الواضح أن الحركة السياسية للمملكة العربية السعودية تشهد تغيرات تؤشر إلى إعادة قراءة لسياساتها على كافة المستويات المحلية والإقليمية والدولية، حيث أن قيادة المملكة تعمل بشكل منهجي لإعادة تموضعها الجيوسياسي، من خلال تصفير المشاكل والأزمات، من أجل تعزيز دورها الدولي والإقليمي والعربي والإسلامي ليشكل شبكة أمان لدرء أية استهدافات مستقبلية للمملكة وقيادتها.
هذا التموضع الجديد يتطلب من القيادة السعودية أن تعمل بشكل فاعل لحل الاشكالات التي تحيط بها، إن كانت من الأصدقاء والخصوم والمنافسين والأعداء، وهذه الرؤية السعودية على ما يبدو جاءت نتيجة لفهم عميق لدور واشنطن وما تحضر له إذا ما نجحت في حربها على روسيا في أوكرانيا، حيث ستكون المملكة العربية السعودية البند الأول على جدول أعمال واشنطن، من أجل تغيير سياساتها النفطية والاقتصادية، خاصة فيما يتعلق بسياستها تجاه الصين. فالسياسة الخارجية الأمريكية محور عملها الرئيسي، من حيث الشكل هو حشد الدول ضد روسيا، ولكن من حيث الجوهر، فإنها تتطلع إلى خصمها الاقتصادي اللدود الذي يتمدد مسرعًا ببطء لتقويض المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية الأمريكية في العالم.
إن حجم ودور المملكة السعودية الاقتصادي والمالي، الذي كانت تستثمره الولايات المتحدة لمصلحتها مقابل تقديم الحماية للأسرة الملكية الحاكمة في المملكة العربية السعودية، لم تعد تصرف لدى القيادة الشابة الجديدة في المملكة، التي أدركت أن لعبة التفكيك وإعادة التركيب للنظم والدول، التي تقوم بها الإدارة الأمريكية بوجهيها الديمقراطي والجمهوري، سوف تطالها بعد أن تستثمرها في مواجهة النظام الإيراني المعادي لإسرائيل.
لقد شكل غزو العراق درسًا للقيادة السعودية، من حيث استخدام واشنطن سياسة التلاعب بمكونات العراق الإثنية والقومية والمذهبية، حيث وظفت الشيعة والأكراد ضد نظام صدام (السني)، وبعد ذلك استطاعت واشنطن توظيف السنة ضد الشيعة وتوجيه الإحباط والكراهية، التي تولدت في أوساطها لإطلاق التنظيمات الإرهابية، لاستكمال تدمير مؤسسات الدولة التي بدأ في تدميرها الحاكم العسكري بريمر في العراق وأطلقها لتدمير الدولة السورية.
القضية الثانية التي تثير حفيظة قيادة المملكة هي ما يثار من حين إلى آخر حول حقوق الإنسان في السعودية، ومن الممكن في أية لحظة أن تتحول إلى سياسة فرض العقوبات وتجميد الأرصدة، حيث ارتفعت حدة التخوف بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي وما أثير حولها وهروب رجل الاستخبارات السعودي سعد الجابري والسماح له بالتحريض الإعلامي والقضائي ضد ولي العهد السعودي، بتهم إجرامية، عملت الوسائل الإعلامية لتضخيمها واستخدامها للضغط على المملكة. تأكد هذا التخوف، عندما أعلن السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام في الرابع من ديسمبر ٢٠١٨ عن خطة لتغيير النظام السعودي، عبر عزله ونبذ قيادته، وأضاف أن ولي العهد السعودي هو قوة هدامة.
وتعززت المخاوف بعد سلوك البيت الأبيض وحلفائه تجاه روسيا النووية، هذا السلوك الذي اتسم بعدوانية مفرطة استخدمت فيها كافة الوسائل السياسية والمالية والاقتصادية، والأهم كان تجميد الأصول الروسية الحكومية والفردية. كل ذلك أعطى مؤشرات للقيادة السعودية أن سياسة وضع بيضها في سلة واحدة محفوفة بالمخاطر، خاصة إذا ما نجحت الولايات المتحدة وحلفاؤها في هزيمة روسيا بالحد الأقصى أو اضعافها وعزلها بالحد الأدنى.
إن إعادة القراءة لدور وموقع المملكة الدولي والإقليمي، ليخرج من تحت العباءة الأمريكية التي تقوم سياستها في الشرق الأوسط، على ناظِم تفوق وحماية حليفتها الأساسية إسرائيل ومعيارها مدى التقدم في التطبيع معها، ولتحقيق ذلك لا تتوانى في التضحية بِحُلفائها وآخر مثال على ذلك مساهمتها في إسقاط نظام حسني مبارك، الذي بالرغم من كل ما قدمه للولايات المتحدة وإسرائيل لم يشفع له هذا الدور، مرهون بما ستقدم عليه المملكة من خطوات جدية للخروج من دوائر التبعية.
لقد أتت زيارة السيناتور ليندسي غراهام إلى السعودية وإسرائيل وتصريحاته حول ضرورة إطلاق عملية تطبيع سعودية - إسرائيلية، في إطار إعادة تعزيز العلاقات الاستراتيجية السعودية الأمريكية، التي تعاني من انتكاسات منذ أن وصل بايدن إلى البيت الأبيض والتصريحات حول عزل ونبذ القيادة السعودية، التي أعلن عنها السيناتور الجمهوري الأمريكي ذاته ليندسي غراهام في الرابع من ديسمبر ٢٠١٨. فالتوجهات السعودية السياسية الجديدة، دفعت السيناتور ليندسي غراهام إلى لحس تصريحاته ومواقفه المعادية لولي العهد والقيادة السعودية ومدح الخطوات الإصلاحية السعودية في زيارته إلى السعودية في ١١ نيسان ولقائه ولي العهد السعودي، وتغيير مواقفه التي أطلقها في ديسمبر ٢٠١٨ حول نبذ وعزل المملكة وقيادتها، يعتبر في المفهوم الدبلوماسي اعتذار شخصي منه للمملكة ولولي عَهدِها.
إن تصريحاته تؤشر إلى مدى الإرباك الذي تعاني منه الإدارة الأمريكية من التغيرات في السلوك السياسي والاقتصادي والمالي الجديد للقيادة السعودية، الذي استدعى إلى إرسال مدير الـ CIA وليم بيرنز في زيارة غير معلن عنها (في ٦ نيسان ٢٠٢٣)، للاطلاع على حيثيات التقارب السعودي الإيراني والدور الصيني المتنامي في المنطقة، بالإضافة إلى إبلاغ الرياض عن معارضة واشنطن للسياسة السعودية الجديدة، لفك العزلة العربية عن سورية والتقارب مع إيران. لقد جاء الرد السعودي سريعًا، حيث أعلن عن لقاء وزيري الخارجية السعودي والإيراني وأضيف إليها زيارة وزير الخارجية السعودي لسوريا، وإذا ما أضفنا لها خطوات التهدئة السعودية في اليمن، تشير إلى أن السياسة السعودية مصرة على إعادة تموضعها السياسي في الإقليم، بما يخدم المصالح المشتركة لدولها.
هذا الاصرار السعودي، دفع البيت الأبيض للإعلان عن زيارة لمسؤول الأمن القومي جاك سوليفان إلى السعودية، الذي أعلن أن أحد الأهداف من زيارته هو دفع السعودية للتطبيع مع إسرائيل والهدف غير المعلن، هو الضغط من أجل عدم تقديم دعوة للرئيس بشار الأسد لحضور القمة المزمع عقدها في السعودية.
تدرك واشنطن، أن التطبيع السعودي مع إسرائيل مرتبط بتنفيذ المبادرة السعودية التي أصبحت مبادرة عربية، ولكن طرحها لهذا المطلب علنًا يهدف إلى وضع العصي في التحرك السعودي، في عنوان تصفير المشكلات مع محيطها العربي والإسلامي، وخاصة المصالحة السعودية الإيرانية - السورية، لما للعلاقة مع إسرائيل حساسية، لتعميق الثقة بين الأطراف الثلاث وامتداداتها المحلية والإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، يطرح السؤال: ما المكاسب التي ستحققها السعودية من العلاقة مع إسرائيل التي تحظى بعداء مطلق من شعوب الدول العربية والإسلامية؟
تدرك القيادة السعودية، أن لا حاجة ملحة للعلاقة مع إسرائيل العدوانية وأن الوهم الذي كان يسود بأن الحفاظ على الحكم يمر عبر إسرائيل المسيطرة على الكونغرس والبيت الأبيض (حسب تصريح الرئيس السابق ترامب)، قد سقط بعد أن مارست القيادة السعودية تجربة بعض المواقف المستقلة عن واشنطن فرضتها السياسة المتعالية لواشنطن، حيث شعرت المملكة بنشوة وأهمية السياسة السيادية، بعيدًا عن ضغوط وأوهام الحماية الأمريكية الإسرائيلية، التي تعتاش على تناقضات زرعتها بين شعوب ومجتمعات وحكام وسياسيين دول المنطقة على مدى عقود سابقة.
ما تعاني منه إسرائيل من شرور عدوانيتها وعنصريتها وإرهابها لا تؤهلها أن تعطي دروسًا في الديمقراطية الجوفاء أو تحظى بمباركة سياسية سعودية للتطبيع معها، قبل إعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة على الأقل ما ورد من حقوق في المبادرة (السعودية -العربية)، هذا ما صرح به أمين عام الجامعة العربية أحمد أبو الغيط في مقابلته الأخيرة مع الصحفي سامي كليب التي بثتها قناة الجديد اللبنانية. فجدية التوجهات السعودية التي تبدي استقلالية تعبر عن انتهاء التبعية والهيمنة الأمريكية، هذه السياسات تضغط على الولايات المتحدة التي لا خيار أمامها سوى الاعتراف بالدور السعودي الجديد والتعامل معه من موقع الاحترام المتبادل.
إن السياسات السعودية، تشير إلى أن القيادة السعودية ذاهبة، لاستثمار حجمها المالي والاقتصادي، بما يخدم مصالحها ويعزز دورها المحلي والإقليمي والدولي، هذه السياسات يجب أن تحظى بالتشجيع من قبل القوى كافة، من أجل استثمار القدرات الاقتصادية والسياسية، لإخراج المنطقة من حالة الفوضى، من أجل تحقيق مصالح شعوبها المشتركة والدفع إلى الاستثمار المتنوع لمواردها الاقتصادية والطبيعية والباطنية، بما يحقق الرفاهية والتقدم لِدولها وشعوبها.
لقد أثبتت التجربة التي مرت بها المنطقة، أن الحماية الحقيقية تأتي من قبل الشعوب أولًا وأخيرًا، فهي العامل الحاسم في التغيير الاجتماعي والسياسي، من خلال التنبه إلى مصالحة والاهتمام بأخذها بعين الاعتبار، فهي معيار أهمية التصالح بين الحكام وشعوبهم ومصالحة الحكام مع أنفسهم. فبقدر ما تدرك السلطة أهمية رفع الوعي الاجتماعي وصياغته في القوانين العامة والخاصة، بما يكفل ضرورة تحقيق الحرية والعدالة والمساواة والمشاركة، بقدر ما تعزز الثقة بين المحكوم والحاكم وتمنع استغلال الأطراف الخارجية للهوة بين الحاكم والمحكوم، لاستثمار عدم الثقة في دوامة الفوضى والتفتيت وإعادة التركيب.

