Menu

هل للاحتلال خياراته؟

عدنان الصباح 

بلا أدنى شك فإن دولة الاحتلال اليوم تمر بأزمة داخلية خانقة، فالانقسام على أشده ليس بين الحكومة والمعارضة فقط، بل وحتى داخل أوساط المعارضة نفسها وداخل أوساط الحكومة نفسها ولقد قرأنا وحللنا وناقشنا كثيرا في ذلك، وذهب البعض منا حد التصور أن دولة الاحتلال في الطريق إلى الانهيار وأن الشلل قد أصابهم فهل هذا ممكن؟
من الغباء الاعتقاد أن لا أحد في دولة الاحتلال يفكر أيضا بحلول للظرف المرئي على الأرض، فهم يعرفون أن جبهات عديدة أمامهم في لبنان وسوريا وغزة وأن جبهة مفتوحة أيضا من إيران، بما لا يرى هنا وهناك، لكن الجبهة الأخطر هي تلك القائمة على الأرض الفلسطينية المحتلة، والتي لا حدود خارجية لها، بل إن حدودها هي كل بيت فلسطيني مزروع في الضفة الغربية و القدس والجليل والمثلث والنقب ووادي عارة والساحل. وتدرك دولة الاحتلال أن الجبهة الأخطر هي الجبهة الفلسطينية الداخلية وأن انتشارها على تخوم كل مستوطنة وفي طريق كل مستوطن، يجعل من القدرة على السيطرة عليها بالقوة المسلحة أمرا مستحيلا، وبالتالي فلا بد من حلول مختلفة، فما هي السيناريوهات المحتملة لتدمير جبهتنا؟
السيناريو الممكن الذي تحدث عنه المحتلين مرارا وتكرارا هو سيناريو صناعة انقسام جديد بعد نجاحهم بتكريس انقسام غزة – الضفة، وهو انقسام يستحيل تطبيقه جغرافيا ويستحيل تطبيقه بالقوة من قبل دولة الاحتلال، وبالتالي فلا بد من وجود أرضية تؤسس لحدوث هذا سياسيا ومناطقيا وبأيدينا نحن، وفي سبيل ذلك تثير وسائل إعلام الاحتلال الكثير من الصراعات والخلافات الداخلية بين جميع الأطراف بلا استثناء، سواء بالتسريبات والفضائح الإعلامية أو بالإصرار على إظهار السلطة بصورة الضعيف، الذي لا حول له ولا قوة والغير قادر على الانفكاك كليا من الاحتلال وأجهزته. وفي ظل غياب مؤسسات شرعية فلسطينية خالصة الشرعية، وخالصة القبول بها والتوافق عليها فلسطينيا، فإن باب الصراع مفتوح في حال شغور منصب الرئاسة لأي سبب كان وهم – الاحتلال – يروجون لذلك ليل نهار وهم بالتأكيد يعدون العدة لذلك وبأكثر من شكل وطريقة.
كيف يمكنهم فعل ذلك؟ وكيف يمكنهم المشاركة والتأثير والنأي بكيان الاحتلال عن صراعاتنا الداخلية، بحيث يمكن لها أن تتحول إلى صراعات دامية دون أن تؤثر عليهم وعلى مستوطنيهم داخل الضفة الغربية؟ وما هي الوسائل المتاحة والتحضيرات الممكنة؟
ما سمي بالإدارة المدنية تعمل على الأرض في سبيل خلق جزر فلسطينية معزولة عبر تقطيع أوصال الضفة الغربية إلى ثلاث معازل كبيرة، من خلال حاجز وادي النار الذي يفصل جنوب الضفة الغربية كليا وأقصد هنا الخليل وبيت لحم وكذا جدار الفصل العنصري، الذي أخرج القدس المدينة من الضفة الغربية وترك الأحياء الفلسطينية المحيطة، معبرا للتخلص من مواطني القدس عبر المناطق التي تركت خارج الجدار مثل كفر عقب والعيزرية وغيرها، ومن ثم حاجز زعترة، الذي يفصل الشمال عن الوسط، وفي الشمال حاجز حوارة وحاجز عناب وحاجز دير شرف، وهذه تجعل من كل محافظة من محافظات الشمال معزلا منفصلا، والتركيز على العودة إلى جبل حومش في محافظة جنين، يعني إغلاق عنق الزجاجة على جنين وعزلها كليا عن باقي المحافظات.
ترى من يمكنه تنفيذ ذلك؟ وهل هناك خيارات لدولة الاحتلال لتنفيذ ذلك وقد تتعرض لمسائلات واعتراضات تضطر دول مثل الصين وروسيا وفرنسا إظهار نوع أكثر من الاحتجاج اللفظي مما قد يضرب خارطة تحالفات الولايات المتحدة؟ أم أن لدى دولة الاحتلال بدائل لذلك محتملة تخرجها من دائرة الاتهام وتحولها إلى عكس ذلك كليا وبدل أن تكون هي المشكلة للعالم تصبح هي الحل؟
قد يصل الخلاف الدائر داخل حكومة الاحتلال إلى حد انهيار هذه الحكومة، عبر خروج تحالف سموتريتش – بن غفير منها، وهم يمثلون الغالبة العظمى من المستوطنين في مغتصبات الضفة الغربية، وقد لا يرضى هذان الفاشيان بالهزيمة، فيعلنان العصيان من خلال تجييش المنظمات الإرهابية الصغيرة، من أمثال: تدفيع الثمن وفتيان التلال وما إلى ذلك، وهو ما يعني تمرد على دولة الاحتلال عبر خلق نواة صلبة لقوة إرهابية تقوم هي مقام جيش الاحتلال في صراع دموي ضد المدنيين الفلسطينيين وتسهيل خروجهم خارج فلسطين أو عزلهم كليا في معازلهم ويترافق ذلك مع رفض رسمي لدولة الاحتلال، التي تتحول إلى جهة محايدة والمطالبة بإيجاد الحل من قبل المجتمع الدولي وتغيب كليا قضية فلسطين، عبر انهيار التواصل بين المناطق الفلسطينية وانهيار المؤسسات الشرعية وغياب مؤسسة فلسطينية توحد الشعب والأرض، وبالتالي تجد غزة نفسها دولة فلسطينية مستقلة شاءت أم أبت.
ما سقته سابقا قد يصبح أضغاثا وكلاما فارغا لو تمكنا من تحطيم ذلك ومسبباته قبل حدوثه، وذلك مستحيل دون وحدة فلسطينية مطلقة، تحت سقف مؤسسات واحدة موحدة وتوحيد قوى الشعب والثورة جميعا في جيش شعبي فلسطيني مقاوم وقيادة سياسية موحدة، تحت سقف برنامج سياسي وطني شامل واحد وموحد للجميع بالمطلق وإلا فإن نهايتنا وقضيتنا أقرب من حبل الوريد.
إن أولئك الذين يتوقعون مقتل أعدائهم حسب قراءتهم لواقع الحال المرئي دون البحث فيما خلف الصورة، قد تفاجئهم أن الصورة الحقيقية وهي مقتلهم كانت خلف تلك الصورة نفسها، وذلك حين يستطيع عدوك أن يحول عناصر ضعفه إلى عناصر قوة وأنت غائب.