4000 سنة عمر الفكرة الإفتراضية (الغيبية) تقريبا ! اخذت اشكال وتعابير مختلفة و المفروض ان تتراجع مع تطور المعرفة ووسائلها وتقدمها . ولكن هذا الأنتقال الجماعي من موقع الفكر العلمي الى الفكر الغيبي (الأفتراضي ) هو السمة العامة !
المجتمعات المتقدمة هي التي لا تعطي الفكرة الغيبية حيزا في الثقافة العامة , وانما جعلتها فكرة اختيارية فردية , توصلت لهذا الفهم بعد ان قدمت الكثير من التضحيات في سياق الصراع التاريخي بين الفكرة الأفتراضية والفكرة الواقعية.
الفكرة الغيبية اذا اصبحت هي الناظم والمعيار فان الصراع على تطبيقاتها الملموسة يؤدي الى الفوضى والتطرف ويصبح التعارض والذي يصل (احيانا) للتناقض التناحري سقفا يحكمهم اي (ناظما) , ويحرف جوهر الصراع وخاصة في الجانب الأجتماعي والاقتصادي من صراع من اجل تحسين ظروف الحياة , الى صراع على صحة تطبيق النص الغيبي . وبحكم ان الصراع لا يخرج عن التفسير اللغوي اي صراع حول تفسير النص او المقولة او الكلمات وفصلها عن سياقها التاريخي , واخذها كنص لأسقاطه على الواقع الملموس، فان داعش (وأخواتها) وفكرها هو الذي ينتصر في معركة النص اللغوي، وللأسف فان الكثيرين من الذين كانوا يحملون ناصية الفكرة العلمية نراهم ينجرفون في هذا التيار الأفتراضي, ويدخلون في الصراع حول النص واسقاطه على الواقع , وفي هذا يدخلون في دوامة النص واللغة والظرف التاريخي. ان اخطر ما نواجهه هو انتقاء النص واخراجه من سياقه التاريخي واسقاطه على الواقع الملموس دون ادراك للمتغيرات التاريخية, واعتباره الناظم والمعيار لتقييم الخطأ والصواب , واضفاء طابع القدس ية عليه بحيث يفقد امكانية حواره او تطوره , وتنتقل هذه القدسية لحاملي النص وتكتسب تفسيراتهم طابع القدسية , وتنعكس في افعالهم الملموسة ويصبح النقد الذي يطالهم هو نقد للذات الإلهية .
وبما ان النص بالنهاية سيعبر عنه في سلوك ملموس, فان السلوك سيتعارض مع التطور الإنساني , وهنا الفارق بين ما نشاهده من سلوك لداعش واخواتها, فتفسيره هو تحول النص الغيبي الى سلوك ملموس, ان النص من الممكن ان يتحول في اية لحظة تاريخية الى ملموس اذا ما تمكنت الفئة الحاملة للنص من امتلاك القوة المادية, وابرز مثال على ذلك هو الحركة الوهابية التي اخرجت النص الديني من سياقه التاريخي ووضعته كناظم ومعيار للقوانين الإنسانية وأعطت لنفسها الحق الإلهي في المحاسبة , وأخضعت المجتمع لسلطتها وسلطانها واستثمرت في هذه الفكرة خارج حدودها الإقليمية عبر نشر الفكر الوهابي واستعملته كغطاء لتبرير دعمها للفئات الأكثر تطرفا في الدول الإسلامية , الكثيرين يعتقدون ان الالتزام في النص فقط يقتصر على الجانب اللغوي هو اعتقاد خاطئ . وسيرى اصحاب هذه الفكرة كيف ينتقلون من موقع الفكرة العلمية الواقعية , الى الفكرة الافتراضية الغيبية وتنعكس في سلوكهم الملموس, من حيث الشكل اولا للوصول الى الجوهر . ان فكرة داعش وأخواتها هي في جوهر النص الافتراضي الغيبي , بغض النظر عن شكلها او لونها او خلفيتها المعرفية , وأي محاولة تجري لتجميل الصورة هي محاولة بائسة تعيد انتاج السلوك بصورة اكثر تطرفا . ان اي تفسير للسلوك النقدي لقدسية النص على انه تصادم مع المجتمع انما يعبر عن مفهوم مهادن للفكرة الافتراضية (الغيبية) ويساهم في اعادة انتهاجها وتعميمها , وبما ان انتاجها يأتي من خلال عزل النص عن ظرفه التاريخي من حيث اسبابه والظروف المحيطة التي اوجبته , فانه يأخذ شكلا عبثيا متطرفا خاج السياق التاريخي . فالتدقيق في جوهر الفكرة الافتراضية ,والتي اخذت عدة مسميات تجدها واحدة , وبالتالي فان الفكرة الداعشية وأخواتها موجودة في جوهر النص, وأخذت تعبيراتها الملموسة في اماكن متعددة من خلال ادوات مختلفة للفكرة الأفتراضية . فحرق عائلة الدوابشة والتفنن في حرق الطفل الفلسطيني ابو خضير والرقص بالسكاكين في عرس يهودي على نغمات الجرائم المختلفة هي ذاتها التي نراها من قتل وتقطيع للرؤوس وتفجير للعراقيين من المذاهب المختلفة وتهجير المسيحيين . وقطع الرؤوس واكل القلوب والأكباد في سوريا وحرق الأحياء كما حدث للطيار الكساسبة , وقطع الرؤوس لمخالفي الرأي والمذهب .
وأما صراعهم في المجتمع فيكون على قاعدة تعميم الفكرة الافتراضية وفرضها كمنهج ونط حياة للبشر بغض النظر عن معتقدهم ووضعهم امام خيارين اما الالتزام بالفكرة او الهروب او القتل , فهم في ذلك يكونون قد تصادموا مع فكرة الدولة الوطنية الجامعة ويصبح شكل وطابع الدولة القائم عائق امام تطبيق فكرتهم الغيبية . وهم ينظرون لفكرة الوطن والوطنية من خلال نظرتهم لدور المكان في حيز الفكرة الغيبية .
لقد استطاع حاملي الفكرة الافتراضية من خلق ثقافة عامة تحول النضال الوطني التحرري الى( نضال) من اجل سيادة الفكرة الافتراضية (الغيبية)، وخفض سقف الصراع من صراع على القضايا الوطنية الى صراع من اجل اعادة انتاج الفكرة الافتراضية , ودخلت في صراع بين اجنحة الفكرة الافتراضية واشكالها المختلفة ان كانت طائفية او مذهبية .
التصريحات التي تحمل الطابع الإلغائي العنصري الصادرة عن نتنياهو تجد لها صدى في الرقة والموصل وأصوات تناصرها في عواصم عديدة .

