Menu

بمناسبة يوم الأسير.. الرسالة الإعلاميّة للأسرى

الأسير منذر خلف مفلح

نشر هذا المقال في العدد 49 من مجلة الهدف الإلكترونية

التحرّر وتحرير الأسرى هي رسالة الأسرى في يوم الأسير، بل إنّ يوم الأسير هو رسالةٌ إعلاميّةٌ بحدّ ذاتها، انطلق الاحتفال به في السابع عشر من نيسان، عام 1974، متزامنًا مع ذكرى تحرير إحدى أوائل أسرى الثورة الفلسطينية المعاصرة؛ محمود حجازي، إثر عملية تبادل للأسرى؛ بالمختصر هكذا يفهم الأسرى يوم الأسير، وهكذا يتصورون الاحتفاليّة في كلِّ عام، ويُصرّون عليها كإصرارهم على تكرار فعل الحرية، حتى ولو بحدودها الدنيا، وهو إحياء المناسبة.

ولعلّه من المناسب التأكيد على أن النضال بشكلٍ عام هو عبارةٌ عن إعلان موقفٍ تجاهَ قضيّة ما، ودفع الثمن في سبيلها، وعلى ذلك، فإنّ الفهم العميق للأسرى لقيدهم هو التعبير إعلاميًّا عن رفضهم الاحتلال، وتأكيدهم على مشروعية النضال، والثورة الدائمة في وجه المُستعمِر والسجان باعتبارهما وجهين لعمليّة واحدة. ومن ثَمَّ؛ يخوض الأسرى نضالاتهم في إطار ربطٍ جدليٍّ لكل حالةٍ نضاليّةٍ يقومون بها مع فهمهم لمقصد الحرية والتحرّر، وهو الفعل أو حرية الفعل والإرادة، لهذا يصرّون على إبراز مواقفهم ونضالاتهم مهما كانت صغيرة؛ لإدراكهم أن هذه الأفعال هي رسائل احتجاج بالقول والفعل، وعلى ذلك هي جزءٌ من حربٍ إعلاميّةٍ تُدار في كل لحظةٍ من أجل الدفاع عن الذات، وعن مشروعيّة النضال الفلسطيني في مواجهة عمليّات التشويه والتفريغ والتطويع: فما هي تحت هذا الفهم رسالة الأسرى في يوم الأسير؟

الرسالة الأهم هي إعادة الاعتبار لمفهوم التحرّر والتحرير، وإعادة صياغة المفهوم النضاليّ والوطنيّ الفلسطينيّ؛ عبر تكريس حالةٍ نضاليّةٍ عامةٍ يُقدّم فيها الأسرى نموذجًا بالنضال والعطاء والتضحية والوحدة، ومحاولاتهم تقديم نماذج نظريّة وعمليّة لتطوير الأدوات والأشكال النضاليّة باستمرار، وكذلك محاولات تقديم صيغ وحدوية، وأشكال تمثيلية لمجموع الأسرى، باعتبارهما ممكنًا وواقعًا يمكن إنتاجه في الخارج بديلًا عن حالة الانقسام السياسي.

واشتقاقًا مما سبق، فإنّ الأسرى يحذرون من الوقوع في فخ المبالغة الإعلاميّة لتكريس حالتهم وقضيتهم التي هي قضيّة تحرّر؛ عبر تحويلها لمنبرٍ إعلاميٍّ للمزايدات، وتبرير الذات دون الغوص في الشكل الحقيقي من أشكال مواجهة السجن وسياسته كما يُعبّر عنها السجان، باعتبار السجن أداة "تأديب وردع جماعي" تجاه المبادرات الكفاحية والنضالية، وبناء الكينونة الوطنية؛ عبر انتهاج تكتيكاتٍ تحبط السجن باعتبارها أداةَ ردعٍ وتأديبٍ وقمع؛ بالإصرار والمثابرة على تحرير الأسرى، وليس تحويلهم ثابتًا سياسيًّا في إطار عمليات المساومة؛ فالأسير إنسانٌ وقضيّة، وليس قضيّة فقط، كما أنّه ليس رقمًا، بل هو مقاتلٌ من أجل الحرية، لهذا فالمطلوب أن يكون الإعلام أداةً صغيرةً في إطار الأداة الأكبر التي تؤدي لعملية تحريرٍ حقيقيٍّ ونفيٍّ لحالة السجن.

لقد انطلقت الثورة الفلسطينية، وأخذت كل القوى السياسيّة الفلسطينية مشروعيتها وتبرير وجودها على أساس مشروع تحرير الأرض والإنسان، بمعنى نفي حالة القيد والسجن، وعلى هذا الفهم هنالك التزامٌ أخلاقيٌّ مفترضٌ ما بين الثورة أو الفصائل الفلسطينية، والأسرى لتحريرهم، وهنالك قبلًا شعارٌ مرفوعٌ ومهمّةٌ ملحّة الإنجاز ودائمة الفعل، وهي العمل على تحرير الأسرى.

إذن؛ كان مطلوبًا دورٌ للإعلام، أو رسالة إعلامية للأسرى؛ هي إعادة إنجاز مشروعٍ إعلاميٍّ تحرّري، يحرص على رفع صوتهم عاليًا، باعتباره صرخةَ حريّة، ولا شيء غير الحريّة، حريّة شعبنا من مستعمِره، وحريّة الأسرى من السجون.

الرسالة الإعلاميّة للأسرى كثّفها وبشكلٍ دقيقٍ ومنذ عقود الشهيد الإعلامي والمفكر المناضل غسان كنفاني "دقّوا جدران الخزان"، ومنذ تلك الصرخة التي أدرجها الأسرى بعمق وهم يحرصون على صوغ رسائلهم الإعلامية بالمناسبات كافةً على اعتبار أنّهم يطلقون صرخةَ حريّة، قد تنسحب عنها صرخات احتجاج واعتراض، وتظاهر مؤقت في مواجهة سياسات السجان، ولكنها في إطارها تُعبّر عن صرخة أكبر، وطرقات تستهدف تحطيم جدران السجن ونفي حالة السجن الدائم التي يسعى الاحتلال لتعميمها وتكريسها.

لم تعد أنشودة "يا ظلام السجن خيّم" تُعبّر عن الأسرى، وليس نحن هواةً للظلام، ولم يعد من المجدي انتظار بزوغ الفجر، بل حفر الأسرى بأيديهم وبإرادتهم، نفقًا، يجبرون الفجر فيه على البزوغ، ليحملوه فوق أكتافهم رسالةَ احتجاجٍ على استمرار الاعتقال عشرات السنوات، كما لم يكن هدف الأسرى الحقيقي هو التحرر فقط أفرادًا، بل هو رسالة حرية يجب تنفيذها من قبل الجميع، بدلًا من تحويل قضية الأسرى لقضية امتيازاتٍ ورواتب ورتب، أو تحويل يوم الأسير لمناسباتٍ احتفاليّةٍ وكرنفالات ومناشدات، وبهذا فإنّ تكريس ماكينة إعلامية لفضح جرائم السجان ضد الأسرى، أو كشف أدواته، وتعداد ضحاياه من الأسرى الشهداء تقع في إطارٍ من التثقيف والتحريض، وهذا جزءٌ من رسالة الإعلام، ولكن الإعلام الحقيقي عَبّر عنه فدائيّو الثورة الذين أصرّوا على الهبوط بطائرة "آل عال" في مطار اللد، والمطالبة عبر مكبّرات الصوت بتحرير الأسرى، وإذاعة أسمائهم من موقع الفعل النضالي الذي يستهدف حرّيتهم، وليس من موقعٍ آخر.

رسالة الأسرى الأخيرة في هذه العجالة هي أن الثورة تنطلق بعددٍ من المقاتلين المؤمنين بخيار الثورة، وبعض البنادق وتحت شعار "إعلاميّ الثورة"؛ بهدف تحرير الأرض والإنسان، وهو ما أنجزته الثورة في بداياتها؛ لذا لم يعد من المقبول أن نتفاخر بتعداد المقاتلين أو المسلحين أو العناصر العسكرية الفلسطينية الذين يتجاوزون عشرات الآلاف، وربما مئات الآلاف، وتمتلك مئات آلاف الصواريخ، والمنابر السياسية والإعلامية والمساحات الواسعة للفعل، بينما لا تستطيع وعبر سنوات من تحقيق إنجاز حرية الأسرى، وهو ما تعمق في الآونة الأخيرة فهمًا لدى الأسرى، بأنّهم مادةٌ لتبرير الحضور والوجود وشرعنة الأفعال والتصرّفات، ومادة خادمة لقضايا غير قضايا تحريرهم؛ باعتبارها الرسالة التي انطلقت مع بدايات الاحتفال بيوم الأسير، وباعتبارها مناسبة أو احتفالية تحرير، وليس مناسبة كرنفالية سنويّة دائمة.

الرسالةُ الإعلاميّةُ للأسرى هي إعادة الفهم الصحيح للعلاقة ما بين الثورة والمقاومة، ومشروع حرية الأسرى، وإعادة العمل بروحيّة الالتزام الأخلاقيّ ما بين الثورة والمقاومة، وما بين جنودها وقادتها بإنجاز الحريّة؛ باعتبارها مهمّةً بحاجةٍ لحسم، وليس شعارًا مرفوعًا.