Menu

ما وراء دعوة زيلينسكي إلى القمة العربية بجدة؟

الرئيس الأوكراني

رابح لونيسي

تطرح الدعوة السعودية المفاجئة للرئيس الأوكراني زيلينسكي كضيف شرف إلى القمة العربية 32 بجدة السعودية ليوم19ماي2023 عدة تساؤلات، ومنها ماذا يختفي وراء ذلك؟

فلأول مرة في تاريخ كل القمم العربية توجه دعوة لرئيس دولة ليست عضوة في جامعة الدول العربية كضيف لأن كل الدعوات السابقة كانت توجه لممثلي أو رؤساء منظمات دولية وإقليمية لا غير. كما أن هذه الدعوة جاءت دون أي استشارة للدول الأعضاء في هذه الجامعة، وهو ما يمكن أن يثير غضب بعض الدول، ومنها الجزائر الرئيس الحالي للقمة العربية، والتي أبرزت ذلك من خلال ثلاث صحف التي تصدرت صفحتها الأولى التعجب من هذه الدعوة لزيلينسكي يوم صدورها عشية القمة، وهي جريدة الخبر الصادرة بالعربية، وكل من جريدتي الإكسبرسيون ولوسوار دالجيري الصادرتين باللغة الفرنسية. فقد اتسمت المقالات الثلاث بتهجم مبطن، وفي بعض الأحيان مباشر على السعودية وتصرفاتها لدرجة القول بأنها قد خصخصت جامعة الدول العربية، كما أنها لمحت كلها إلى قضية اغتيال الصحفي خاشقجي ومسؤولية محمد بن سلمان في ذلك. وهو ما يشير إلى وجود خلاف حاد جدا بين السعودية والجزائر بعد الإبعاد والتهميش السعودي للجزائر من أي مشاركة في قرار إعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية، وهي التي تترأس القمة العربية، بل نقول بأنها سرقت، وسلبت بشكل لا أخلاقي مجهودات الجزائر لتحقيق ذلك إلا كي لا تظهر كدولة محورية أو ذات تأثير دبلوماسي، وأن رئاستها للقمة العربية سلبية على طول الخط.

فلنشير أن السعودية قد رفضت المشاركة في قمة الجزائر بمستوى عالي متذرعة بشيخوخة الملك سلمان بن عبد العزير ومرض ولي العهد محمد بن سلمان الذي نصحه الأطباء بعدم ركوب الطائرة في تلك الفترة، لكنه في الحقيقة رفض الحضور بسبب ما كانت تسعى إليه الجزائر آنذاك لإعادة سوريا إلى الجامعة العربية، بل دعتها إلى المشاركة فيها، لكن تنازلت سوريا عن المشاركة كي لا تحرج الجزائر بعد تهديد عدة دول بعدم المشاركة في قمة الجزائر إن حضرت سوريا. فما يستغربه المتتبع هو في الوقت الذي تذرع فيه ولي العهد محمد بن سلمان بالمرض، إلا أنه قام بجولة آسيوية، وشارك في قمة مجموعة دول العشرين ببالي في أندونيسيا بعد إيام معدودة جدا من ذلك.

حاولت السعودية حل خلافاتها مع الجزائر وترضيتها بزيارات متتالية لرئيس مجلسها الشورى ثم وزير خارجيتها ثم عقد مجلس تنسيق جزائري- سعودي عشية القمة العربية بالسعودية تحت رئاسة وزيري خارجيتها. فعلينا أن نشير إلى أن الزيارات السعودية الأخيرة إلى الجزائر قد فهمها البعض بأنها محاولة سعودية للقيام بوساطة بين الجزائر والمغرب الأقصى يمكن أن يتوج ذلك بانتصار دبلوماسي سعودي أثناء قمة جدة. لكن نعتقد أن ذلك ليس صحيح، بل هذه الإشاعة وراءها المغرب الأقصى الذي يريد دائما تحميل الجزائر مسؤولية إفشال أي محاولة لحل الخلاف بين الدولتين الجارتين. فالمغرب الأقصى كل همه هو تشويه الجزائر وضربها تحت الحزام، فحتى عندما رفض تبون المشاركة في قمة جدة أشاعت بأن ذلك بسبب حضور زيلينسكي ووقوف الجزائر إلى جانب روسيا بهدف تأليب الغرب ضدها، لكن في الحقيقة الموقف الجزائري في هذه المسألة واضح جدا، وهو الحياد الإيجابي، فلا هي تريد أن تظهر بأنها مع روسيا ولا أوكرانيا. فلا بأس أن نتحدث عن بعض أساليب المغرب الأقصى ضد الجزائر مثل ترويجها دائما بأن الجزائر تقف إلى جانب إيران ضد أمريكا لدرجة الترويج بأن حزب الله يدرب البوليزاريو في الآراض الجزائرية، وكل ذلك كي يستفيد المغرب من أي محاولة لضرب إيران وتحطيمها مثل العراق، مما سينبثق عنها معاقبة الجزائر أيضا في نفس الإطار التي تعاقب فيه إيران بصفتها داخلة في المحور الإيراني كما يروج المغرب لذلك منذ سنوات.

ان لب الزيارات السعودية الأخيرة هي محاولات لترضية الجزائر التي شعرت أن كل ما قامت به من عمل لإعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية قد سرقته السعودية. ويبدو ان الترضية السعودية تحققت من خلال محاولة الجزائر إظهار نفسها في إعلامها أن ما تحقق هو مطلب جزائري وناتج عن تحركاتها، وذلك كله هو تمهيد إعلامي لقبول تبون حضور قمة السعودية وتجاوز مبدأ المعاملة بالمثل. لكن بعد دعوة السعودية المفاجئ للرئيس الأوكراني لزيليسنكي دون أي استشارة للدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، سيؤدي حتما إلى رفض تبون حضور القمة ليس فقط كمعاملة بالمثل، بل لأن هذه الدعوة لزيلنسكي ستفهم أن الدول الأعضاء في الجامعة العربية لها موقف منحاز إلى جانب الغرب على حساب روسيا، خاصة أن زيلينسكي سينتقل مباشرة بعد حضوره قمة جدة إلى هيروشيما باليابان لحضور قمة مجموعة السبع، وهو ما يمكن أن يقرأ أن الدول العربية في جدة انحازت إلى جانب أوكرانيا والغرب في حربها مع روسيا، وهو الأمر الذي ترفضه الكثير من هذه الدول، وعلى رأسها الجزائر التي فضلت الحياد الإيجابي في الحرب الروسية-الأوكرانية. فلنشر بأن الحياد الإيجابي والوقوف نفس المسافة بين المتصارعين هو مبدأ أساسي في سياسات الجزائر الدولية منذ ثورتها التحريرية إلى جانب مبادئ أخرى أساسية، ومنها الحفاظ على السلم العالمي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ودعم حركات التحرر العالمية.

فمن غير المستبعد أن تكون الدعوة السعودية لزيلينسكي هي محاولة سعودية أخرى لسرقة وساطة جزائرية بين روسيا وأوكرانيا كانت تلوح في الأفق وطرح نفسها كوسيط بين الطرفين بدل الجزائر بصفتها الرئيس الجديد للقمة العربية. ويبدأ ذلك كله بعملية إجهاض إمكانية طرح الرئيس تبون وساطة جزائرية بين روسيا وأوكرانيا في زيارته القادمة إلى موسكو، فهذه الزيارة كانت من المفروض أن تكون في الشهور الماضية، وهو ما يسمح لتبون عرض وساطته بصفته رئيس القمة العربية.

توجد عدة دول عرفت كيف تقرأ التحولات الدولية الكبيرة جدا اليوم، فاستغلت ما تبين لها أنه بدايات ظهور نظام دولي جديد يتميز بنوع من تعددية قطبية إن لم نقل ثنائية بطابع إقتصادي بين الغرب ومجموعتها السبع بقيادة أمريكا ومجموعة البريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب أفريقيا) بقيادة الصين وروسيا. فسعت هذه الدول لتحقيق مكاسب لصالحها ومحاولتها التخلص من الهيمنة الأمريكية، ومنها مصر السيسي مثلا الذي لا زال رئيسها يحن لعهد عبد الناصر، حيث تشجعت، ورفضت طلب أمريكي بمنع مرور الطائرات الروسية على أراضيها إلى سوريا -حسب ما أوردته صحيفة وول ستريت جورنال -. فحتى السعودية ذاتها، فإنها تقربت من روسيا بهدف دخولها مجموعة البريكس، ويدخل تطبيعها مع إيران ودعمها عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية في إطار التقرب من روسيا. ولو أن هناك قراءات ترى بأن إعادة سوريا إلى الجامعة العربية سببها الرغبة في إعادة المهاجرين السوريين إلى بلادهم ودفع النظام السوري إلى إيقاف التجارة بالمخدرات المسماة بحبوب الكبتاغون لتمويل نفسها، والذي أضر بدول الجوار. فلو أننا لا نستبعد هذه الأسباب إلا أننا نرى بأن رغبة السعودية التقرب من روسيا سببا رئيسيا لدعمها عودة سوريا إلى الجامعة العربية، إضافة إلى أسباب أخرى تناولناها في مقالتنا "ما وراء التحركات السعودية الأخيرة؟" (الحوار المتمدن عدد 7599 بتاريخ02/05/2023)، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل: ما الذي جعل السعودية تدعو زييلنسكي إلى هذه القمة، مما يمكن أن يفهم انه يناقض تقربها من روسيا التي يجب إرضائها لدخول مجموعة البريكس؟

نعتقد أن السعودية بإمكانها تبرير دعوتها لزيلينسكي بأنه يدخل في إطار ما قررته القمة العربية بالجزائر في نوفمبر الماضي بتشكيل وفد عربي للوساطة بين الطرفين الروسي- الأوكراني، فإن كان هذا المبرر تم قبوله، ولا نلاحظ أي تحرك روسي ضدها، فمعناه أن روسيا أيضا تريد هذه الوساطة. ولهذا فهذه الدعوة ليس معناه وقوف ضد روسيا، وكلنا نعلم أن الصين القريبة من روسيا تقف نفس الموقف بمحاولتها القيام بوساطة بين أوكرانيا وروسيا، حيث تم لقاء بين الرئيسين الصيني والأوكراني لهذا الهدف، ولم يثر ذلك غضب روسيا إطلاقا.

هناك عامل آخر وراء هذه الدعوة لزيلينسكي هي محاولة السعودية التخلص من عقوبات اقتصادية أمريكية ضد السعودية بسبب تطبيع علاقاتها مع سوريا، خاصة بعد ما أصدرت أمريكا قانونا جديدا يدعم تلك العقوبات مِؤخرا وإعطاء فعالية أكبر للقانون القديم الذي أطلق عليه "قانون قيصر" الذي صدر في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب حول المسألة. كما نعتقد أن أمريكا أيضا تريد وساطة لإنهاء هذه الحرب الروسية-الأوكرانية التي أٌثرت على الجميع بما فيها أمريكا التي تراجع دورها العالمي بفعل الآثار الاقتصادية لهذه الحرب بسبب العولمة الاقتصادية.

فقد اعتقدت أمريكا أن اندلاع أي حرب واسعة في أوروبا وتهديد أمنها يمكن أن يجعل أوروبا ضعيفة، وفي حاجة ماسة إلى أمريكا كما وقع في الحربين العالميتين الأولى والثانية والحرب الباردة، حيث كانت أمريكا هي المستفيدة من كل هذه الحروب. لكن تبين لها اليوم أن الوضع تغير تماما، فإن كانت أمريكا استفادت من الحروب العالمية السابقة، فإنه وقع العكس تماما اليوم حيث أثرت الحرب الروسية-الأوكرانية عليها سلبا بفعل تغيرات عالمية كبيرة. فأمريكا هي في طريق التراجع، فهي تشبه اليوم بريطانيا عند بدايات انهيارها منذ عقود عندما تطورت الأدوات التكنولوجية كالطائرات وغيرها، ولم يعد وضعها في أوروبا كجزيرة يسمح لها بحماية نفسها مثل الماضي وجريان الحروب خارجها، وهو نفس السلوك كان لدى أمريكا بوصفها جزيرة بالنسبة للعالم مثل بريطانيا بالنسبة لأوروبا. لكن العولمة والتطورات التكنولوجية الكبيرة جدا والترابط الاقتصادي بكل تأثيراته الكبرى جدا اليوم، حيث أصبح العالم كله مجرد قرية كونية لم يجعل أمريكا في مأمن من تأثيرات سلبية عليها اليوم. وهو ما يطرح أمامنا إمكانية قبول الجميع بإنهاء هذه الحرب الروسية- الأوكرانية التي أصبحت ذات تأثير عالمي رهيب، خاصة على الاقتصاد العالمي الذي بدأت تشعر به كل دول العالم، ناهيك من إمكانية انفلات هذه الحرب وتحولها إلى حرب نووية، ستؤدي إلى دمار عالمي كبير لن ينج منه أي أحد، خاصة أن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن هذه الحرب اليوم يمكن أن تسمح بوصول متطرفين أو ما يمسى باليمين المتطرف إلى السلطة في عدة دول، مما ينذر بدمار عالمي على يد هؤلاء المجانين الذين يمكن أن يحكموا العالم في حالة استمرار هذه الأزمة الاقتصادية الناتجة عن هذه الحرب.

فإن كانت دعوة السعودية لزيلينسكي يمكن أن نضعها في إطار ما سبق لنا التطرق إليه، إلا أنه يجب ان لا يغيب عن ذهننا عامل آخر، وهو رغبة السعودية في معرفة ردود فعل الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية وإلى أي مدى ممكن مقاومة الإرادة السعودية القوية بإمكانياتها المالية وتحالفاتها وتأثيراتها على المستويين العربي والإسلامي. فإن حدثت مقاومة، وأثارت هذه الدعوة مقاومات، فهي فرصة للسعودية ولدول الخليج لتحقيق رغبة قديمة موجودة لدى هذه الدول التي تنظر إلى باقي دول الجامعة كدول فقيرة، وتحتقرها كما يحتقر الأغنياء الجدد الفقراء، فدول الخليج تنظر إلى شعوب الدول الأخرى الأعضاء في الجامعة العربية بأنها مجرد طامعة في ثرواتها لا غير. فإن كانت هناك مقاومة للإرادة السعودية والخليجية، فهي فرصة للخروج نهائيا عن هذه المنظمة الإقليمية مادام لا تسيطر عليها، وتجعلها مجرد أداة لخدمة مصالح دول الخليج، وعلى رأسها السعودية. كما أنها يمكن أن تكون فرصتها لإطلاق رصاصة الرحمة عليها وإنهائها في إطار مشروع كبير وراءه أمريكا والكيان الصهيوني مبني على وضع أسس لنظام إقليمي شرق أوسطي وشمال أفريقي يضم حتى الكيان الصهيوني على حساب نظام إقليمي عربي، خاصة أن العالم العربي مقبل على حرب باردة جديدة بفعل بداية بوادر ثنائية قطبية نتجت عن الحرب الروسية- الأوكرانية لأن دول جامعة الدول العربية ستنقسم بين المعسكرين الغربي بقيادة أمريكا والمعسكر الروسي- الصيني كما وقع أثناء الحرب الباردة بين المعسر الغربي بقيادة أمريكا والمعسكر الشرقي بقيادة الإتحاد السوفياتي. فالنظام العالمي دائما يؤثر على الأنظمة الإقليمية بشكل أو بآخر. فحتى لو أن دول الجامعة العربية كانت كلها أعضاء في حركة عدم الانحياز إلا أن تلك الصراعات العربية-العربية أثناء الحرب الباردة كانت نتيجة لانحياز جزئي لبعض الدول إلى جانب الإتحاد السوفياتي وأخرى إلى أمريكا رغم ادعائها عدم الانحياز.

نعتقد أن هذا هو ما يفسر كل هذه الاستفزازات السعودية وعدم أخذها بعين الاعتبار للدول الأعضاء في الجامعة العربية، فهي في موقع قوة، ولا تحتاج إلى هذه الجامعة التي فكرت في الانفصال عنها منذ سنوات إلا إذا كانت تحت سيطرتها وفي خدمة مصالحها ومصالح دول الخليج كما كانت تفعل مصر بها التي كانت تعتبرها ملحقة بوزارة خارجيتها. فلم يكن إنشاء مجلس التعاون الخليجي في البداية إلا خطوة لتحقيق ذلك، فهذه الدول الخليجية التي اغتنت اليوم، وعرفت كيف توظف مواردها النفطية، وأصبح لها كلمة مسموعة دوليا لم تنس سخرية بعض حكام العالم العربي بها في بداية السبعينيات قبل ما تظهر الفورة النفطية والبترو- دولار بعد حرب أكتوبر1973.