تؤدّي ثقافة الشعوب وما تمتلكه من عناصرَ حضاريّةٍ تاريخيّةٍ دورًا مهمًّا في معركتها التحرّريّة ضدّ القوى الاستعمارية، تلك القوى التي تمتلك كل وسائل البطش والتنكيل، وسائر القوى الماديّة والعلميّة التي تُمكنّها من الإبادة والاقتلاع والسيطرة والتهجير والاستغلال بحقّ الشّعوب المستعمَرة.
ولكن كلّما كانت للثقافة جذورها الممتدة بأعماق التاريخ، استعصى على الاستعمار إلحاق الهزيمة الشاملة بها أو إبادتها بالكامل أو طمس هُويتها الحضاريّة والثقافيّة؛ فقد يحتلّ الاستعمار البلدان لعقودٍ أو يستعبد شعوبها لقرون، لكنّه في نهاية المطاف سيُهزم وتتلاشى سطوته ويرحل، فإلى جانب ما تبتدعه الشعوب من وسائل مقاومة تمُكنّها من إحراز انتصارها التاريخي، فإنّها تستقوي وتستعصم بخبراتها التاريخية الكامنة، وما تتسلّح به من عناصرٍ ثقافية موروثة تنطوي على إرادة الحياة والذكاء الجمعي والعلاقة بالمكان وقوة الانتماء، وهي عناصرُ عصيّةٌ على إدراك المُستعمِر الذي يكتفي بالشكل، ويعتقد خاطئًا أن خضوع الشعوب المُستعمَرة لسطوته، وامتصاصها لبعض مظاهره الحضارية؛ تكون قد خضعت تمامًا لشروط هيمنته واستقت مجمل خطابه وثقافته، بيد أنها في الواقع تكون قد اكتسبت من دون وعي، أو من دون أن يعي حتى الاستعمار ذاته بعضًا من وسائل قوّته وأدركت أسرار قوّته وضعفه، ما يُمكّنها من حسم معركتها ضده في لحظةٍ تاريخيّةٍ سانحة.
ومن جانبٍ آخر تستحيل القوى المادية للاستعمار مع الوقت، إلى وسائل بلا أي معنى؛ إذ إن ثمة حدودًا للاضطهاد والإبادة والترويع والاستغلال، وستتحول وسائل قوته إلى عبءٍ وإلى نقطة ضعف، لأنّه ليس بمقدوره استخدامها، وإن استخدمها فإنّها تغدو غير ذي جدوى بعد أن تفقد قدرتها على الردع، وبعد أن تتحرر الشعوب من خوفها وعجزها، وتَحوّل خسائرها البشرية الباهظة إلى عناصر قوّة إضافيّة تكسبها التضامن والتعاطف العالمي، فيما تَتحوّل إلى وصمة عار وهزيمة أخلاقية للقوى المُستعمِرة، وهذا ما يجري بالضبط مع اللحظة الاستعمارية الصهيونية لفلسطين.
وإذا كان السجن أحد الوسائل التي يبتكرها الاستعمار لقهر الشعوب المُستعمَرة وإذلالها وتطويعها، فقد تعلمت الشعوب كيفية تحويل السجن إلى ميدانٍ آخر للصراع، ومع الوقت تتلاشى مؤسسة السجن ويتعلم السجناء كيف يستقوون بضعفهم وقلّة حيلتهم (الإضراب عن الطعام مثلًا) وبإتقانهم فن إدارة التفاصيل الصغيرة، ومراكمة الإنجازات؛ فيتقهقر السجان وتبهت سطوته، ويزداد تخلّفًا واحتقارًا للذات، فمجمل السجانون يجري استقدامهم للعمل في السجون من هوامش المجتمع الاستعماري، ولا يتمتعون بأيّةِ ثقافة، بل ثقافة الهراوة والمفتاح والقيد - مصدر قوّة السجان - تفقد معناها مع الوقت؛ في حين يتسلّح السجين بشيءٍ يستعصي على السجان قهره وهزيمته: سلاح الإرادة وسلاح الثقافة وسلاح القضية التي يناضل في سبيلها.
تملي ظروف السجن القاسية على السجين، أن يُطّوع أيامه ويتصالح مع المكان شرطًا لهزيمته، فيُقبل على تنظيم حياته، وتعليمها وتثقيفها، وتتحول الإرادات الذاتية إلى إرادة جماعية؛ تبتكر قوانينها وشروط صمودها وتبني مجتمعها الذي يأخذ بالتطور، وتتطور معه ثقافته وأعرافه وأخلاقه وتقاليده وقواعد اللعبة التي يفرضها على مؤسسة السجن بعد أن تكتفي الأخيرة بالخضوع الخارجي والانضباط لإجراءات السجن الشكلية، مع أنّ مؤسّسة السجن تواصل تطوير وسائلها من حيث الشكل؛ يواصل مجتمع السجن تطوير وسائل صموده وبقائه من حيث المضمون. وفي محطّاتٍ محدّدة، أو لحظاتٍ تاريخيّةٍ فارقة، يتضح الفارق، بين الإرادتين المتصارعتين: يغدو السجين أكثر نضجًا وثقافةً ووعيًا وإحساسًا بالمسؤوليّة، ويَتحوّل إلى نموذجٍ في عين شعبه وذويه، ويتعزّز احترامه لذاته، وهكذا تفشل أهداف التحريض. وفي المقابل تزداد مؤسسة السجن بعامليها وسجانيها؛ تخلّفًا وانحطاطًا وامتهانًا للذّات؛ إذ يمضي السجان معظم سنوات عمره يزاول مهنةً حقيرةً وغير إنسانية، من فتح الأبواب وإغلاقها، القيود، التفنن في وسائل القهر والتعذيب...الخ. وعندما يتحرّر كلاهما، السجان والسجين، من السجن، يصبح السجان إنسانًا معطوبًا ومسلوب الإرادة، ولن يجد له مكانًا في المجتمع الذي يألف منه، ويبقيه يحيا على هامشه، ولن يعترف له بأية بطولة أو فضل؛ أما السجين فيجري الاحتفاء به، بوصفه بطلًا وطنيًّا ويُقدّر له شعبه تضحيته، فيجد له مكانًا، في المركز وليس في الهامش، ويعود للانخراط مع شعبه في العملية التحررية من مواقعَ مختلفة؛ فقد يصبح قائدًا سياسيًّا أو مجتمعيًّا أو أستاذًا جامعيًّا أو عاملًا في مؤسسة أو دائرة أو حزب، هكذا كان الحال مع السجين/ الأسير/ المعتقل الفلسطيني، في التجربة التحررية الفلسطينية.
أدرك الاحتلال سرّ النموذج الذي يُمثّله الأسير الفلسطيني في وجدان شعبه، لا سيما في العقدين الأخيرين، مصمم على ضرب هذا النموذج لتشويه صورته؛ فَطوّر هذه المرة وسائل لا تستهدف السيطرة على جسد الأسير من الخارج؛ مراقبته وضبطه وحسب، وإنّما التسلّل إلى وعيه وثقافته وانتمائه وإرادته؛ مستغلًّا حالة الضعف التي مرّت بها الحركة الوطنيّة في أعقاب الانقسام في الساحة الفلسطينية، وما عكسته هذه الحالة المزرية على السجون، وأدّت إلى تعزيز الانقسام والتشرذم، فسعت مؤسسة السجن الاحتلالية إلى اقتناص الفرصة السانحة، وطَوّرت مشروعًا متكاملًا هدفه الأساس تفكيك الحركة الأسيرة، وضرب التنظيم الاعتقالي، وصولًا إلى تفكيك الأسير من الداخل، وتحويله إلى حالةٍ معطوبة؛ فشجعت الانفلاش وتقديس الذات على حساب الهم الوطني، وإفساد المناضل الأسير عبر تشجيع الاستهلاك؛ العزوف عن البرامج التثقيفية والتعبوية؛ فظهرت الممالك وأمراء السجون، وتراجع أداء التنظيم الاعتقالي، في إنتاج القادة والكوادر مقارنةً عما كان عليه الوضع في العقود الثلاثة الأولى من التجربة الاعتقاليّة الفلسطينيّة. ورغم تلك الوسائل الحداثية المتبعة من قبل إدارة مصلحة السجون؛ غير أن السجن فشل ثانيةً بترويض الأسير، رغم سنوات السجن الطويلة التي يقضيها في السجن، مع أن صورة النموذج اختلت قليلًا في ضوء تراجع أهمية الأسير المحرر ومكانته في الدور الذي يمكن أن يؤديه في المجتمع واستكمال المعركة التحررية. وحتى لا نُحمّل إجراءات السجان، أو السجين ذاته عن هذا التراجع؛ يتعين علينا الاعتراف، أن الخارج، أي المجتمع الفلسطيني بمؤسساته وقواه وفصائله تَتحمّل المسؤولية أيضًا عن هذا التراجع؛ إذ إنّ ثمة مخزونًا ثقافيًّا وقيميًّا وتجربةً غنية، وطاقةً واعدة، يحملها الأسير المحرر، ومع هذا يجري تبديد تلك الثروة الاجتماعية؛ فقلة من الأسرى المحررين من يجري الاستفادة من خبرتهم وتجربتهم، ويكتفي المجتمع برعاية الأسير فور تحرره وتقدم له السلطة مستحقاته المالية، ثم ينُسى بعد أسبوع ويتنازل المجتمع ومؤسساته طوعًا عن أيةِ خدمة من الممكن أن يقدمها الأسير المحرر. ومن المعروف أن الأسرى المحررين يسارعون للانخراط في أحد الأجهزة الأمنية، أو الاكتفاء بالراتب التقاعدي، ومن ثم البحث عن الذات إما بالزواج، أو افتتاح مشروع خاص، أو التسكع في الشوارع والمقاهي في الوقت الذي نكون فيه أحوج إلى كل طاقةٍ وخبرة.
يتعيّن علينا أن نفكر بالاستفادة من تجارب الآلاف المؤلفة من الأسرى المحررين؛ فثمة واجبٌ وطنيٌّ ينبغي أن يسبق الحق، أي أن الأسير المحرر مطالب بأداء واجباته الاجتماعية والسياسية والنضالية: فلماذا لا تقام مثلًا مراكز للأسرى المحررين لضمان تشجيعهم وانخراطهم في المجتمع وأنشطته وفعالياته المختلفة كالأنشطة الخيرية والتطوعية وورش العمل الهادفة للاستفادة من تجاربهم، وتشجيعهم على كتابة تجاربهم، وإتاحة المجال أمامهم لإلقاء محاضرات في الجامعات والمعاهد والمدارس والمؤتمرات والندوات؟
ثمة المئات من الأسرى المحررين طاقاتهم مُعطّلة ومبددة بفعل الواقع المزري الذي تشهده الحالة الفلسطينية؛ منهم الفنان والشاعر والمثقف والكاتب والروائي، والقائد السياسي والاجتماعي: فلماذا لا يتم زجهم في المعركة التحررية؟!
ويعرف العديد من الأسرى المحررين واجباتهم جيّدًا؛ فمنهم من يعود إلى العمل الوطني، فيقضي شهيدًا أو يعود إلى السجن، ومنهم من ينخرط في المجتمع ومؤسساته، ومنهم أيضًا من يتقوقع على ذاته ويفشل في أداء أية مهمة، ومنهم من يغدو فاسدًا، والغالبية تذهب لتشق طريق حياتها الخاصة، وتنسى واجباتها الوطنية.
إنّ المجتمع بقواه وأطره الفاعلة، في المرحلة التحرريّة؛ ملُزمٌ بالبحث عن كل طاقة وكل نموذج، لإعادة تفعيله وزجه ثانية في المعركة التحررية؛ هكذا كان عليه الحال في العقود الأولى من التجربة الاعتقاليّة، وهذا كان عليه الحال مع سائر حركات التحرّر في العالم التي انتصرت على أعدائها؛ بفعل تركيز الطاقات والخبرات والجهود، كان دائمًا للأسرى المحررين دورٌ بارزٌ في هذه العمليّة.

