كتب أحمد ذات مرّة، في مقالةٍ تحت عنوان: "الانتفاضة وإعادة اكتشاف الذات: حكاية صبي تائه"، أنّه أعاد اكتشاف ذاته في أتون الانتفاضة الشعبيّة الكبرى، بعد أن كان صبيًّا تائهًا، بين دروب الغربة ومخيّمات اللجوء التي جعلته منغمسًا تمامًا بمعنى فلسطين، بعيدًا عن القسمة السياسيّة داخلها، التي وضعها البعض بين تاريخين/نكبتين (1948-1967)، ومن ثَمَّ أصبحت دروبًا للتيه الحقيقي في مشاريع "العم سام" وأجنداته، في حين أنّ "الصبي التائه" كانت الثورةُ دليلَه، وعصف نيرانها في الناصرة، التي أنشد معها "يا ناصرة يا ناصرة.. شدي العزم والحيل.. خلي العبوة الناسفة تمحي ظلام الليل".
هكذا كتب ذات مرة، ومنذ أن شبّ وعيه، بقيَ يكتب لنا عن الهدف وفي الهدف، فهو لا يريد لنا سوى أن نعيد اكتشاف ذاتنا الصحيحة باستمرار، كي لا نتوه كما "تاه" ساسة الحل السلمي؛ فغدوا صنوانًا للأنانيّة والانتهازيّة التي لا تستقيم معها الوطنيّة.
أحمد ذاك المستقيم دون تيه، حتى قبل أن يبلغ سنّ الرشد الوطني، وهو ينتقل بين مخيّمٍ ومخيم، وكتابٍ وكتاب، ورصاصةٍ ورصاصة، ومنفى ومنفى، وسؤالٍ وسؤال؛ ولأن الوطن هو المكان الوحيد الجدير بكل الأسئلة، لم يكن يتعثّر في إيجاد الأجوبة، بالضبط كعدم تعثره في اقتفاء أثر من ساروا على دليل الهدف دون حيادٍ أو مجاملةٍ أو سكون؛ فكان يصوغ إرادته متكئًا على وعيه الذي شبَّ وسط سؤال حارق: لماذا أنا لاجئ؟
وسَط زِحام مدينة فيصل المصرية، قبل تسعة أعوام؛ كان اللقاء الأوّل بين لاجئيّن التقيا على وقع أغنيةٍ صدحت بها حناجرنا صغارًا وكبارًا: "وطني حبيبي الوطن الأكبر"؛ بعد أن كنت عرفته من قبل عبر صفحات مجلّة الهدف، وكوّنت انطباعاتي الأولى عنه؛ فتصورت أن يكون شابًا يافعًا مفعمًا بالحيوية والنشاط واتّقاد الأفكار والنهم الثقافي والانكباب على القراءة الفاحصة؛ مقبلًا على الحياة أو موقع "اللجوء" الإجباري الجديد بعد خروجه القسري من سورية المُثقلة بحربٍ ضروس؛ بابتسامةٍ لم تستطع أن تُخفي وجع (75) سنة مستمرة، ورثه عن جدته حليمة، تلك المرأة التي كانت تملك رائحةً لا مثيل لها؛ رائحة البلاد.
كان كما تصورت وأكثر؛ الإنسان الكريم، الودود، الصادق، المخلص، الوفي، مرهف الحس، الحالم، المطمئن إلى خياره، القلق بين أسئلة الحاضر والمستقبل، المتوتر بين رهاناته التي لم تكن خاسرة. لقد كان ذاك الفلسطيني النموذجي في بحثه عن ذاته وسط قضيته/هدفه، وسعيه أن يترجم أبجديات الوصل بين الثقافة والسياسة إلى فعلٍ ثوريٍّ جماعيٍّ تحرري... لذا لم ينحسر إنتاجه يومًا، بل منحنا رصيدًا هائلًا كي لا نتوه أو نحيد عن الهدف.
كتب برصيده الهائل من الإنتاج الثقافي والسياسي تعريفه لذاته كما أراد هو، وليس كما أراد غيره؛ فانتزع موقعه من سكرتير للتحرير ومسؤول عن قسم العدو في مجلة الهدف، إلى المحرّر المنفّذ، الذي أعطى للموقع قيمته ودوره ومستواه الذي يستحقه بجدارة... فكان هو من يعيد خلق ذاته بمحاورة المعرفة والكتب لا بمجاراة الكراسي والرُتب.
كنت كما أردت يا أحمد... ذاك الفدائي المثقف الذي بُعث حيًّا من قلب نكبة شعبه، ويتجدد باستمرار مع كل تجربةٍ من علّقم الحياة، التي اختارت له منفًى جديدًا في تركيا؛ فالوطن الأكبر ضاق بأهله، ولم يعد للحياة متّسعٌ فيه أمام تغول أدوات القهر والقتل والسحل على الهوية ونفي العربي المُسجل خطر في أروقة الأمن وأجهزة التعقب السرية.
أحمد لم يكن عنوانًا للاختلال القائم بين فكرة الوطن الأكبر والمواطن الذي تسحقه عصا جلادٍ وجد بها "مصدر رزقه"، بل كان ذاك الانسجام والتكامل القادر أن يميز العدو من الصديق، والغث من السمين، والوهم من الحقيقة، والحلم من الإمكانية، والقول من الفعل، والظاهر من الجوهر، والجاهل من العالم... لقد ترجم بحق قوله وهو يكتشف ذاته: "أن المعرفة تتطلب جهدًا استثنائيًّا"... فالمعرفةُ مغامرةٌ متجددةٌ في اكتشاف الذات وإعادة موضعتها... وتحديد المسار الصحيح الذي أبقاه غاضبًا كما الانتفاضة، ومن ثَمَّ قادرًا على أن يعطينا رصيدًا هائلًا من المعرفة؛ فهو الإنسان الذي يساوي ما أنجز في حياته.
تسعة أعوام على أول لقاءٍ لنا ويوم واحد على آخر مهاتفةٍ بيننا وساعات معدودة على وقع فجيعة رحيلك المبكر عنا... أفقدتني اتزان قدرة الكتابة المُبكرة لك وعنك.. فعزاؤنا أن رصيدك في الهدف، هو حقيقةٌ وغايةٌ وصوابٌ وهدفٌ مستمر.
سلامٌ لك يا خال - كما كنت تحب مناداتي - موصولٌ بين أحرف الفكرة التي آمنت بها هدفًا لا ينتهي، وأعطيتها رصيدًا سنبقى نغتني منه: فلسطين التي تفتقدك اليوم أيضًا.

