Menu

لمن تركت "قلعة الحارثي" يا رفيق؟

مروان عبد العال

وداعاً احمد جابر.. يا أبا مصطفى، أيها الحارثي، يا ابن الخليل، أبكرت الرحيل لم نصدق خبر رحيلك المفاجئ والمفجع، مازلنا نحبس دمعنا ونحاول انكاره.

حزن كبير بحجم الخسارة الفظيعة، لجبهة الثقافة الفلسطينية عموماً وللهدف خصوصاً، الرفيق الصديق اللطيف المثابر والفطن والعقل المشتعل دوماً والمتدفق بالعطاء والبحث والفكر والحب.

يا رفيق القلم وصاحب رواية "قلعة الحارثي"، حذّرت فيها من الحب في الأزمنة العادية ستكون مغامرة فكيف، إن كانت في زمن الحرب والاشتباك، كالتي بين بطله "عازم" ومحبوبته "هدى"؟ وبالمناسبة هي العمل السادس بعد خمسة كتب ذات طابع نظري فكري.

رفيق السلاح، بأن الثورة تقوم على ثنائية الفكر والبندقية، فهو الفدائي الصغير وابن الفدائي، الشبل الذي يدرس ويقاتل، العابر بين قواعد الفدائيين من حدود فلسطين جنوب لبنان إلى البقاع، ثم معسكر درعا ومخيم اليرموك.. الفدائي الصغير يحمل في يده كتاب وعلى كتفه بندقية، قبل أن يذهب إلى دورة عسكرية خارجية متخصصة، يجادل في الأدب والفلسفة والسياسة والتاربخ وعلم النفس التربوي، مجال اختصاصه، كما يبحر في قراءة غسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا وجورج لوكاش إلى غرامشي وإدوارد سعيد..

لقبّه الرفاق تحبباً "إدوارد الصغير"، تيمناً بالمفكر الألمعي وضمه الحكيم جـورج حبـش مبكراً إلى فريق مكتبه في دمشق، ليكون أصغر أفراد الفريق، ونهل منه الكثير ثم انتظم في صفوف منظمة الشبيبة الفلسطينية، مندفعاً في تطوير إبداعات الشباب في الثقافة والأدب، نثراً وشعراً ونقداً، محرراً في مجلة الشبيبة، ثم في منتدى غسان كنفاني الثقافي، قبل أن ينتقل بعدها إلى مكتب مجلة الهدف.. ضمن فريق التحرير فيها، وفي قيادة فرع سوريا.

ابن التغريبة الفلسطينية من الخليل إلى الأردن ثم ليبيا إلى سوريا، ونتيجة الحرب هناك نزح نحو القاهرة وبعدها إلى منفاه الأخير في اسطنبول، حيث وافته المنية نتيجة نوبة قلبية حادة.

حمل مجلة الهدف معه محرراً ومترجماً ومعداً للدراسات الاستراتيجية ومسؤول قسم شؤون العدو في بوابة الهدف الإخباريّة، كما الصفحة الثقافية.

الروائي والقاص والمحاور اللبق، عدو التفاهة والاستعراض الفارغ والشكوى الدائمة.

بعد حدوث كارثة الزلزال، سألته عن حاله والعائلة فقال: "نتحسب وننصت لصوت الأرض واضطراب العصافير".

نتراسل مع كل مخطوطة لرواية جديدة ليقرأها قبل أن تصدر، ففعل في روايتي الأخيرة، وهو بالعادة لا يجامل، لكن خفت أن أثقل عليه فقال: "لا غلبة أبداً بالنسبة للأدب الذي يكون له معنى بدون ابتذال لا لغوي ولا موضوعي، للأسف في أدب بيطلع بدعوى الحفاظ على الذاكرة والقضية، ولكنه يدمرهما معا.. لا يمكن للأدب السيء أن يدافع عن قضية جيدة".

في آخر محادثة اخبرني أن العدد القادم من الهدف الورقي سيكون تحية للفنان الأممي مارك رودين، قال: "سنستخدم رسوماته في الأغلفة وفي داخل العدد. أحتاج إذا كان بحوزتك صورا لبوسترات غير مشهورة أو جدارياته".

كتبت عن مغامرة الحب في الأزمنة العادية؛ فكيف الرحيل في الأزمنة الاستثنائية؟

لمن تركت قلعة الحارثي يا أحمد... سنفتقد ضحكتك المجلجلة وتحياتك السريعة وتعليقاتك العاجلة، وملفاتك الفكرية العميقة في الكتابة والتحرير والتدقيق والمتابعة والنقاش.

لقد استبق محمود درويش رحيلك منذ زمن وأنشد لك:

"يا أحمد السريّ مثل النار والغابات � أشهرْ وجهك الشعبيّ فينا � واقرأ وصيّتك الأخيرهْ.