Menu

مغالطات أورسولا فون دير لاين

حاتم استانبولي

في تسجيل مصور عبرت فيه رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا دير لاين عن تهنئة إسرائيل في عيد مولدها. الكلمة المصورة كانت قصيرة، لكنها حملت العديد من الأفكار المتناقضة والعنصرية والمغلوطة، من حيث السياق التاريخي، ومن حيث الوقائع، ومتعارضة مع السياسة المعلنة للاتحاد الأوروبي.

تزوير التاريخ:

ورد في الكلمة أن مرور ٧٥ عامًا على استقلال دولة إسرائيل كان تحقيقًا للنبوءة التوراتية في أرض الميعاد، هذه العبارة تحمل مفهومًا أن دولة إسرائيل كانت قائمة ما قبل ١٩٤٨ وأنها كانت تحت الاحتلال البريطاني واستقلالها كان بعد نجاح الحركة الصهيونية التحررية في إعلان استقلالها، هذا يعبر عن المفهوم الصهيوني لتأسيس الحركة الصهيونية ولدورها. وفي ذات الوقت، تحمل العبارة مغالطة تاريخية، حيث تنكر وجود الشعب الفلسطيني الذي كان وما زال يعيش في أرضه ومتمسكا في عودته وهنالك مؤسسات وقرارات دولية تؤكد حقيقة ذلك.

المغالطة القانونية: العبارة تتعارض مع قرارات الأمم المتحدة رقم ١٨١ و١٩٤ وكذلك قرارات الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر أن إسرائيل قوة احتلال على الأقل ما يخص الأراضي التي احتلت عام ١٩٦٧.

الخلط بين الديني والوطني:

اعتماد الموقف الديني كأساس لقيام الدول هذا يفتح الباب لتشريع الاتجاهات الدينية (يشرع لداعش وأخواتها) واعتمادها، كمدخل للنزاع على الحقوق الوطنية ويقسم المجتمعات على أسس دينية ويعتمد الدين كأساس لتحديد الصفاء العرقي، وهذا يتناقض مع القوانين العلمية والاجتماعية، فلا يمكن أن تحافظ مجموعة بشرية أيًا كانت على صفاء عرقي عبر آلاف السنين، اعتمادًا على قناعاتها الفكرية، فطالما غيرت المجموعات البشرية أَفكارِها وَقناعاتها في إطار العلاقة بين الفكرة والفرد، هذه العلاقة العامل الثابت فيها الفرد أما العامل المتغير فهو الفكرة.

العنصرية والديمقراطية:

في وصفها إسرائيل بالدولة الديمقراطية في قلب الشرق الأوسط، يدعنا أن نتوقف عند المغالطات الفكرية والقانونية والأخلاقية التي تحمله عبارتها.

من الناحية الفكرية، لا يمكن إطلاق مفهوم الديمقراطية على دولة قائمة على أساس المفهوم الديني، وهي لا تملك دستورا يُعرف عن ماهيتها، وفي الواقع هي تحمل تعددية دينية وعرقية وثقافية، وكذلك استفراد مجموعة دينية بالقوة العسكرية للسيطرة على الفئات الاجتماعية الأخرى هو بالجوهر يُسقط الصفة الديمقراطية عنها، إذا ما أضفنا لها الجانب القانوني الدولي الذي يؤكد صفة الاحتلال لإسرائيل، هذا ينفي الصفة الديمقراطية، بل يؤكد الصفة الإرهابية الإجرامية العسكرية للدولة وجيشها.

أما العبارة التي تتحدث عن القيم المشتركة التي تعبر عن مئات الآلاف من الإسرائيليين الذين يحملون الجنسية المشتركة، فإن هذه العبارة هي اعتراف من رأس الهرم السياسي الأوروبي أن الاحتلال الإسرائيلي، يحمل الصفة الإحلالية والعدوانية تجاه المجتمع المحلي الفلسطيني، الذي يعاني من فقدان هويته السياسية والمدنية، نتيجة لهذا الزحف الاستيطاني الأوروبي ل فلسطين قبل مائة عام. وهي تعلم أن الشعب الفلسطيني الذي هُجر من أرضه وحرم من هويته السياسية والمدنية، فقد أبسط الحقوق الانسانية في حرية العيش الكريم وحرية التنقل وحرم من العدالة الاجتماعية والسياسية والقانونية والمدنية، بل أجبر على الالتحاق والانصهار في مجتمعات قصرًا، من أجل إضفاء الطابع الشرعي لقيام مجتمع ديني عنصري قائم على أساس صفاء الفكرة الدينية في تعارض مع كل القيم والقوانين الأوروبية والدولية.

كلمة السيدة أورسولا فون دير لاين تعبر عن صَهيونيتها المقيتة، التي لا ترى الصفة الاحتلالية الإحلالية العسكرية الإرهابية الإجرامية ( للدولة اليهودية)، القائمة على القتل الميداني والإرهاب والاعتقال ومصادرة الأراضي منذ ٧٥ عامًا، في حين جندت نفسها ليل نهار من أجل مواجهة روسيا التي اعتبرتها دولة احتلال ترتكب جرائم ضد الدولة الشعب الأوكراني. هذا الموقف المزدوج بالتفريق بين مفهوم الاحتلال الذي يشرع الاحتلال الصهيوني الاستيطاني الإحلالي لفلسطين ويواجه الاحتلال الروسي لأوكرانيا.

هنا يطرح السؤال: لماذا هذا الموقف المزدوج اللاأخلاقي المتناقض الفاضح لِرئيسة المفوضية الأوروبية ومجموعتها وعلى رأسهم السيد جوزيب بوريل الممثل السامي للمفوضية الأوروبية؟

المفهوم الديمقراطي الذي يحمل رباعية الحرية والعدالة والمساواة والمشاركة هي مفاهيم إنسانية عامة، ليست مقتصرة على فئة محددة، تحمل لونًا خاصًا أو دينًا خاصًا أو عرقًا خاصًا، إنها مفاهيم عابرة للأديان والأعراق والألوان والجنس والسن والصفات الفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية، فلا يمكن أن تكون مجتمعات حرة وديمقراطية، إذا قامت على أساس فكرة الصفاء الديني أو العرقي أو اللون أو الجنس أو من خلال احتلالها أو اضطهادها لمجتمعات تحمل دينًا وثقافةً مختلفةً أو متعارضةً.

أما عبارة السيدة أورسولا فون دير لاين حول تحقيق الرواية الدينية بأرض الميعاد، فإنها تعطي مبررات لِاعتماد الروايات الدينية كمعيار لتأسيس الدول، وهذا يعيد البشرية لمرحلة الحروب الدينية، التي تعطي الشرعية للتنظيمات القائمة على الأفكار الدينية وفي مقدمتها داعش وأخواتها، إن كانت إسلامية أو مسيحية أو يهودية.

هذه الأفكار المغلوطة والمتناقضة التي ساقتها السيدة أورسولا فون دير لاين في كلمتها، بمناسبة جريمة النكبة الفلسطينية، تعطي الشرعية للاتجاهات الأكثر رجعية في إسرائيل لارتكاب المزيد من الجرائم بحق الشعب الفلسطيني، الذي لم تذكره في كلمتها في تناقض مع قرارات وسياسات الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.

كلمتها في الجوهر تعبر عن صَهيونيتها ولا تعبر عن موقف شعوب الاتحاد الأوروبي، الذي عبر في أكثر من مناسبة عن دعمه لحقوق الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال وممارساته الاجرامية.