مديرُ مركزِ دراساتِ أرضِ فلسطين للتنمية والانتماء/ تونس
تميّزت التجربةُ النضاليّةُ لليسار الأمريكي اللاتيني بمعاكستها للحظة الاحباط التاريخيّة التي اتّسمت بانهيار الاتّحاد السوفييتي، وهيمنة أمريكيا على النظام الدولي، وتغلغل النيوليبراليّة في كلّ مكان؛ الأمرُ الذي جعلها موضوعًا للبحث، سواءً بهدف المعرفة المجرّدة او الاستفادة العمليّة. هذا المقالُ عبارةٌ عن قراءةٍ مكثّفةٍ للتجربة، ومبعث التكثيف لا يعود فقط إلى حدود المساحة المتاحة للكتابة، إنّما أيضًا لمحاولة الإمساك بالجوهر، والتجاوز إلى حدٍّ ما عن التفاصيل التي لا تخفى على المتابع المهتمّ، وكذلك محاولة الإمساك بما هو مشتركٌ بين صنّاع التجربة، أكثر من الغرق فيما هو مميّزٌ ومختلف؛ لأنّ التجربة تتبدّى لنا في مسارها العام أقرب إلى حركة تحرّرٍ وطنيٍّ وقوميّ، بشكلٍ يكاد يلاغي واقعنا. يتأكد ذلك إذا دققنا النظر بوعيٍ منفتحٍ على مختلف جوانبها. ما ينضوي عليه المقال ضمنيًّا من احتفاءٍ وإطراءٍ للتجربة، لا ينفي أنّها تواجه تحدّياتٍ وعثراتٍ حاولنا الإشارة إلى أهمّها في سياق عناوين المقال الآتية:
العنوانُ الأوّل: المرتكزات الأساسيّة لوعي المرحلة التاريخيّة:
تتمثّلُ تلك المرتكزات في مجموعةٍ من العناصر التي يُستند إليها في سياق التكيف النضالي لقوى اليسار مع واقع بلدان القارة، وهي ثلاثة:
أوّلًا: مرتكز الوعي بالدور الاستعماريّ الخارجيّ:
يتحدّد في العنصر التاريخيّ، ويتبدّى في الوعي بالإرث الاستعماريّ القديم، وما ترتّب عليه من تأثيراتٍ سلبيّةٍ مسّت مختلف مناحي الحياة في القارة. والعنصر السياسيّ، ويتجسّد في التدخّلِ الأمريكيّ المستمرّ في بلدان القارة، وما يترتّب على ذلك من عدم استقرارٍ سياسيّ، تشكّل الانقلابات العسكريّة المتوالية أحد مظاهره. والعنصر الاقتصادي، ويتجلّى في النهب الاقتصادي الذي تمارسه الشركات المتعدّدة الجنسيّة العاملة في قطاعاتٍ عديدةٍ في القارة.
ثانيًا: مرتكز الوعي بآليّات الاستغلال الداخليّ:
ويتمثّل في مفرزات المرتكز الأوّل، ويتلخّص في تركيز ملكيّة الأرض والتوزيع غير العادل للثروات، بالإضافة إلى تأخّر عمليّات التحديث والتصنيع. وانخفاض نسبة الطبقة العاملة في أغلب بلدان القارة. وبروز قوى النهب والاستغلال الداخلي التي نمت على هامش العملية الاستعمارية القديمة والحديثة، وباتت تسيطر على اقتصاد البلدان، وتربطه بدوائر الاحتكار الإمبريالي، وتهيمنُ على الحياة السياسيّة عبر سياسيّين فاسدين، والتركّز السكاني في المدن وحركة النزوح من الريف، وتنامي القطاعات الشعبية التي تعاني من الإقصاء والتهميش المادي والثقافي، خاصّةً السكّان الأصليّين، وانتشار العشوائيّات والجريمة المنظّمة. واتّساع دائرة الفقر، وغير ذلك من الظواهر الاجتماعيّة السلبيّة.
ثالثًا: مرتكز الوعي بمستوى الاستجابة وآلياتها:
ويتمثّل في وعي الدور والمهمّة الملقاة على عاتق اليسار لمواجهة التحدّيات السابقة، وترتسم الملامح المؤطّرة للوعي، في الإدراك العام بعمق العلاقة بين الدور الاستعماري والاستغلال الداخلي، بما تستدعيه من تداخلٍ بين النضال الاجتماعيّ والوطنيّ؛ ولأنّ الأمر يشملُ قارّةً برمتها، فهو يتبلور في هيئة حركة تحرّرٍ وطنيٍّ/ وقوميٍّ مناهضةً للإمبريالية، وتسعى للتخلّص من الإرث الاستعماري، وتستلهم روحها من الإرث النضالي، والمُثُل العليا لمناضلي القارّة الأوائل والجدد. وكذلك في الإدراك الخاص بمشروعيّة اختلاف الأولويات، وتفاوت التحدّيات السياسيّة والاقتصاديّة المباشرة التي تواجه كلّ تجربة، وبالنتيجة اختلال الأفكار والقضايا التي يتم تبنيها والدفاع عنها في هذ البلد أو ذاك.
رابعًا: مرتكز الوعي ببلورة أداة المؤاطرة:
ويتمثّل في الإدراك بضرورة وجود إطارٍ قاريٍّ يشكّلُ منبرًا للقاء والحوار وتبادل التجارب وصياغة الأسس العامة والاستراتيجيّات بين قوى اليسار، وفي هذا السياق تمَّ تأسيس منتدى ساو باولو عام 1990، الذي يعدّ تطويرًا خلّاقًا للجنة الاقتصاديّة لأمريكيا اللاتينيّة التي أسست في سانتياغو بالبرازيل، وأدّت دورًا تقدميًّا على مستوى القارّة. وقد شكّل المنتدى بمبادرةٍ من فيدل كاسترو، وزعيم حزب العمل البرازيلي لولا دا سيلفا، والقيادي في جبهة تحرير السلفادور شفيك هاندل. وذلك بالتزامن مع تفكّك الاتحاد السوفيتي، وهجوم الليبراليّة الجديدة، وفقدان المرجعيّة التقدميّة واليساريّة، وظهور تجاربَ سياسيّةٍ وانتخابيّةٍ جديدةٍ في القارة. وقد شارك في "الدورة 25" عامَ 2019 نحو 190 وفدًا يمثّلون قوى اليسار السياسي والحركات الاجتماعية والمنظّمات العمّالية. وقد حدّد المنتدى مهمّته في "طرح البدائل"، وفي تطوير المواقف المشتركة، لاستمرار التحولات التقدّمية في المنطقة. وعلى هذه الأرضيّة يقوم بتنظيم ورش العمل، حول الشبيبة، والنساء، والسكان الأصليين، والمنحدرين من أصولٍ إفريقيّة، الثقافة والفنّ والنضال ضدّ الاستعمار، وتحليل دور مؤسسات الإعلام. هذا إلى جانب مبادرات بعض الأحزاب، ومن ضمنها الندوة الأممية الدورية التي ينظمها حزب العمل المكسيكي التي شارك في دورتها 16 عام 2012 نحو200 حزبٍ يساريٍّ وشيوعيٍّ يمثلون 48 بلدًا، و300 مندوبٍ يمثلون منظماتٍ مكسيكية.
العنوان الثاني: مرتكزات وتحديات الممارسة الميدانية:
وتتمثل في وسيلة الانتقال من التصورات النظرية إلى الممارسة الميدانية، وذلك عبر ثلاثة عناصر أساسية هي:
أوّلًا: الأدوات النضالية:
وتتحدّد في القوى التي تتصدّى لخوض النضال في بلدان القارة، من حيث التركيبة والأيديولوجيا، آخذين بعين الاعتبار أنّ كلًّا منها يخوض المعركة في إطارٍ وطنيٍّ محدّد جغرافيا، وذلك في إطار رؤية عامة تضفي على هذا النضال طابعًا قوميًّا قاريًّا. وتتّسم هذه القوى على المستوى الوطني والقارّي، بالتنوّع على صعيد الفكر والتنظيم والأداء السياسي، حيث تتشكّل من الحركات الاجتماعية الاحتجاجية، والمنظمات الجماهيرية والمهنية، ومنظمات المجتمع المدني، والحركات النسائية والشبابية، إلى جانب أحزاب اليسار التقليدية. وتنتمي في معظمها إلى يسار الوسط، وتراوح ما بين الاشتراكية الديمقراطية، والديمقراطية الاجتماعية. هذا التنوع على مستوى كل بلدٍ وعلى مستوى القارة، يستدعي اشتغال ماكينة الصقل الفكري والسياسي بكل طاقتها، لتجنب الخلافات الداخلية والخارجية ومعالجتها، التي تبرز بين فترةٍ وأخرى، سواءً تعلّق الأمر بقضايا سياسية داخلية أو خارجية، وفي هذا المستوى تبرز أهمية تركيز قوى اليسار والقوى التقدمية في القارة، على المشتركات، وفي مقدّمتها مواجهة تقدّم الإمبرياليّة وقوى اليمين المتطرّف.
ثانيًا: العمل الجماهيريّ:
يشكّل العمل الجماهيري ميدان الممارسة الميدانية الحقيقية لقوى اليسار في القارة، التي اتّسم نضالها بالطابع الجماهيري المستند لقاعدتي الاتّساع والعمق ومجابهة التحدّيات من ناحية.
1 ــ الاتّساع: وتمثّل في القدرة على التحرّك بين مختلف الأوساط الجماهيرية عبر منظماتها المختلفة بين الطلبة والنساء والشبيبة والسكان الأصليين، وعدم اقتصار النضال على قوى الأحزاب فقط، وهذا مكّنها من نحت برامجها من الواقع المباشر، وبالنتيجة فتح المجال لالتفاف قطاعاتٍ جماهيريّةٍ واسعةٍ حول برامجها المناهضة للإمبرياليّة والاستعمار، والمستجيبة للتطلّعات الجماهيريّة، ومختلف الشرائح الاجتماعيّة على المستويات الاقتصاديّة والتنمويّة والبيئيّة والجندريّة.
2 ــ العمق: ويتبدى في ثلاثة عناصر ترتبط بواقع القارة، وتتمثل أوّلًا في الوعي بدور الكنيسة الكاثوليكية وتجذرها وتأثيرها في قطاعاتٍ جماهيريّةٍ واسعة، والتصرّف بمقتضى هذا الوعي من أجل كسبها لصالح البرامج الاجتماعية والسياسية لليسار. وثانيًا في المعرفة بالتركيبة العرقية للقارة التي تضم السكان الأصليين والمهاجرين، إضافةً إلى عرقيّاتٍ وقوميّاتٍ متعدّدةٍ من أوروبا وآسيا وإفريقيا. وثالثًا المعرفة بالتعدّديّة اللغويّة التي تتبدّى في أكثر من 500 لغة في القارة، على الرغم من انتشار اللغتين الإسبانية والبرتغاليّة كلغتين رسميتين. بما ينضوي عليه ذلك من وعيٍ بالتراث الخاص والعام لشعوب أمريكا اللاتينيّة، بما ترتّب على ذلك من إيجاد الخطاب المناسب صيغةً ولغةً وقدرةً على التأثير.
3 ــ التحدّيات: لقد أدّى تفاقم الأزمة الاقتصاديّة – الاجتماعيّة، وتنامي الفقر والتهميش. دورًا مهمًّا في التفاف قطاعاتٍ جماهيريّةٍ واسعةٍ حول اليسار، لكن هذا العامل لم يكن يشتغل بطريقةٍ ميكانيكيّة، فهو يوفّرُ قاعدةً اجتماعيّةً واسعةً تستطيعُ كل القوى أن تعمل فيها؛ ولأنّها تشكل القاعدة الشعبيّة الموضوعيّة لليسار، فهي مستهدفةٌ دومًا من قبل اليمين الشعبوي الذي يحاول جذبها لصالحه من خلال تشويه وعيها. ومن الملاحظ تركيزه على إجهاض تجربة اليسار في استقطاب الكنيسة الكاثوليكيّة، بالاعتماد على تعزيز التطرّف الديني المستند إلى الكنائس الإنجيليّة. وتقديم المعركة مع اليسار بشكلٍ إيمانيّ وعنصريّ، فقد طاف أنصار الانقلاب في بوليفيا الشوارع وهم يحملون الأناجيل ويترنمون بالأدعية. كما أحرقوا علم ويبالا، علم الشعوب الأصلية في بوليفيا، واعتدوا على العديد منهم.
ثالثا: الأساليب النضاليّة:
لقد اختار يسار أمريكيا اللاتينية النضال السلمي طريقًا للوصول إلى السلطة، بعد أن جرّب كل أشكال النضال، بدءًا بالكفاح المسلح الذي دشنته الثورة الكوبية، والنيكاراغوية، وخاضته مجموعات يسارية مختلفة، سواء في المدن او الغابات. إلا أن أيًّا منها لم يستطع الوصول إلى السلطة عبر هذا الطريق عدا كوبا عام1959 ونيكاراغوا عام 1979. ومرورًا بالانقلاب العسكري الذي قاده شافيز عام 1992 بفنزويلا، وانتهى بالفشل واعتقال شافيز. وإذا استثنينا التجربة التشيلية التي انتهت بالانقلاب واغتيال سلفادور اللندي عام 1973، فقد بدأت صيغة النضال السلمي الجديدة بخوض شافيز للانتخاب وفوزه بمقعد الرئاسة عام 1998، بعد ثلاث سنوات ونصف قضاها في السجن. وهي التجربة التي استمرت في أكثر من بلدٍ، حيث وصل اليسار إلى السلطة في موجتي صعودٍ فصلت بينهما موجة هبوط لصالح قوى اليمين. الذي تمكّن من استعادة السلطة عبر صناديق الانتخابات. أو عن طريق التآمر والانقلاب العسكري على الحكومات اليساريّة الشرعيّة، بما يرافق ذلك من عزل وإقصاء واعتقال، وتشويه السمعة. كما استطاع تمرير إجراءاته الانقلابيّة عبر اختراق الصفوف مستفيدًا من سياسة التغاضي من أجل توسيع جبهة اليسار، ومن المعروف أن أحد المهندسين الرئيسين للانقلاب البرلماني على الرئيسة ديلما روسيف، من حزب العمال البرازيلي كان نائبها في الرئاسة الذي قامت بتعيينه.
خاتمة:
يتحدّد مستوى النجاح الذي حقّقه اليسار في هذا الموقع أو ذاك، ارتباطًا باختلاف التوازن السياسي للقوى الاجتماعية، في هذا البلد أو ذاك؛ الأمر الذي يتكشف في سعي حكومات يسارية إلى إجراء تغييرٍ جذريٍّ في الواقع، بينما تقنع بعضها بمنطق التداول على السلطة. مع الإدراك أن طريق النضال السلمي ليس طريقًا مستقيمًا لتحقيق أهداف اليسار الكبرى. بما يفرضه ذلك من مواجهة تحدي حماية الإنجازات الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي تمَّ تحقيقها من التهديد والتبديد حال وصل اليمين إلى السلطة. لذلك فإنّ اختيار الطريق السلمي لا يعني حصر النشاط في لحظة الصراع على الصندوق الانتخابي، إنّما في استمرار الحفاظ على التعبئة الشعبيّة والاستعداد الدائم للدفاع عن الإنجازات، والتصدّي للإجراءات التعسفيّة التي تتّخذها الحكومات اليمينة حال وصولها للسلطة. وكذلك في العمل على تحويل مرتكزات القوة الأساسية التي يركن إليها اليمين، (الجيش وأجهزة الشرطة والقضاء) لتكون أدوات حماية للمكتسبات التي يتم تحقيقها، والجمع الخلاق بين تحسين الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية للجماهير وتعميق وعيها السياسي بتكثيف العمل السياسي والفكري. بما يضمن التقدم على طريق الأهداف الكبرى بثقةٍ ويقين.

