّ هذا الإنجاز القضية المركزية في تاريخ الإمارة، التي حددت العلاقة بين الحاكم والمحكوم. وقد صدّق الأمير الراحل الشيخ عبد الله السالم على الدستور. ورغم العديد من المحطّات والمطبّات التي واجهت الكويت وحركتها الوطنيّة إلّا أنّها كانت منارةً في الخليج العربي من حيث احتضانها لحركة القوميين العرب وانطلاقة الثورة الفلسطينية والتزامها بدعمها، وذلك بفضل وجود كوادر مناضلةٍ متقدّمةٍ أمثال د. أحمد الخطيب وعبد الله النيباري وسامي المنيس وأحمد الربعي وأحمد الديين وغيرهم من الذين أسّسوا في الستينات مجلّة الطليعة لتكون صوت حركة القوميين العرب في الخليج. لكن مغامرة النظام العراقي السابق باجتياحه الكويت في أغسطس /آب1990 غيرّت الكثير من المواقف والأولويات.

لقد استثمرت الولايات المتّحدة الأمريكيّة خطيئة اجتياح الكويت بأقصى ما أوتيت من خبثٍ وقوةٍ ومؤامرة، فحضّرت لتشكيل التحالف الدولي ودفعت الدول العربيّة لتشارك في التحالف الدولي الذي لم يكتفِ بطرد القوات العراقية من الكويت، إنّما قام بعمليّة تدميرٍ ممنهجةٍ للعراق وجيشه وبناه التحتية؛ لتتأسسَ أرضيّةٌ صلبةٌ مهّدت لعقد مؤتمر مدريد في 1990، الذي عبّد الطريق إلى اتفاقات أوسلو 1993 ووادي عربة 1994 والاتفاقات الإبراهيمية في 2020 بين كل من الإمارات والبحرين وبين الكيان الصهيوني.

الوجود المتذبذب:

استتباب الأمور للولايات المتحدة الأمريكية على رأس النظام الرأسمالي العالمي بعد الحرب الكونية الثانية وتراجع الدور البريطاني، شجّعها على إرسال أساطيلها لمنطقة الخليج تحت يافطة تأمين تدفّق النفط إلى المستهلكين في مختلف أنحاء العالم. لكن واشنطن لم تلتفت، وهي في أتون الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي، إلى مبادرة ليونيد بريجنيف الأمين العام للحزب الشيوعي السوفيتي عام 1980، التي دعا فيها بأن يكون الخليج العربي بحيرةَ سلامٍ وخاليًا من الوجود العسكري الأجنبي. فعلى العكس من ذلك، زاد هذا الوجود وغص الخليج بالقواعد العسكرية الأمريكية، فضلًا عن البوارج الحربية وحاملات الطائرات، وتمركز القوّات وبناء مخازن للعتاد والقوات. صحيح أن الأولوية الأمريكيّة اليوم لتعزيز قوّاتها في القواعد المنتشرة في أوروبا وآسيا خصوصًا القريبة من الصين التي وجّهت صفعةً كبرى برعايتها التفاهم الإيراني السعودي في بكين قبل عدة أسابيع، وألزمت بذلك إدارة بايدن إعلان تأييدها رغم الغصة التي وقفت في بلعوم البيت الأبيض.

والصحيحُ أيضًا أنّ القدرات الصاروخيّة الإيرانيّة تتطوّر بسرعة؛ الأمرُ الذي يضع الإدارة الأمريكيّة في زاويةٍ حرجة. فهي تتخوّفُ من فقدانها النفوذ في منطقة الخليج التي ما تزالُ تشكّلُ عمقًا استراتيجيًّا لتدفق الطاقة نحو الدول الغربية وجنوب شرق آسيا بما فيها الصين والهند، وهذا أمرٌ يجعل من عمليّة الانسحاب الأمريكي من الخليج على غرار الهروب الكبير من أفغانستان أمرًا مستبعدًا. لذا، تعيد الدوائر الأمريكيّة، المتصلة بصنع القرار، النظر في عزم واشنطن مغادرة الخليج بحلول 2030، أي بعد سبع سنوات. هذه فترةٌ لا تكفي لانسحابٍ منظّمٍ غير فوضويّ، خصوصًا أنّ الرهان على أن يملأ الكيان الصهيوني الفراغ، مسألة غير واردة؛ بسبب الرفض الشعبي العارم للتطبيع مع الصهاينة رغم انزلاق بعض الأنظمة لذلك، كما أن الكيان يواجه اليوم تحدّيًا وجوديًّا داخليًّا لا يقلُّ خطرُهُ عن تهديد الصواريخ الإيرانيّة التي يسعى الكيان لتدميرها في مرابضها؛ انطلاقًا من الدول الخليجية المطبعة؛ الأمرُ الذي يعني إشعال فتيل الحريق في منطقةٍ تنتج أكثر من 27 مليون برميل يوميًّا (دول مجلس التعاون الخليجي + العراق وايران) من النفط الخام، تشكّلُ أكثر من 27 بالمئة من الإنتاج العالمي البالغ 99 مليون برميل يوميًّا. ومع احتمالية تخفيض الإدارة الأمريكية حجم وجودها في المنطقة، التي يتزامنُ معها تهديداتٍ صهيونيّةً بتشكيل أحلافٍ إقليميّةٍ تستهدفُ إيران، تكون ثماني قواعد عسكرية أمريكية منتشرة في دول الخليج، فضلًا عن التسهيلات التي تمنحها الموانئ الخليجية لهذه القوات... تكون هذه جميعها في مرمى الصواريخ الإيرانية إذا نشب نزاع، ولن يكون الكيان بمأمن.

إنّ فرضية ابتعاد واشنطن عن الخليج، ربّما يعاد النظر فيها بجدٍّ أكبر بعد الاتفاق السعودي الإيراني برعاية الصين، التي سبق وأن وقعت مع طهران اتّفاقًا مدّته 25 سنة، ويبلغ حجمه أكثر من 400 مليار دولار، بينما تمتلك الرياض علاقاتٍ نفطيّةً مهمّةً واتفاقيّاتٍ مع بكين لا تقلُّ أهميّةً عن الاتفاقية التي تربط الأخيرة بإيران. ويبدو أنّ هذه المعطيات لا تساعد الإدارة الأمريكيّة على الاستمرار في دور الراعي الأوحد لدول مجلس التعاون الخليجي، بل ربما تساعد هذه الدول على الإفلات من التبعية والابتزاز، إن هي أرادت ذلك وقررت الخروج من الوصاية الأمريكية والمساهمة في تشكيل عالمٍ متعدّد الأقطاب والتوجّه شرقًا.