Menu

الصمود على الصمود في الذكرى الـ 75 للنكبة

حسام كناعنة

الشاب صالح صبرة، 22 عامًا، ابن مخيم عسكر للّاجئين في مدينة نابلس يسقط شهيدًا في الذكرى الـ 75 للنكبة، وقبله بيوم سقط شهيدان آخران في مخيّم بلاطة للّاجئين، أيضًا في نابلس، الشاب سائد جهاد شاكر مشه 32 عامًا والشاب عدنان وسيم يوسف الأعرج 19 عامًا، سقطا بالرصاص الحي في الرأس خلال عدوان جيش الاحتلال على المخيّم، هذا عدا عن الإصابات والاعتقالات. لا يمرّ يوم إلا ويسقط به شهيد أو أكثر في أرجاء فلسطين كافة، وجراح غزة لم تلتئم بعد. كيف تلتئم؟ وفي كلّ عدوان، تدفع غزة من دم أبنائها وبناتها ضريبة الكرامة عن الأمة الغافلة.

من يعمل في مجال الصحة النفسية، ويقدّم خدمات الإسعاف النفسي الأولي والإشراف المهني، وعلى اطّلاع بما يحدث على الأرض، عندما تتم زيارات العائلات المتضرّرة جرّاء الاعتداءات والاقتحامات الهمجية، شبه اليومية لمدينة نابلس، ولبلدتها القديمة تحديدًا ولمخيماتها، التي ينفذها جيش الاحتلال، بداية بقواته الخاصة التي تدخل هذه الأحياء ساعة توجّه الأطفال إلى مدارسهم، وخروج العمال والموظفين لأشغالهم، وتريد أن تسألهم عن تأثير الاقتحام الأخير، يعودون بك إلى الاقتحام الذي سبقه بيوم أو يومين، وذلك الذي كان قبل أسبوع، ويوم استشهاد العزيزي والحَوح والكيلاني والنابلسي، ويسردون القائمة الطويلة من الشهداء ومن الاقتحامات ويرجعون بك إلى الانتفاضة الثانية، والنساء المتقدّمات في السن يَعُدْنَ بك إلى اقتحامات جيش الاحتلال للبلدة القديمة في الانتفاضة الأولى، لنفس البيت وذات العائلة والحارة، وهم ما زالوا صامدين، يعودون لحياتهم، رغم آلام الفقد، والخوف على أزواجهن وأطفالهنّ وأبنائهن، فتَرى، من جهة، الخوف والرعب في عيونهن، ومن جهة أخرى التحدّي والصمود، ويقلن: الله الحامي.

في مدينة نابلس، تعيش على أعصابك، لأنك لا تستطيع أن تُخطّط يومك، وقد تجد أن طفلتك التي في الصف الأول، تعود لاهثة إلى البيت، بعد أن أرسلتها بأمان إلى المدرسة القريبة، وتخبرك بأن القوات الخاصة على مدخل الحي. وأخرى أكبر قليلا تجد نفسها في منتصف الطريق، لا تستطيع أن تتقدّم لمدرستها ولا أن تعود إلى بيتها، وثالثة تفتح باب منزلها لتخرج إلى المدرسة فتجد القوات الخاصة أسفل الدرج وقد أفلتوا كلابهم عليها! بإمكانكم أن تتخيلوا الصدمة التي يعشنها أولائك الفتيات في مثل هذه الظروف، ناهيك عن أن في محيط المدخل الغربي للبلدة القديمة، حيث تتمركز جيبات الاحتلال وتطلق قنابل الغاز المسيل للدموع، ومستعدّة لإطلاق الرصاص الحيّ على من يتحرّك بالقرب منها، يوجد على الأقل 5 مدارس، غير رياض الأطفال. مع هذا كلّه، وبعد انتهاء "الحدث الأمني"، ولملمة الجراح، تعود الحياة إلى مجاريها. كيف؟ لا تعرف!

في نابلس يزيّن الشهداء بأضرحتهم مقابر المدينة، هذه المقابر التي أصبحت مزارًا لأهل البلد، فإذا ما مَرَرت، مثلاً، في المقبرة الغربية، مقبرة الشهداء، التي تحتضن مئات الشهداء، كالشهيدتان شادية أبو غزالة ولينا النابلسي، على سبيل المثال لا الحصر، وشهداء الانتفاضة الأولى والانتفاضة الثانية وأسطورة الصمود في التحقيق الرفيق نادر العفوري، ومؤخرًا أضرحة شهداء مجموعة عرين الأسود، ترى أن الأطفال في ذهابهم إلى مدارسهم، وعند عودتهم منها، يجلسون عند الأضرحة ويقرأون الفاتحة ويترحّمون على الشهداء وتسمعهم وهم يسردون قصصهم، أو أنهم هنالك فقط لقضاء بعض الوقت في حضرة الشهداء وليعتنوا بهم. تشاهد أن جيلًا آخر من المراهقين والمراهقات، ومن طالبات وطلاب الجامعات، يمرّون من المقبرة لتزيين أضرحة شهداء العرين، تلك الأضرحة التي أصبحت تُمَيَّز برخامها الأسود، ومع كل شهيد، ترى مجموعة جديدة من الأطفال والشبان الذين يحرصون على زيارته بشكل خاص. بعد هذا كله، تتساءل: من منهم سيكون هو الشهيد التالي؟ وكم منهم يتمنى أن يكون كذلك؟ وفي أي مستقبل يفكّرون؟ وهل يرون المستقبل ويحلمون به؟ وأي مستقبل هذا الذي يريدونه؟ وكيف يعودون إلى بيوتهم وإلى مدارسهم وجامعاتهم وأشغالهم، وهم يفعلون ذلك يَومَ يَوم؟!

إحدى الزميلات بعثت لي تستشيرني بخصوص طفلة في الصف الخامس التي كتبت في دفتر يومياتها:

"بسم الله الرحمن الرحيم

أنا عندي أحلام كثيرة بس إحنا في احتلال وأنا ما بحلم إلا بالاستشهاد. أنا بنت طيبة وبحب أهلي وشاطرة في المدرسة وبدي أطلع دكتورة، بس ممكن إنه الجيش يقتلني وأنا رايحة على المدرسة، بس ما تزعلو علي لإني راح أكون قمر من أقمار فلسطين، مثل ابراهيم النابلسي وآدم عباد وظافر وجواد الريماوي ...بس إذا استشهدت ما بدي امي تبكي علي، والله يرحم جميع شهدائنا". إذا كانت هذه أحلام هذا الجيل فكيف سيكون مستقبله؟ والأهم من هذا، ما الرعب والصدمة اللذان شعرت بهما والدة هذه الطفلة حين قرأت مصادفة ما كتبته في مذكّراتها؟ وكيف عادت لتعدّ وجبة الإفطار لعائلتها؟!

حين أسمع عمّا يحدث بحياة الناس، كل يوم، وأسمع من الزملاء عن تدخّلاتهم في حالات الطوارئ وتقديم خدمة الإسعاف النفسي الأولي، خاصة لمن يعمل في القدس ، ولمن قدّم هذه الخدمة للأهل في غزة، ولمن يقدّمها اليوم في مخيمات نابلس وبلدتها القديمة وفي مخيّم جنين، وعن أثر ذلك عليهم، وتعرّضهم لما نسميه بالصدمة الثانوية، ويستمرّون في تقديم هذه الخدمة بكل تفانٍ ومهنية؛ وحين أشارك في هذه التدخلات وأسمع قصص المعاناة وحجم التضحيات وأشاهد حجم الدمار الذي ألحق بمباني البلدة القديمة وأرى أنّ الحياة ما زالت مستمرة وأطفال المدارس يعودون إلى مقاعدهم، فإنّ أوّل ما يخطر في بالي كتاب "أعماق الذات المنتفضة"، (د. مصلح كناعنة ود. ماريت نتلاند، حيفا، 2003)، الذي صدر قبل عشرين عام، وما كُتِب فيه عن الصمود على الصمود، حيث جاء في مدخله: "إنّ بطولة الشعب الفلسطيني تتجسّد أكثر ما تتجسّد في صموده، وصموده يتلخّص في مقدرته على تحمّل المعاناة رغم الخسارة والقهر، والحفاظ على توازنه رغم كل ما يحلّ به من عنف وتدمير وتنكيل.

إلا أن للصمود ثمن يجب أن يُدفع، وعلى من يَدفع هذا الثمن أن يكون قادرًا على تحمّل الخسارة والضرر المترتّبَيْن على ذلك. هذا هو الصمود على الصمود، وهو المقدرة على تحمّل الثمن النفسيّ والعقليّ الباهظ للصبر والمقدرة على تحمّل الألم والمعاناة. هذا الصمود على الصمود هو المحكّ النهائي لمقدرة الشعب الفلسطيني على مقاومة الاحتلال الإسرائيلي حتى زواله" (ص. 7).

وما زال هذا الشعب صامدًا على صموده، يتحمّل كل أشكال القهر والمعاناة، ويعيش صدمة تلو الأخرى، صدمة مستمرة منذ النكبة، ويتعرّض لحوادث يوميّة صادمة طوال حياته، وقد يتعايش مع أعراض اضطراب الصدمة المستمرّة  Continuous Stress Disorder – CTSD(يُعاد غنادري – حكيم، 2020)، فليس لديه تلك الرفاهية ليعيش أعراض اضطراب ما بعد الصدمة PTSD، وما زال يدفع ثمن صموده، نفسيًا وعقليًا، وماديًا وجسديًا، ومستمرًا في الحياة وفي المواجهة.