Menu

"الصهيونيّةُ الدينيّة"... التيّار والحزب التاريخ التنظيميّ والسرد الأيدلوجي - السياسي

أحمد مصطفى جابر

نشر هذا المقال في العدد 48 من مجلة الهدف الإلكترونية

كان لافتًا ومثيرًا للغضب ربّما مشهدُ الوزير الصهيوني، زعيم حزب "الصهيونيّة الدينيّة"، بتسلئيل سموتريتش على منبر الخطابة في العاصمة الفرنسيّة، باريس، يوم 19 آذار 2023 وهو يعلن عدم وجود شعبٍ فلسطيني، وهذا الإعلان، يعكس الخطاب الأصلي للرجل وحزبه، ناهيك عن الحركة الصهيونيّة برمّتها، سبق وأن قالها جميع زعماء الصهيونية بأشكالٍ مختلفة، وبشكلٍ خاص التيار العريض الذي ينحدر منه منذ تأسيسه أول مرة على شكل حزب (المزراحي).

بالنسبة لسموتريتش، كان المنبر الذي وقف عليه الرجل، لافتًا أكثر من كلماته التي تؤخذ على محمل الجد الكامل من المستمعين إليه، فعلى هذا المنبر كانت هناك خريطة صهيونيّة أصليّة تعكس ما يسمى "أرض إسرائيل الكاملة"، التي تضم فلسطين وكامل أراضي شرق الأردن، ما يسمى حاليًّا المملكة الأردنية، وأكثر من ذلك.

يمكن القول دون مخاطرة معرفية، إن سموتريتش، الرجل، والخطاب، والقاعدة الانتخابية، وبتعميم لا يحتاج إلى أي جرأة، تحالفه الانتخابي أيضًا، إنما يعكس الموقف الأصلي والجذري للحركة الصهيونية وتنويعاتها تجاه الشعب الفلسطيني، بل والشعب الأردني أيضًا.

ورغم هذا الحسم التصنيفي، كما ورد أعلاه لا بدّ ومن اللازم التحذير مسبقًا من القراءة المتسرعة لمسألة "الصهيونية الدينية" تيارًا ثقافيًّا أيدلوجيًّا صهيونيًّا عامًّا، ومتمايزًا داخل الحركة الصهيونية، و"حزبًا سياسيًّا" داخل التيار من جهة ومتجاوز له من جهة أخرى كما هو حال حزب سموتريتش. 

وبشكلٍ عام – مزيد من الشرح أدناه - "الصهيونية الدينية" هو الاسم المتجدد لحزب اتحاد لئومي - تاكوما وكذلك تحالف الأحزاب الذي خاض انتخابات2021 و 2022 الذي شمل أيضًا حزبين يمينيين متطرفين: عوتسما يهوديت ونعوم.

ويشغل هذا الحزب حاليًا في الحكومة السابعة والثلاثين (التي أدت اليمين الدستورية في نهاية عام 2022)، ثلاث مناصب وزارية: بتسلئيل سموتريتش (وزير الخزانة ووزير في وزارة الحرب)، أوفير سوفير (وزير الهجرة والاندماج) وأوريت ستروك (وزير البعثات الوطنية).

كيف ولدت الصهيونيّةُ الدينيّة؟

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كان تعبير (صهيوني متدين) في نظر العديد من اليهود المتدينين يعكس تناقضًا لفظيًّا. إذ اتهمت الحركة الصهيونية بأنها تسعى إلى تأسيسٍ يهوديٍّ جديد، منفصل عن التقاليد، وعكس يهودي المنفى. وكانت الصهيونية، بطبيعتها، عنصرًا من عناصر التمرّد. التمرّد في قبول الوضع الراهن، والتمرد على السلبية التي ميّزت يهود الشتات، وتمرّد في العقل يتعلّق برفض أن خلاص "إسرائيل" في يدي السماء، ونتيجة لكل هذا - تمرد على التقاليد والسلطة الحاخاميّة، التي كانت ترمزُ عند الجيل الشاب إلى أمراض الشتات اليهودي.

هذا الوضع الموصوف أعلاه، وإن كان تناقضًا لفظيًّا في مستوى الشعار والخطاب، فإنّه يعكس ارتباكًا عقليًّا مؤلمًا عند أتباع هذا التيّار، وهو ارتباكٌ صاغه وأعطاه مشروعيته العقلية والدينية في صفوفهم الحاخام يتسحاق نيسنباوم، أحد قادة حركة "المزراحي"، وقد كُتب في وقت تأسيس حركة "المزراحي" هذا الجدل، الذي هو بالأساس صراع بين «صهيونيتها» و «تدينيها»، رافق الحركة «المزراحيّة» منذ بدايتها". ومن منظورٍ معاصرٍ وواسع، تعبّر هذه الخطوط عن جوهر العلاقة العميقة بين الصهيونية والتدين في أربعة جوانب رئيسية: ما العلاقة بين المكونين: "الصهيوني" من جهة، و "الديني" من جهة أخرى؟ في أي مجالات من الحياة يتجلى التعقيد المنطوق للصهيونية والتدين بطريقة عملية؟ هل ينجح اليهودي الصهيوني الديني في تطبيق المزيج المذكور فعليًّا ويعيش حقًّا التعقيد الموصوف؟ كيف يمكنُ تكثيف تعميق العلاقة بين التدين والصهيونيّة بالمعنى الواسع المعبّر عنه في مجالات الثقافة والتعليم والأيديولوجيا؟

والسؤال الذي يلخّص كل هذا ويحتويه: هل الصهيونيّةُ والتدين متوازيان، والفجوة الهائلة أعمق من إمكانية تجسيرها؟ أم أنه من الممكن إنشاء عقدة مثالية يمكن فيها، رغم اختلاف وجهات النظر المتوازية، أن تتحد وتشكل "موازيات التقاء"؟

ومن أجل التمسك بالمواقف الصهيونية والاستمرار في نفس الوقت في التمسك بالتقاليد، يجب تجديد الوعي الديني وهزه. وهذا ما فعله دعاة الصهيونية المتنوعون، بمن فيهم الحاخام يهودا القلعي والحاخام تسفي هيرش كاليشر، اللذان صاغا في كتاباتهما موقفًا دينيًّا غير عادي في المشهد في ذلك الوق يتعلق خصوصا بفكرة (الفداء اليهودي).

عندما سُئل يوسف بورغ، رئيس الحزب القومي الديني في السبعينات، عن العنصر الأكثر أهمية في الهوية الدينية الصهيونية - اليهودية أم القومية؟، أجاب "واصلة- يمكن تفسيرها بأنها عملية تجسير أو جسر بين عالمين ويمكن القول شرطة (-) تصل بين مصطلحين وتفصل بينهما-. وتمثل إجابته وجهة نظر واسعة الانتشار ترى الصهيونية الدينية على أنها أيديولوجية براغماتية تحاول سد الفجوة بين الدين اليهودي الأرثوذكسي والحركة الصهيونية العلمانية. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحديًا لهذه النظرة البراغماتية من قبل مختلف الأفراد والجماعات بين الصهاينة المتدينين، وأدت الخلافات الداخلية إلى استقطاب الحركة إلى درجة أنه من المشكوك فيه ما إذا كان من الممكن إيجاد حتى قضية واحدة يتفق عليها جميع الصهاينة المتدينين. علاوة على ذلك، يشمل مجال تأثير الصهيونية الدينية اليوم أشخاصًا لا يُعرّفون بالضرورة على أنهم متدينون أو صهاينة. وهو ما يحتاج إلى تفسير.

منذ تأسيس حركة "المزراحي" عام 1902، كان قد تم استخدام مصطلح "الصهيونية الدينية" بشكلٍ مستمرٍّ للإشارة إلى مجموعة اليهود الأرثوذكس الذين دعموا الحركة الصهيونية (ودولة إسرائيل لاحقًا). في نفس الوقت، يستخدم المصطلح أيضًا للإشارة إلى أيديولوجية محددة، والتي توفر التبرير اللاهوتي للحركة الصهيونية ودولة "إسرائيل". لكن حدثين فاصلين دفع أتباع الصهيونية الدينية إلى إعادة النظر في التزامهم مع الدولة التقليدية التي بناها بن غوريون، أولاً، أدت نتائج حرب 1967 بقيادة الصهيونية الدينية إلى التخلي عن "التحالف التاريخي" - تعاونهم السياسي مع هيمنة حزب ماباي. بعد الحاخام تسفي يهودا كوك، كانوا يطمحون للعب دور أكثر أهمية في السياسة الوطنية والعمل من أجل الاستيطان في الأراضي المحتلة. لاحقًا، تحدت خطة فك الارتباط عام 2005، التي تضمنت إخلاء حوالي 9000 مستوطن من قطاع غزة وشمال الضفة، الطموحات السياسية والدينية للصهيونية الدينية. تسبب هذا الحدث في تشكيك العديد من الصهاينة المتدينين في التزامهم بالصهيونية، ولكن علاوة على ذلك، في كثير من الحالات تغيرت معتقداتهم الدينية بشكل كبير. لذلك، يبدو أنه بالنسبة للعديد من أولئك الذين نشأوا في المجتمع الصهيوني الديني، لم تعد "واصلة" يوسف بورغ عنصرًا أساسيًا في هويتهم.

كيف نفهم "واصلة" يوسف بيرغ؟

لتمييزهم عن غير الصهاينة (الأرثوذكس) المتدينين اليهود، تسمى الجماعة الصهيونية المتدينة أحيانًا "القومية الدينية". يشير وجود الواصلة في كلا اسمي المجموعة إلى أنها لا تقل أهمية عن الدين في هوية أعضائها.

للواصلة دور مزدوج. أولاً، يشهد على هوية هجينة تتضمن أسلوب حياة يهودي أرثوذكسي إلى جانب دعم الحركة الصهيونية - تعايش الدين التقليدي مع الحداثة العلمانية. ثانيًا، تشير الواصلة أيضًا إلى فصل تحليلي بين المجال الديني والسياسة القومية، وهو ما تحاول الهوية الدينية الصهيونية جسره.

بالطبع، لا يعد ظهور حركات القومية الدينية ظاهرة ينفرد بها الكيان الصهيوني فقد حدد عالم الاجتماع روجرز بروبيكر التدين القومي باعتباره شكلًا مميزًا من القومية التي تتحدى القومية العلمانية وتستخدم الدين لربط الدولة والإقليم والثقافة معًا، في الحالة الصهيونية استخدم الدين اليهودي دورًا مهمًّا في تكوين هوية وطنية ودمج "الدولة والأرض والثقافة" أيضًا داخل الحركة العلمانية الصهيونية.

التاريخ التنظيمي لـ "الصهيونية الدينية"

حركة (الصهيونية الدينية) تأسست عام 1902 في إطار الصهيونية العالمية، وقد جاء مؤسسوها من حركة (احباء صهيون). وتأسس فرعها في فلسطين العام 1918، وانضمت في مؤتمرها الثامن إلى المنظمة الصهيونية العالمية كجسم له استقلاليته الذاتية في بعض القضايا. وقد لعبت هذه الحركة دوراً بارزاً في تنظيم العمل البرلماني في الكنيست بعد قيام الكيان الصهيوني العام 1948، وكذلك في إقامة الحاخامية الرئيسية. وطرحت عدة قضايا اجتماعية وتربوية واقتصادية وسياسية ومحلية (بلدية) في مؤتمراتها العامة. وتدير الحركة شبكة من المؤسسات التعليمية والتربوية، مثل رياض الأطفال والمدارس على مختلف مستوياته (بما فيها مدارس ما قبل التجنيد) ودارًا لإعداد المعلمين وجامعة بارايلان في رمات غان ومصارف ومؤسسات اقتصادية ومالية خاصة بها، ومنظمات شبيبية ونسائية وجريدة (هتسوفيه- المراقب). وفي عام 1956 اتحدت مع (هبوعيل همزراحي) وشكلاّ (حزب المتدينين الوطنيين) (المفدال). وقد أدرك الحاخام جاكوب رينيس، مؤسس الحركة الأم للصهيونية الدينية "همزرحي"، أن العصر يتطلب ثورة ليس فقط في إدراك الإيمان، في العلاقة بين الإنسان والله، ولكن أيضًا في دراسة التوراة.

سياسيًّا، تعاون الهمزراحي مع المنظمة الصهيونية، رغم أن الأخيرة كانت علمانية بطبيعتها. ولاحقًا، اتهم الحاخام أبراهام يتسحاق هكوهين كوك هذه الشراكة بتهمة دينية. وقد اعترف في طموح الصهيونية العلمانية - بإعادة شعب إسرائيل إلى التاريخ - بعنصر مقدس، ولذلك دعا إلى التعاون الكامل بين المعسكرات الثلاثة التي في رأيه تشكل الأمة المتجددة: الأرثوذكس والقوميين والليبراليين. هذا تقديرا لحيوية كل معسكر لبناء الوطن.

ومن هذه الأسس نمت الصهيونية الدينية الكلاسيكية كحركة رأت في الصهيونية دعوة للتجديد الديني، وفي التدين – تحقيق عميق للمعنى للمشروع الصهيوني. وكما ذكرنا، أدى الجمع بين هذين العالمين معًا إلى خلق قوة موازنة أبقت كلتا القوتين ضمن حدودهما المناسبة.

فيما بعد اتحد مزراحي مع الحزب الذي انشق عنه أيضا هبوعيل همزراحي، وذلك صيف 1956، تحت اسم "مفدال" بالعبرية (مفلجا داتيت لئوميت/ الحزب الديني القومي). بزعامة حاييم-موشيه شابيرا، الذي أسس "منظمة هاشومير". وفاز المفدال في أول كنيست يشارك فيها بـ11 مقعدا، ثم عام 1992 بستة مقاعد، ومثلها عام 1996، ثم تراجعت أهمية «مفدال» وشعبيته بعد قيام أحزاب دينية أخرى، فكانت حصته في انتخابات عام 1999 خمسة مقاعد فقط. وفي انتخابات 2006 تراجع إلى أربعة مقاعد، ثم حصل على ثلاثة مقاعد في انتخابات الكنيست التي جرت عام 2009م التي خاضها باسم «البيت اليهودي- المفدال الجديد»، وحقق خلالها أسوأ نتيجة يحصل عليها الحزب منذ تأسيس الكيان.

وتمثلت العقيدة السياسية للحزب في المشاركة في الحكم، باعتبار أن ذلك يمثل حماية للمصالح الدينية، ولذلك، فقد شارك الحزب في العديد من الحكومات على اختلاف توجهاتها السياسية. وتعرض أيضا لعدة انشقاقات ففي 1981 انشق أهارون أبو حصيرة عن الحزب وشكل حزب تامي "قائمة تقاليد إسرائيل" الذي أسسه اعتماداً على انتمائه لليهود الشرقيين. وفي عام 1983م انشقّ الحاخام حاييم دوركمان مشكلًا حزب "متساد" (المعسكر الديني الصهيوني)، وفي عام 1988م انشق الراب يهودا عاميطال مشكلاً حزب «ميماد» (معسكر الوسط الديني، أو اليهودية العقلانية).

بالنسبة للحزب لحالي "الديني الصهيوني" بزعامة عضو الكنيست بتسلئيل سموتريتش فقد انشق عن حزب (يمينا) وريث البيت اليهودي الذي كان يقوده نفتالي بينيت وإيليت شاكيد في يناير 2021، قبل انتخابات الكنيست الرابعة والعشرين. وكان حزب (يمينا) قد خاض انتخابات الكننيست 23 و22، ولكن يبدو أن الانقسام جاء لعدة أسباب بما في ذلك الخىفات الأيدلوجية وأيضا رغبة بينيت وشاكيد في التخلص من سموتريتش، وانزعاج هذا من قلة عدد أعضاء فريقه على قائمة (يمينا).

المبادئ السياسية والأيدلوجية لتيار الصهيونية الدينية مع تغييرات طفيفة:

أوّلًا: الإيمان التام بالحق التاريخي لليهود في فلسطين، والإيمان بـ "أرض إسرائيل" الكاملة، والاستيطان في الأراضي الفلسطينية كافة، لذلك؛ يطلقون عليه مصطلح "أبو الاستيطان".

ثانيًا: بناء دولة إسرائيل وتقوية وجودها من النواحي الدينية والأمنية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، من منطلق الالتصاق بأسس الشريعة اليهودية، التي يجب أن تؤثّر على عملية استصدار القوانين، أي أن تكون قوانين إسرائيل مبنية على الشريعة.

ثالثًا: تدريس الدين في كافة المراحل التعليمية.

رابعًا: تأييد خدمة طلاب المدارس الدينية بالجيش.

خامسًا: دعم المؤسسة القضائية الحاخامية (القضاء الشرعي).

سادسًا: التشدد في الحفاظ على حرمة السبت.

سابعًا: إسرائيل هي دولة الشعب اليهودي، و القدس ستبقى عاصمة أبدية "لإسرائيل" و"الشعب اليهودي"، ومن ثَمَّ سوف تظل موحدة، ومن حق اليهود الصلاة في الحرم القدسي.

ثامنًا: يؤيد الترانسفير "ترحيل الفلسطينيين" بشكل غير مباشر، ويرى أن فلسطينيي 48 بمثابة "خلايا سرطانية في جسم إسرائيل"؛ لابد من استئصالها على الفور

تاسعًا: العمل من أجل إلغاء اتفاقيات أوسلو، وعدم الاعتراف بالسلطة الوطنية الفلسطينية، وتأييد السلام مقابل السلام فقط، كما يرفض الحزب حق تقرير المصير للفلسطينيين إلا في حدود الحكم الذاتي على السكان وليس على الأرض.

سموتريتش وبن غفير وتمثيل الصهيونية الدينية:

يعكس سموتريتش وبن غفير وحزبيهما (الصهيونية الدينية وعوتسما يهوديت) والجمهور الذي صوت لهما التغيير الذي حدث في الصهيونية الدينية. إذ بينما زعموا الوسطية في البداية لمد الجسور بين العوالم اليهودية، أصبحوا مرادفين للتطرف بعد فوزهم بثمانية مقاعد غير متوقعة.

رغم اعتدالها التاريخي في السياق الصهيوني، إلا أن الصهيونية الدينية تمركزت وتمت السيطرة عليها من قبل طرف شديد التطرف فيها، ومن خارجها أيضا، وطوروا مفهوما متشددا يقول إنه إذا أخطأ الناس وقرروا إخلاء المستوطنات وتسليم الأراضي للفلسطينيين، فيجب استبدال الناس، واختاروا طريق الانفصال عن المجتمع العام ومن الثقافة المعاصرة. بشكل عام، كان هذا هو نهج الفصيل الأرثوذكسي المتطرف في الصهيونية الدينية، بقيادة مدرسة هار حمور الدينية ورئيسها الحاخام تسفي تاو. وهو شخص شديد الرجعية معاد للمرأة، ومنحرف متهم بالاعتداء الجنسي.

بين بعدين:

ألزم البعد الصهيوني الحاخامات والتقاليد الدينية بالاستجابة للتحديات الجديدة التي وضعت أمامهم في الواقع المتجدد، مما حال دون وقوعه في التطرف والأصولية الدينية. وكان عليهم، على سبيل المثال، إيجاد فتاوى شرعية للعمل في الأرض خلال سنوات شميتا (شميتا، سنة توراتية يمنع خلالها العمل في الأرض حسب الهالاخاة، والحكمة في ذلك أن الأرض –كما الإنسان والحيوان- بحاجة إلى الراحة- وهذه السنة تأتي كل سبع سنوات مرة بنعنى ست سنوات حرث وواحدة لا) والعمل في المصانع الأساسية يوم السبت. وتبنّت قيمًا ليبرالية وديمقراطية، وأعطت مكانًا في الفضاء الديني للجماعات التي لم يتم تمثيلها بعد، ولا سيما النساء. وبشكل عام، فإن الشراكة الكاملة مع جمهور عريض لا يراعي التوراة والمتزفوت (الواجبات الدينية المقدسة)، في جميع مجالات الحياة، دفعها إلى تطوير لغة دينية أكثر اعتدالًا، بحيث يمكن قبولها حتى من قبل آذان غير دينية.

من ناحية أخرى، أي البعد الآخر، التدين، فقد ذكر الصهيونية بدورها - ليس فقط أن تكون إطارًا سياسيًا مستقلاً للشعب اليهودي، ولكن أيضًا لرؤيتها كوسيلة لتحقيق رؤية عالمية واسعة، وإحضار قيم العمل الخيري إلى العالم. والعدالة، التي تهدف إلى منعها من الوقوع في مفاهيم قومية عنيفة. فعلى سبيل المثال، طالب الحاخام يوسف دوف سولوفيتشيك، زعيم "همزراحي" في الولايات المتحدة، مناحيم بيغن بتشكيل لجنة تحقيق في أعقاب مذبحة صبرا وشتيلا عام 1982.

في الواقع، على مر السنين - بسبب المشروع الاستيطاني "غوش أمونيم" - كان التوازن بين التدين والصهيونية ينتهك أحيانًا، ولكن كما ذكرنا، عرفت الصهيونية الدينية دائمًا كيف توازن نفسها. ولم يكن الحزب الديني القومي، حتى بعد أن ارتبط بالجانب الأيمن من الخريطة السياسية، راديكاليًا - لا سياسيًا ولا دينيًا. إذا نمت فيه أعمال اليمين المتطرف، يضطرون إلى الانسحاب من الحزب وتأسيس أحزاب أخرى، مثل مرشا أو تاكوما. والكهانية، والعنصرية، والخطاب العنيف والصريح، والتطرف الديني، لم يتم قبولها بالتأكيد فيها.

الكلام أعلاه قد يبدو مفاجئا لأنه يعاكس جميع القيم والشعارات التي ينادي بها الآن بتسلئيل سموتريش وحزبه، ويظهر أن هناك انفصال تاريخي عميق بين القيم الأصلية للمزراحي وأسسه الأيدلوجية والقيم التي يتبناها حزب الصهيونية الدينية الآن وبيانه الأيدلوجي.

ومن الواضح أن التركيبة "القومية " لحزب عوتسما يهودا، والتطرف الديني لحزب الاتحاد الوطني (مفدال) ليس مزيجًا متوازنًا ومحدودًا، ولكنه مزيج مضاد يعكس التطرف من الجانبين وتحالف العنصر الديني المتطرف المنفلت من الصهيونية الدينية مع التيار المتطرف القومي ما يؤدي إلى الانغلاق ومزيج متفجر من التطرف الشديد والعنصرية الفجة والاختلال الأيدلوجي الذي لايمكن تجاهله.

في سياق السلوك الانتخابي، ليس كل ناخبي حزب "الصهيونية الدينية" متطرفين، وهناك عضو كنيست واحد على الأقل في الحزب، أوهاد طال، الأمين العام السابق لبني عكيفا على مستوى العالم، يعتبر معتدلاً. كما صوت العديد من التيار القومي الديني لصالح هذا الحزب. وتثبت هذه النسبة من الناخبين في الطوائف الدينية المركزية مثل جفعات شموئيل (23.95٪ أقوى حزب في المدينة) أو إفرات (48.05٪ على النحو الوارد أعلاه) ولكن الحزب صعد على منصة متطرفة ما أثار حتى استياء وتساؤل ناخبيه الأصليين.. فكيف حدث هذا؟

في قياس النتائج الانتخابية:

في سياق الحملة الانتخابية ولأغراض تسويقية، قام بتسلئيل سموتريتش "بخطوة رائعة" من وجهة نظر تسويقية عندما أطلق اسم "الصهيونية الدينية" على اتحاد الأحزاب التي أنشأها. فمن ناحية، فهو اسم مميز ومن ناحية أخرى معرف. وهو يميز هذا الحزب الجديد عن حزب (الديني الوطني- مفدال) ولكن من ناحية أخرى، فإن الصهيونية الدينية هي التعريف الفوري للجمهور الديني الصهيوني، الذي يعتبر مصطلح "ديني - قومي" أقل شيوعًا بالنسبة له. وهكذا، من خلال الاسم الذي اتخذه لحزبه، وضع سموتريتش نفسه كممثل مخلص للصهيونية الدينية الكلاسيكية، التي اختلفت في ذلك الوقت عن إرث المفدال.

في التفاصيل كتنظيم محدد، لم يستطع حزب "الصهيونية الدينية" السيطرة على كامل ولا حتى أغلب الهيئة الانتخابية في انتخابات الكنيست الأخيرة، بل صوت التيار أيضا، لليمين والليكود وأزرق وأبيض وساعر وأيضًا ليبرمان وحتى لحزب العمل. وبلتالي رغم تحقيق الحزب لستة مقاعد يجب الانتباه إلى أنها ليست جميعا بأصوات التيار، إذ جاء مقعد على الأقل من القطاع الأرثوذكسي المتطرف وواحدًا آخر على الأقل من الليكود، وأن اثنين ونصف كان مع مع بن غفير طوال الوقت، كذلك لم يصوت حاخامات تيار الصهيونية الدينية لـحزب "الصهيونية الدينية.

ويعتبر المراقبون من جانب آخر، أن معظم الأصوات التي حصل عليها التحالف (عوتسميت يهودا والصهيونية الدينية) لا تعود لهذا الأخير، بل هي على الأرجح ناخبي إيتمار بن غفير وحزب عوتسما يهوديت. وفي مقر الحزب (القائمة) ليلة الانتخابات، تنبه العديد من المراقبين بأنهم لم يروا الكثير من الناس يرتدون قبعات كلاسيكية محبوكة (صهيونية دينية) بل كان هناك علمانيون وأرثوذكس متشددون وشباب التلال وقليل من الصهيونية الدينية الكلاسيكية. لو كان بتسلئيل سموتريتش قد ترشح بمفرده داخل حزب الاتحاد الوطني (المفدال)، لما تجاوز العتبة كما يقول معظم المدققين في السلوك التصويتي في "إسرائيل".

كما تشير الحليلات العددة إلى أن الغالبية المطلقة من ناخبي بن غفير من الصهاينة المتدينين يعارضون بشدة تعبيرات العنصرية التي أطلقها في الماضي، والكاهانية، ودعمه للقاتل باروخ غولدشتاين والتهديدات التي وجهها لرابين بشأنه. عشية مقتله. لكن يستغل بن غفير ثغرة أساسية في العقل البشري تتمحور حول استصعاب التحدث عن قيم أصلية حتى لو كانت أساسية ومهمة، عندما يكون الناس غير آمنين قلقون على حياتهم.

التصور الأرثوذكسي: مختلف لكن متقبّل

نقطة الانهيار الأخرى في االمفهوم التاريخي للصهيونية الدينية، تتعلق بالجانب الأرثوذكسي المتطرف، من مدرسة سموتريتش، حيث سيطر الأرثوذكس المتشددون على مؤسسات الصهيونية الدينية في عملية طويلة. في حين أن العديد من أعضاء الصهيونية الدينية الكلاسيكية يحصلون على تعليم عام ويدخلون سوق العمل، فقد غزا الأرثوذكس المتشددون مجال التعليم، وأنشأوا نوى، وافتتحوا مؤسسات تعليمية بفصل تام، وتخلوا عن المدارس الدينية الحكومية وأنشأوا مؤسسات تعليمية نخبوية، واستولوا على عالم المدارس الإعدادية ما قبل العسكرية ومارسوا ضغوطًا هائلة لتشكيل تعليم الدولة الدينية في ضوء مفهومهم الديني، الذي يختلف عن الثقافة المعاصرة، المقتنعة بأنها تمتلك الحقيقة الحصرية، والتي تفسر الواقع فقط وفقًا لمفاهيم الهالاخاة.

ومن المجالات الأخرى التي حاصروا فيها بالصهيونية الدينية الكلاسيكية بالفكر اليميني الذي طوروه تقديم أنفسهم على أنهم خلفاء الحاخام أبراهام يتسحاق هكوهين كوك، لكنهم في الواقع اختزلوا كتابه التوراة ميني يام الشامل - الذي كان مفتوحًا للتعليم والثقافة العامة وله خصائص عالمية - إلى توراة وطنية أحادية البعد ومبسطة. يعني هذا التركيز أن الرسالة ستكون واضحة وحادة وسهلة التوسط والتحقيق. وأنتجت معاهدهم حاخامات ينقلون أفكارهم من خلال وسائل الإعلام المختلفة. وكتبوا بيانات ودائما يشيرون إلى "الجيل" بأكمله، كما لو كان لديهم المفتاح لفهم عميق إلى أين تتجه السفينة الصهيونية وكيف يمكن إعادتها إلى المسار الصحيح. وبذلك، أعطوا الجمهور إحساسًا باليقين، كما لو كانوا يملكون المفتاح الوحيد للنمو المستمر "لفداء إسرائيل".

ملخص:

ظهرت الصهيونية كأيدلوجية عرقية لا عقلانية قائمة على أسس العضوية ووحدة الدم والقومية الشوفينية وفكرة الفولك، مع صعود اللاعقلانية الأوربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولكن هذه الصهيونية لم تكن لتتمظهر بهذه البشاعة ولم تكن لتحصل على قوة دفع في صفوف عامة اليهود لو لم تكن ثمة عناصر أصيلة في الديانة اليهودية تدعم هذا النموذج وتقدم له إمكانيات النجاح عناصر تقوم على مكونات غيبية أسطورية تستند بعمق إلى فلسفة الإرهاب والعنف والعرقية وكره الآخر واحتقاره وتمجيد الذات وتعظيمها. وفي هذا السياق فـ"الصهيونية الدينية" يمكن اعتبارها بالفعل الحل للتناقض التاريخي بين علمانية الصهيونية الأصلية وادعاءاتها في تمثيل اليهود واستخدامها للنصوص الدينية للحشد والتعبئة، ما يعني أن الصهيونية الدينية ليست ظاهرة عابرة في تاريخ الصهيونية والكيان الصهيوني بل ربما الأساس الذي يعتمد عليه حل التناقض الوجودي لهذا الكيان وهذه الحركة.

 أخيرًا:

للصهيونية الدينية تأثير واسع على المجتمع الصهيوني، وهي حاضرة في كل مجال تقريبًا - السياسة والجيش والثقافة وغير ذلك. ومع ذلك، فإن الجولات الأربع للانتخابات التي أجريت في الكيان في 2019-2022 تشير إلى ما كان يمكن اعتباره نتائج متناقضة. اختفى حزب البيت اليهودي - وهو استمرار مباشر للحزب القومي الديني المفدال، الذي ادعى أنه يمثل عموم الجمهور الديني القومي - اختفى تمامًا في انتخابات عام 2021. ومن ناحية أخرى، ولأول مرة في تاريخ الدولة رئيس الوزراء في الكيان هو شخص متدين قومي، ورائد للصهيونية المتدينة بالإضافة إلى ذلك، لا يزال تمثيل الأفراد من الصهيونية الدينية في الكنيست والحكومة مرتفعًا وهم مشتتون بين عدة قوائم سياسية: الصهيونية الدينية بقيادة بتسلئيل سموتريتش وعوتسميت يهودا بقيادة بن غفير والليكود ويش عتيد، وهي مفارقة بينا أساس حلها أعلاه.