Menu

الحاجةُ والضرورةُ في الاتّفاق السعوديّ الإيراني

نشر هذا المقال في العدد 48 من مجلة الهدف الإلكترونية

"إنّ الاتّفاقَ هو بمثابةِ نصرٍ للحوار ونصرٍ للسّلام؛ والصينُ ستواصل تأدية دورٍ بنّاءٍ في التعامل مع القضايا الشائكة في العالم، وستظهر تحليَها بالمسؤوليّة بصفتها دولةً كبرى.. العالمُ لا يقتصر فقط على قضيّة أوكرانيا".

(كبير الدبلوماسيين الصينيين وانغ يي)

يُدرك الساسةُ والمراقبون جيّدًا أنّ الصين لا تهرول عبثًا وهي تدفعُ بزعيمها الأول ليرعى وساطةً جادةً ومضنيةً بين السعودية وإيران ويوصلهما إلى تفاهماتٍ بلغت حد الاتفاق على طبيعة التصريحات التي أعلنت تدشين الاتفاق العتيد. اتّفاق يراهن أبناء المنطقة على تفعيله من أجل وضع حدٍّ لاستنزاف بلدانها والمنطقة العربيّة برمّتها، وإنهاء حالة الاصطفاف التي شرذمة الأمّة وجعلتها لقمةً سائغةً للمطامع الأجنبية، وفي مقدمتها المطامع الصهيونية، التي تمارس اختراقاتٍ كبرى على طريق التطبيع مع العدوّ الصهيونيّ. لقد كان الحرص واضحًا على إنجاز التفاهمات والوصول إلى خواتيمَ طيّبةٍ للأمور بما يتماشى مع متطلّبات تبريد الساحة، ويرضي راعي الاتفاق، ما قاد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان التأكيد على "أن دول المنطقة يجمعها مصيرٌ واحدٌ يجعلُ من الضرورة أن تتشارك لبناء نموذجٍ للازدهار". وفي السياق المتفائل ذاته أكد وزير الخارجية الإيراني أمير عبد أللهيان أن "سياسة حسن الجوار أمرٌ محوريٌّ، ونواصل العمل نحو مزيدٍ من الخطوات الإقليميّة... وعودة العلاقات الإيرانيّة السعودية توفّر إمكاناتٍ كبيرة للمنطقة والعالم الإسلامي".  

بعد أيام على الاتفاق، قال مسؤول سعودي، نقلته قناة (العربية): إن "أهم النقاط في الصفقة مع إيران أنها سرية، ولا يمكن الكشف عنها". وقالت صحيفة واشنطن بوست في تقريرٍ لها بعد يوم من توقيع الاتفاق "إن بعض المراقبين رأوا في إدراج الصين ضمن الاتفاقية ازدراءً صحيحًا للإدارة الأميركية، التي توتّرت شراكتها الطويلة مع السعودية بعد مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي عام 2018. أما نائبة الرئيس ومديرة السياسة الخارجية في معهد "بروكينغز" سوزان مالوني، فقالت "إن ما هو ملحوظ بالطبع، هو قرار منح الصينيين انتصارًا كبيرًا في العلاقات العامة - صورة فوتوغرافية تهدفُ إلى إظهار مكانة الصين الجديدة في المنطقة (..) بهذا المعنى، يبدو أنها صفعةٌ سعوديّةٌ أخرى بوجه إدارة بايدن". أما المسؤول الأميركي السابق جيفري فيلتمان فيؤكّدُ الهواجس الأمريكية بالقول "إنّ دور الصين، وليس إعادة فتح السفارات بين الرياض وطهران، كان الجانب الأهم في الاتفاقية. سيتم تفسير ذلك على أنه صفعة لإدارة بايدن، ودليل على أن الصين هي القوة الصاعدة".

طعنةٌ في الخاصرة:

لم يكن الوصولُ للاتّفاق أمرًا طبيعيًّا، فبعد سبع سنواتٍ عجافٍ اتّسمت بالقطيعة والخصومة، تفاجأ العالم بإعلانٍ صدر من العاصمة الصينيّة بكين يؤكّد توصل الرياض وطهران إلى اتفاقٍ يقضي بإستئناف العلاقات الدبلوماسيّة بين البلدين، وإعادة فتح سفارتيهما في غضون شهرين من إعلان الاتفاق. ورغم اطّلاع الرياض حلفاءها على تطوّر المفاوضات، وتوصل الجانبين إلى اتّفاق، إلا أنّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة، ورغم ترحيبها الشكلي، شعرت وكأنّ طعنةً في الخاصرة قد وجهت لها من أحد أهم حلفائها في المنطقة، في وقتٍ كانت واشنطن تشدّد فيه الحصار على إيران، وتضع المزيد من مؤسّساتها وشخصياتها في القائمة السوداء التي يجب ملاحقة عناصرها ومعاقبتهم. لم تكترث الرياض كثيرًا بالتحذيرات من الشروع في إيجاد طريقٍ آخر غير القطيعة والخصومة التي أنهكت المنطقة ووضعتها على صفيحٍ ساخنٍ أمنيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا ومن ثَمَّ اجتماعيًّا، بل مضت في هذه الخطوات، وهي تدرك أنها تسهم في فك الحصار، ولو جزئيًّا، عن إيران التي يزداد تحالفها مع روسيا خصوصًا في حرب أوكرانيا. هذه الحرب التي ترى فيها واشنطن فرصةً لاستنزاف موسكو، وايقاع الهزيمة بها وبأسلحتها.

لماذا يوقع هذا الاتفاق الآن؟ وهل هو ضرورةٌ أم حاجة؟ ولمن؟ وأي أهداف سيحققها البلدان، السعودية وإيران؟ وماذا حصدت الصين من اتفاق يعلن من عاصمتها بعد أيام من رفض امريكا والغرب لوساطتها في الحرب الروسية الأوكرانية؟ وهل خسرت الولايات المتحدة الأمريكية بعض من هيبتها بإعلان الاتفاق من بكين؟ وأسئلة أخرى تراود المراقبين الذين يتابعون التطورات الدراماتيكية التي تشهدها منطقة الخليج العربي.

تفاؤل حذر:

منذ عام 2021، والمفاوضات واللقاءات المعلنة وغير المعلنة تعقد في العراق بين الجانبين السعودي والإيراني. تارة ترشح بعض التسريبات لتفاؤل حذر يوفر احتمال حصول اختراق في جدار العلاقة المتوترة بين الجانبين منذ عقود، وتارة أخرى يتراجع منسوب التفاؤل ويتحول إلى تشاؤم، نظرًا لما كانت تشهده ساحات "الاحتكاك" من تصادمٍ وتصعيد، سواءً كان في اليمن أو لبنان أو سوريا أو حتى في العراق نفسه. أفضت لقاءات ربع الساعة الأخيرة إلى "اتفاق بكين" الذي تم برعايةٍ مباشرةٍ من الرئيس الصيني شين جين بينغ، وتحمل أكثر من مغزى ودلالات، حيث وضع ثقل بلاده ومكانتها الدولية (مصنع العالم وثاني اقتصاد بعد الاقتصاد الأمريكي ومرشح أن يزيحه في قادم السنوات)، لينجز هذا الاتفاق الذي تتطلبه الحاجة والضرورة لكل من الصين والسعودية وإيران. فماذا تريد بكين؟

تبحث الصين عن الاستقرار لواحدة من أهم مناطق العالم التي تمده بالطاقة. وهي تعتبر بالنسبة للصين منطقة استيراد الطاقة، وفي نفس الوقت منطقة تستقبل السلع والبضائع الصينية المصدرة، فهي تستورد النفط من إيران والسعودية.. وروسيا أيضا. فقد أظهرت بيانات منصة (آرغوس ميديا) المتخصصة في شؤون الطاقة "أن واردات الصين من النفط الإيراني، عبر ماليزيا، بلغت 1.2 مليون برميل يوميًّا في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2022، بفضل زيادة الطلب من مصافي التكرير بمقاطعة شاندونغ"، بعد أن خففت بكين قيود جائحة كوفيد19، وهذا يترجم الاتفاق الاستراتيجي بين الصين وإيران الموقع في 2021 الذي يبلغ حجمه 400 مليار دولار. ويأتي ذلك بينما تضغط واشنطن على بكين للتراجع عن استيراد النفط الإيراني والالتزام بالعقوبات التي أعلنها البيت الأبيض بعد الانسحاب من الاتفاق النووي في عهد الرئيس دونالد ترامب. وتشير التقارير الصادرة عن الشركات المتخصصة في تتبع تدفقات النفط حول العالم، إلى زيادة حجم صادرات طهران من الخام إلى الصين خلال الأشهر الثلاثة الماضية (ديسمبر ويناير وفبراير)، لكن بيانات شركات "فورتيكسا" و"تانكر تراكرز" و"كبلر" تقدر حجم الصادرات الإيرانية بنحو مليون برميل يوميًّا، يضاف لها ما لم تتمكن هذه المنصات من الكشف عنه. إضافة لذلك كانت زيارة الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي إلى الصين منتصف فبراير/ شباط الماضي مناسبة لتأكيد طهران على تعزيز علاقتها مع الصين عبر المزيد من الاتفاقيات الاقتصادية. وقال أحد كبار مستشاري الاستخبارات الإيرانية أن طهران ستزود الصين بنحو 15 ألف طائرة مسيرة. وتفيد التقارير أن صادرات إيران إلى الصين قد زادت بنسبة 10 بالمئة في 2022 فبلغت الصادرات غير النفطية 12.8 مليار دولار، بينما بلغت وارداتها 12.7 مليار دولار.

من المعروف أن إيران تتمتع بقدرات تصنيعية مهمة في مجال السلاح وفي الحقل النووي، إذ رشحت أنباء عن تسلمها لبعض العتاد الأمركي والغربي الذي غنمته روسيا في أوكرانيا وبدأت طهران بفتح خطوط إنتاج لصواريخ ستينغر المضادة للطائرات والمروحيات والمسيرات، وكذلك لصواريخ جافلين المضادة للدروع، وهي تهيء نفسها لتسلم طائرات سوخوي 35 الروسية المتطورة، ما يعزز دفاعاتها الجوية ويزيد أوراق طهران التفاوضية.

مصاعب اقتصادية:

لكن، تواجه إيران وضعًا اقتصاديًّا واجتماعيَّا متدهورًا لا تنكره القيادة العليا في طهران، ومنها نسب التضخّم المتصاعدة التي بلغت الشهر الماضي 52 بالمئة وفق تقرير مركز الإحصاء الإيراني، الذي أكّد أن معدل التضخم خلال شهر "بهمن" الإيراني (ينتهي 21 فبراير) قد بلغ 52.7%، بزيادة 1.2% مقارنة بالشهر السابق، وبلغ معدل التضخم السنوي 47.7%، حيث ارتفع بنسبة 1.4% مقارنة بالعام الماضي"، وهي نسبة تضغط كثيرًا على الاقتصاد الوطني وتزيد من المصاعب الاجتماعية التي ضاعفت عدد الفقراء والبطالة التي تنهش في أجساد الايرانيين، حيث يعاني قرابة مليون خريج جامعي من البطالة وينتظرون فرص عمل يلتحقون بها وقد طالت وأضيف لهم خريجون جدد.

وعلى صعيد العلاقات السعودية الصينية، يتزايد استيراد الصين من النفط السعودي، ليصل في أبريل/نيسان 2022 نحو 2 مليون برميل يوميًا، مقابل 1.61 مليون برميل يوميًا في مارس/آذار، وفق بيانات صادرة عن الإدارة العامة للجمارك الصينية. ومن المتوقع أن يصل طلب الصين على النفط إلى 15.7 مليون برميل يوميًا في العام الجاري 2023، بزيادة قدرها 700 ألف برميل يوميًا عن الطلب في عام 2022. كما يتوقع أن يستمر الطلب الإجمالي في عام 2024 في الزيادة بمقدار 500 ألف برميل يوميًا، مقارنةً بمستويات عام 2023، حسب وكالة (إس آند بي غلوبال).

كما زاد التبادل التجاري بين البلدين، وقد أكد ذلك اتحاد الغرف السعودية في ديسمبر/كانون أول 2022، عندما كشف "أن حجم التبادل التجاري بين السعودية والصين خلال السنوات الخمس الماضية خلال الفترة الممتدة من 2017 إلى 2021 بلغ 1.2 تريليون ريال (320 مليار دولار)، ما يعكس متانة الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية وتنوع الفرص التجارية والاستثمارية لدى البلدين". وزاد حجم التجاري بين البلدين في 2021 وحده إلى 87.3 مليار دولار، كما زاد حجم التبادل التجاري بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة إلى 235.7 مليار دولار في نهاية 2021، لتصبح أكبر شريك لدول المجلس بعد أن أزاحت الاتحاد الأوروبي من المركز الأول من العام 2020.

لا شكَّ أن الصين لن تفرط في هذا الإنجاز الذي يتطور وينمو باضطراد، حيث وجدت في الحرب الروسية الأوكرانية فرصة للدخول في أكثر من منطقة من العالم مدججة بصناعاتها وامكانياتها المالية الضخمة، غير مكترثة بتحذيرات أمريكا من التعامل مع إيران، وغير آبهة بتجنيد واشنطن أوكرانيا والدول الغربية لإعلان رفض الوساطة الصينية في الحرب القائمة مع روسيا، بل أكدت على لسان مسؤولييها "أن أوكرانيا ليست كل العالم"، في إشارة إلى رفض الموقف الأمريكي الذي يحاول التشبث عبثا بزعامة العالم بينما يواجه تحديات جدية تنذر بإزاحة واشنطن من زعامة العالم خلال السنوات المقبلة لصالح الصين.

عالم متعدد الأقطاب:

وحيث يفرز الصراع السلمي والدموي عالمًا متعدد الأقطاب، ويبرز دور الصين قوّةً كبرى قادرة على اجتراح الحلول الاقتصادية والاجتماعية، وفي خلق البدائل المناسبة في أكثر من منطقة من العالم والثقة بها كشريك موثوق متمكن من تنفيذ التزاماته، فقد وجدت كل من السعودية وإيران في هذا الشريك، الذي لا يهرول عبثًا، ملاذًا آمنًا للشروع في مرحلة من العلاقات القادرة على إخراج إيران من حصارها وإدخالها في عالم العلاقات المتوازنة مع دول الجوار الخليجي، فالجغرافيا تحكم وتفرض سطوتها وقرارها على الجميع. إن ضفتي الخليج بحاجة إلى استقرارٍ وسلمٍ أهليٍّ وتعاونٍ وتنسيقٍ وعلاقاتٍ دافئة من شأنها حل القضايا الداخلية العالقة بما فيها مواجهة محاولات الكيان الصهيوني التغلغل في العواصم الخليجية إثارة الفتن بين مكونات مجتمعاتها وابتزاز دولها الواقعة على ضفتي الخليج.

نخلص إلى أن الإتفاق السعودي الإيراني حاجة وضرورة في آن واحد لكل من إيران والسعودية إذا أرادت االرياض وطهران إحداث النقلة النوعية المبتغاة لعملية التنمية المستدامة وتجاوز الكثير من التحديات وتعبيد الطريق للتعاون مكان الخصومة والشقاق.. فهل تجرى عملية تفعيل هذا الاتفاق وعدم الاكتراث بما تفعله القوات الأمريكية في شرقي الفرات بسوريا والتي تهدف إلى تقويضه تمهيدا للقضاء عليه وحرمان الصين من أوراق تمكنت من انتزاعها من فم الأسد الأمريكي المنهك؟