في النضال الوطني عمومًا، لا يتمّ حسم المعركة بالضربة القاضيّة، ولا يتم تحقيق الأهداف الوطنيّة دفعةً واحدةً، بل يتم ذلك بالنضال المستمر والمتواصل، ومراكمة الإنجازات وتعلّم الدروس، ولكي نعلن انتصارنا يجب بدايةً أن نُحدّد أهدافنا بدقّةٍ ووضوح، وبطريقةٍ يمكن قياسها لنتمكّن من تحديد مدى نجاحنا في تحقيق هذا الهدف أو ذاك، وهو أيضًا ينسحب على نضالات الحركة الأسيرة على مدى سنوات الاحتلال، فما هو موجودٌ اليوم من إنجازات لم تتحقق دفعةً واحدة، بل كانت نتيجةَ سلسلةٍ طويلةٍ من النضالات المستمرّة والمتواصلة، وهي مجبولةٌ بمعاناة وآلام وتضحيات ودماء من سبقنا من رفاق الأسر؛ أولئك الذين شقّوا طريق نضال الحركة الأسيرة الطويلة والمُمتدّ لستينات القرن الماضي وعمّدوه بدماء شهداء الحركة الأسيرة.
عند تقييم خطوةٍ نضاليّةٍ للحركة الأسيرة لا بدّ من أخذ السياق التاريخي والواقع الملموس بعين الاعتبار ضمن عملية التقييم، وهنا يمكن تقسيم تاريخ الحركة الأسيرة لأربعة مراحل تاريخيّة مهمّة:
من 67- 92 (ما قبل أوسلو).
من 93-2000(بعد اتفاق أوسلو وحتى بداية انتفاضة الأقصى).
من 2001 حتى 2010 (من انتفاضة الأقصى حتى صفقة شاليط).
من 2011 وحتى الآن (ما بعد صفقة شاليط حتى اليوم).
المرحلة الرابعة 2011 حتى اليوم/ هذه المرحلة هي التي سنركز عليها في تحليلنا، حيث إنّه بعد إنجاز صفقة وفاء الأحرار (شاليط)، وإطلاق عدد من الأسرى نحو 1000 أسير بينهم عددٌ كبير من الأسرى القدامى والمحكومين بالمؤبّد والأحكام العالية؛ أدرك الأسرى الذين لم يخرجوا في الصفقة، أنها انتهت، ولم يُفرج عنهم، وعليهم مواجهة مصيرهم، خاصّةً أنّ أوضاع الأسرى مُترديّةٌ وتزداد سوءًا. الأسرى المعزولون ما زالوا في العزل، الأسرى الإداريون في تزايد، وعليه لا بد من اتخاذ خطواتٍ جديّةٍ لإصلاح الأوضاع؛ فكان إضراب عام 2012 الذي استمرّ مدة شهر وحقق أهدافه بأن أخرج الأسرى المعزولين، ومن أهم إنجازات هذا الإضراب أيضًا؛ أنه أعاد الثقة لدى الأسرى بأن خطوة الإضراب عن الطعام ما زالت مُجدية، ويمكن أن تحقّق أهدافها إذا تم الترتيب لها بشكلٍ جيّدٍ وجماعي.
عند الحديث عن المرحلة الرابعة، لا بدّ أن لا ننسى موضوع الانقسام بين حماس وفتح، وانعكاسه وأثره على الحركة الأسيرة، حيث إن هذا الانقسام انسحب على الحركة الأسيرة بالفصل السكني في الأقسام، والفصل في التمثيل الاعتقالي، وهذا أضاف لتعقيدات الأسر تعقيدًا إضافيًّا يعيق آليات الحوار والاتفاق على خطواتٍ نضاليّةٍ موحّدةٍ في كثيرٍ من الأحيان، وأعطى فرصةً لإدارة مصلحة السجون الاحتلالية للّعب على وتر الانقسام والخلافات، هذا عدا عن عدم توحّد أسرى حركة فتح ضمن جسمٍ موحّدٍ يمثّلهم أسوةً ببقية الفصائل، وهذا جعل بعض السجون تغرد خارج الاتفاق الوطني العام.
في ظل هذا الوضع المتُردي للحركة الأسيرة لا نغفل دور الطرف الثاني للمعادلة إدارة مصلحة السجون ومن خلفها من "وزارة الأمن الداخلي"، وهنا لن نعود بالتاريخ طويلًا فقط قبل أكثر من 3 سنوات عندما استلم "وزارة الأمن الداخلي" الحاقد: جلعاد أردان من حزب الليكود الذي هجم على منجزات الأسرى، وشَكّل لجنةً لفحص آليات جعل حياة الأسرى وظروفهم المعيشية أكثر سوءًا، حيث أصدرت هذه اللجنة تقريرًا يُعرف اليوم بقرارات (لجنة كعتابي) التي تهدف للمس بظروف معيشة الأسرى وإعادتها سنواتٍ طويلة للوراء، ولكن بصمود الحركة الأسيرة وتماسكها لم تنفّذ قرارات هذه اللجنة وتم تجميدها من حكومة "نتنياهو" في حينه، واليوم عادت هذه القرارات إلى الواجهة بعد استلام حفيد كاهانا وراعي شبيبة التلال (لوزارة الأمن القومي) في الحكومة الصهيونية، وبدأ منذ اليوم الأول بعد تشكيل الحكومة الصهيونية الحالية بإطلاق التهديدات للأسرى، وبدأ فعلًا ببعض الإجراءات على الأرض (موضوع المخابز والمياه الساخنة) وغيرها من الخطوات من باب جس نبض الحركة الأسيرة.
في ظل هذا الواقع، لا بدَّ للحركة الأسيرة أن ترد، ولكي يكون الرد مناسبًا ويحقق نتائج، ويضع حدًّا لتهديدات الحكومة الصهيونية ومصلحة السجون، نحتاج لبرنامج وخطة مواجهة وهذا ما حدث فعلًا، حيث توحّدت الحركة الأسيرة خلف لجنة الطوارئ الوطنية العليا التي تتشكّل من القوى الوطنيّة والإسلاميّة على الساحة الاعتقاليّة، وتُعدُّ الممثّل العام للحركة الأسيرة؛ إذ وضعت اللجنة خطة عمل وبرنامج للمواجهة من شقين: شق تكتيكي تَمثّل بإعلان حالة العصيان والتمرد على السجان وإجراءاته، وخوض العديد من الخطوات النضالية المتُفق عليها مسبقًا ضمن جدولٍ زمنيٍّ جرى تنفيذه في جميع السجون مدّة 40 يومًا تقريبًا، وصولًا للخطوة الاستراتيجيّة المُتمثّلة بالإضراب العام عن الطعام، حيث كان من المخطّط أن يخوضه على الأقل 2500 أسير على رأسهم قادة الفصائل والحركة الأسيرة في اليوم الأول من شهر رمضان.
السؤال المهمّ الذي يطرح: هل حقّقت الحركة الأسيرة أهدافها من هذا الحراك؟ هل انتصرت الحركة الأسيرة؟
وللإجابة عن هذا السؤال لا بدّ من مراجعة أهداف حراك "بركان الحرية أو الشهادة"، حيث تَمثّلت أهداف هذا الحراك بالآتي:
1.وقف الإجراءات التي يسعى الاحتلال لفرضها علينا عبر إدارة مصلحة السجون من خلال لجان أو قرارات سياسية.
2. وقف حرب الاستنزاف التي يقودها العدو ضدنا منذ فترة، وبالذات في العامين الأخيرين.
3. رفع ملفّنا ليكون على رأس سلم أولويات فصائلنا للدفع قدمًا في إنجاز حرية أسرانا.
هذه هي الأهداف التي كان من المفترض أن يحققها حراكنا المُتمثل في خطوته الأساسية بالإضراب عن الطعام، وهنا لنرَ ماذا حققت خطوات الأسرى وحراكهم قبل البدء بمعركة الإضراب عن الطعام.
الإنجاز الأساس كان في تعزيز الوحدة الوطنية على الساحة الاعتقاليّة من خلال التئام لجنة الطوارئ الوطنية العليا وعملها بانسجامٍ عالٍ وتوافق، لتُشكّل الممثل والمرجعية للحركة الأسيرة، وهذه اللجنة هي التي اجتمعت وفاوضت مصلحة السجون للوصول للاتفاق الذي وصلنا إليه، وأبرز ما ورد فيه:
1. التزام وتعهد من مصلحة السجون بعدم المس بحياة الأسرى وشروط حياتهم (بمعنى إبقاء الوضع القائم كما هو) وفي حال إحداث أي تغييراتٍ تمس شروط وظروف حياتنا نحتاج مصادقة المجلس الوزاري المصغر (كابنيت).
2. عقد جلسات مع "الشاباك" لفحص ملفاتٍ محددةٍ في الاعتقال الإداري.
3. فتح 6 دشات (حمامات) في الأقسام الجديدة في نفحة، التي تم إغلاق الماء فيها بشكلٍ دائمٍ طوال اليوم، وفتح حمام إضافي في الفورة الأخيرة.
4. تشغيل الهاتف العمومي في مستشفى سجن الرملة 7 أيام في الأسبوع، يتحدث خلالها الأسير في 5 أيام (كانت سابقاً 3 أيام).
5. إعادة المواد التي تم مصادرتها من مطبخ سجن عوفر.
6. الموافقة على إدخال ملابس للأسرى الجدد في سجني عوفر ومجدو.
7. الموافقة على إخراج اثنين من الأسرى المعزولين من العزل.
إضافةً للعديد من القضايا والمطالب التي ما زالت بحاجةٍ لمتابعةٍ وعلاجٍ وسيتم متابعتها لتحقيقها قريبًا.
من الاستعراض السابق للأهداف والنتائج نلاحظ أن الحركة الأسيرة؛ حققت أهدافها بدرجةٍ عالية قبل الخوض في معركة الإضراب عن الطعام، وأن ما جرى كان جولةً ضمن معركةٍ طويلةٍ ومستمرّةٍ مع إدارة مصلحة السجون، وما تمّ جيّد، ويجب البناء عليه للمستقبل بمراكمة مزيدٍ من الإنجازات، وهنا لا نغفل أن كل جهدٍ وخطوةٍ نضاليّة يقوم بها الأسرى هي نصرٌ بشكلٍ أو بآخر؛ مجرد الصمود وإعلاء الصوت في وجه السجان هو نصر؛ عدم الاستكانة والخنوع هو نصر؛ التمسك بالأمل والحلم بالحرية في ظل مرحلةٍ تتّسم بالإحباط، متمثلين بمقولة درويش "في السجن نربي الأمل"؛ هو مقاومة ونصر.

