كان الهدوء والفضول من سمات الشاب الأشقر الملتحي، عيناه الزرقاوان تصوبان بنظرةٍ باردةٍ نحو جريدةٍ غربيةٍ وصلته بالبريد، ثمّ يختار بنفسه الورق المقوِّي المصقول، وبصمتٍ يرسم بحرفيةٍ عاليةٍ، وشغفٍ كأنما يمارس حلمًا بعيدًا.. يحبّذ "العزلة المنتجة" لا يريد لكائنٍ أن يوقظه، يحدد مواعيد ورشته الخاصة في مرسمه داخل القسم الفني، وعندما يفرغ من عملٍ جديد، منتظرًا تعليقات "الشبيبة" الذين اعتادوا زيارة الصديق المشترك "المواسي" مصوّر مجلة الهدف، مستهجنًا كيف ينام مع الكاميرا في المكتب، الذي يقاسمه المكان القابع في الطابق التاسع من عمارةٍ سكنيّةٍ في حي "أبو شاكر الغربي" في بيروت الغربية، يحدق بيوميات رفيقه المخيمي بحيرة وعجب، وكأنّه من كوكبٍ آخر..
الرفيق مارك أو جهاد الأجنبي، ينتظره عند ساعة الغداء لمرافقته إلى مطعم "أبو فتحي" بعدما تذوق وجبة السودا المشوية.. مستغربًا كيف يأكل الناس هنا القصبة والسودا والفشة والفوارغ..؟!
مارك رودين السويسري الذي أصبح جهاد منصور، الاسم الفلسطيني الحركي والفخري، يوقع به ملصقاته ويتنقل في شوراع المدينة على بطاقة عسكرية، بذات الاسم وبرتبة مقاتل في صفوف الجبهة، يفتخر أنّه يعيش ويناضل مع رفاقه وسط شعبٍ مقتلَع من وطنه.
ذات حربٍ في بيروت، وجد أوصاف الحرب السرية التي عرفها في مدن الغرب، تخرج إلى العلن، وتقف خلف متاريس رملية، تقطع الأرصفة، وتسد واجهات المقاهي والمحال التجارية، وهو الموسيقي الذي صنع آلة عزف شعبية من أعواد القصب، كما كان يفعل رعاة جبال الألب، ليعزف ويدندن الأغنية الثورية الرائجة حينها:
ياه ياه ياه يا شوارع
بيروت الحرب اليومية
يا مدينة يا مخزن هم
يا هيصة ووحشة جمرية
اشترى آلة تصوير ومسجّلة صوت صغيرة، وبات يسجّل أصوات الأغاني والصخب والقذائف والرصاص ويصوّر فتيات وفتيان يلبسون الجينز والكوفية الفلسطينية ويضعون على وسطهم مسدسات وجعب وأمشاط الذخيرة وعلى أكتافهم بنادق مزودة بقنبلة "الأنيرجا" وآخر يحمل قاذف "الآربي جي".
"إن لم نجد الطريق سنصنعه" قالها هنيبعل متحدّيًا جبال الألب، الطريق الذي شقّه مارك من هناك نحو زيورخ وبرن وميلانو ثم بيروت، وفي الاجتياح الصهيوني للجنوب اللبناني، التحق مع فريق التصوير جنوبًا، وظلّ هناك، يواصل عمله متجوّلًا بين الفدائيين وسط القواعد العسكرية، وبعدها نحو أزقة المخيمات، يراقب ملصقاته على حيطان شاتيلا وبرج البراجنة وعين الحلوة، لاجئ جديد إلى منفى جديد وسجن وراء سجن؛ ليولد معه تيّارٌ جديدٌ من فن الملصق السياسي، وإضافة نوعيّة جديدة في توليفة اللون والحركة يحاكي فيها الأيقونات والرموز، لتعيد صوره احتلال الأغلفة والأمكنة. رسم خطوطه الأقوى من الرصاص، المحشوة بمنطق الثورة، وبمعنى فلسطين في الصراع بين الخيال الإمبريالي الأوروبي وملحقاته الاستعمارية، التي تمثله الصهيونية الآن.. وفلسطين الموزعة في وجوه المخيم.
بوستر يلخّص صراع الخيال والحقيقة، وفي المكان الذي يجد عالمه الدائم، ويرتقي بفلسطين إلى مستوى الواجب الأخلاقي؛ من مساحةٍ متوهّجةٍ بالعناصر الجرافيكية تجذب النظر بشكلٍ مفاجئ، إلى قضيةٍ بحجم القضية الفلسطينية؛ ثم يبعثها بخطابٍ سياسيٍّ أممي مباشر وملون إلى العالم، بطريقة عصريّة تضامنًا أمميًّا تبادليًّا من ومع الشعوب المضطهدة، محتفيًا بالعالم بوصفه فلسطينيًّا.
وداعًا جهاد منصور، والحالم مارك رودين المحارب، الذي لم يعد أجنبيًّا، يوم أصبح جنديًّا في جيوش هنيبعل شق طريقه، وامتشق ألوان جبال الألب ومضى، ليكون العالم كلّه فلسطينيًّا.

