بادئ ذي بدء، أعلن أني سوف أتحرى الاختصار والإيجاز في عرض لأهم ما جاء في الفصل الخامس من أطروحة عبد الفتاح أبو العز الموسومة ب "قضايا المنهج في العلوم الإنسانية"، من المعلوم للقراء المتمرسين أن هدا الفصل الذي نحيل عليه هنا يشكل تجربة تطبيقية أو مثال تطبيقي لمفهوم القراءة النقدية المعاصرة.
ومن أجل تفادي الحشو والإطناب، سوف أذهب رأسا إلى العيوب والهنات التي سجلها أبو العز على زميله بلفقيه مع انتقاء لأهمها ولأشدها فداحة.
أول ما يعيبه أبو العز على الأستاذ المتخصص في الجغرافيا هو الطول المفرط لمقدمة كتابه، حيث تعدى فيها "توضيح أهداف الكتاب ومنطلقاته، وإعلان محاوره" إلى الإقدام على تلخيص محتويات كتابه. ويشير عبد الغني في هدا السياق إلى أن هدا الانزلاق ذهب ضحيته كُتّاب عرب كُثر يأتي في طليعتهم محمد عابد الجابري في كتابه "نحن والتراث".
ومن ضمن ما يسجله الأستاذ الناقد من عيوب وتناقضات على زميله أستاذ الجغرافيا خلطه بين المطلقات والنسبيات، وذلك في معرض دفاعه عن مرجعيته الإسلامية التي يمنحها الصلاحية المطلقة على حساب ابستيمي العلوم الإنسانية.
يقول بلفقيه بهدذا الصدد: أن "فقه المعرفة" الذي يقترحه كمخرج للنفق الدي تنحبس فيه العلوم الإنسانية هو "نسق فكري لا يتحقق إلا في المذهبية الإسلامية".
هذا التناقض بين المطلق والنسبي لا يستقر في موضع واحد من الكتاب، بل هو مبثوث عبر ثناياه ومفاصله وسوف نصادفه مرة أخرى في ما سيأتي من سطور. أما الآن فإليكم هنة أخرى سقط فيها الأستاذ الذي حاول التأريخ لعلم الجغرافيا. ففي إطار حديثه عن شروط العلم الأربعة من موضوع ومنهج واستنباط وتحليل العلاقة بين الذات والموضوع يقع في خلط لا يليق به كأستاذ جامعي، حيث يعرض تلك الشروط وكأنها مستقلة عن بعضها البعض: أوليس موضوع تنظيم العلاقة بين الذات والموضوع من اختصاص المنهج؟ أوليس الاستبطان من اختصاص الإبستيمولوجيا كتأمل في وسائل التفكير التي هي المنهج بالضرورة؟
ويبلغ التناقض أوجهه السلبية عندما يستشهد بلفقيه بحديث نبوي مفاده أن "الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها"، وذلك من أجل الخروج بحكم ينزع عن العلوم الإنسانية طابع المتاح للبشرية على حد تعبير عبد الله العروي: فهل فحوى الحديث الشريف المستشهد به يحضنا على الانفتاح والاجتهاد أم على الانغلاق والاتباع؟
خارج المقدمة الحافلة بالتناقضات والعلاقات المفروضة فرضا بين الجغرافيا والمقدسات، نجد أن فصول الكتاب لا تخلو هي الأخرى من عيوب ومفارقات؛ فمثلا، في الفصل الأول يتبنى رأي ريتر وينقل بالتبني كلام بول كلافال الذي يوافق فيه على صواب تعريف الأخير للجغرافيا باعتبارها العلم الدي يصف الكرة الأرضية، من حيث أنها مهد الإنسان وينوه به على أساس أنه (ريتر) ينطلق في ذلك من الفلسفة الغائية. لاحظ أن الباحث في تاريخ الجغرافيا يصمت ولايبدي اعتراضا على هذه الدعوى وكأنه يوافق عليها، لكنه في سياق حديثه عن مزايا راتزل بشكل إيجابي بناء على ما تسمح به من مقاييس جغرافية "أكثر ملاءمة لضبط التفاعلات" ولتفادي الالتباسات الغائية التي تتصف بها الرؤية الهردرية.
في فقرة موالية، يرد أبو العز على كلام زميله منطلقا من انتقاده للفلسفة الغائية ووصفها بالغموض والالتباس، وبالرغم من موافقته الضمنية على تعريف الغائية الذي اعتمده خصمه والذي مفاده أنها "إدماج غير ممنهج، وملفق للمعتقدات الدينية داخل الفكر العلمي، الذي لا يتناقض مع الفكر الديني الإسلامي"، (رغم ذلك) يطرح أبو العز هذا السؤال: كيف يبيح الكاتب لنفسه ما ينتقده ويحرمه على غيره؟
ختاما، لو أن الأستاذ محمد بلفقيه شارك زملاءه وأصدقاءه قراءة عمله وهو على شكل مخطوط؛ لكان بإمكانه اهتبال فرص التقويم والتصحيح التي من شأنها تخليص أطروحته من تلك الشوائب المشينة وتنقيحها مما علق بها من مفارقات وتناقضات.
بقي أن أشير إلى أن الكتاب الأول موضوع هذه القراءة من منشورات الرباط العاصمة ،وهو صادر سنة 1991، فيما كتاب أبو العز من منشورات العاصمة الاقتصادية، وقد صدر عن مطبعة النجاح الجديدة سنة 2008.

